فكرة الاتحاد المتوسطي والذي طرحه الرئيس
الفرنسي ساركوزي أثارت العديد من التساؤلات
والجدل السياسي بين دول شمال المتوسط وجنوبه
أي الدول الغربية مثل فرنسا وايطاليا واسبانيا
واليونان وغيرها من الدول التي تطل مباشرة على
البحر الابيض المتوسط وبين الدول التي تطل على
جنوب البحر المتوسط مثل تونس ومصر والمغرب
ولبنان وسوريا وغيرها من الدول.
ولعل الشراكة المتوسطية ليست جديدة وكانت هناك
مشاريع لم يكتب لها النجاح وبالتالي فإن
الفكرة الفرنسية لإقامة اتحاد متوسطي هي فكرة
جديرة بالتأمل رغم ان هناك عقبات موضوعية بدأت
من خلال تحفظات العديد من الدول العربيه مثل
ليبيا والتي ترى في المشروع الافريقي اتجاها
استراتيجيا يتعدى المصالح الاقتصادية والتي
يركز عليها الاتحاد المتوسطي.
كما ان التحفظ جاء أيضا من بعض الدول
الأوروبية والتي رأت في المشروع الفرنسي تحديا
للاتحاد الأوروبي ومن هنا فإن فكرة الاتحاد
المتوسطي وان بدات طموحه وجذابه للبعض الا ان
فرص النجاح تبدو ضئيلة قياسا إلى العديد من
الاعتبارات الموضوعية.
المنطقة لا تزال تموج بالعديد من الصراعات وفي
مقدمتها الصراع العربي - الإسرائيلي والذي لا
يبدو ان هناك نهاية مرتقبة له في ظل التعنت
الإسرائيلي والانحياز الأمريكي المعروف للكيان
الإسرائيلي وفي ظل احتقان المنطقة على أكثر من
صعيد خاصة الخلاف المحتدم بين إيران والغرب
حول الملف النووي ومسألة الإرهاب في الشرق
الأوسط والحروب الاستباقية والتي شنتها إدارة
الرئيس الامريكي بوش في العراق وأفعانستان.
وفي ظل الأجواء غير المستقرة في المنطقة يبدو
ان مسألة نجاح الفكرة الفرنسية لإيجاد اتحاد
لدول البحر المتوسط هي عملية يكتنفها الكثير
من الصعوبات ليس فقط على الصعيد السياسي ولكن
على الصعيد الجيو - استراتيجي في ظل موازين
القوى والاختلال الملحوظ على الصعيدين
الاقتصادي والتقني بين ضفتي البحر المتوسط.
وإذا كان الرفض أو التحفظ من قبل بعض الدول
جاء لأسباب تتعلق بالمصالح والهواجس الأمنية
فإن الأساس في الموضوع يأتي على صعيد المنظومة
الأوروبية والتي قطعت شوطا كبيرا في سبيل
إقامة الولايات المتحدة الأوروبية والتي قد
يرى بعض اعضائها ان الاتحاد الجديد قد لا
ينسجم مع النسيج الاجتماعي الأوروبي كما في
الحالة التركية علاوة على تباين المفاهيم
والقيم والفجوة الاقتصادية بين دول متقدمة
وبين دول نامية.
وفي ظل بقاء الصراع الغربي - الإسرائيلي دون
حل متكامل وإقامة الدولة الفلسطينية فإن
الحديث عن تجمع جغرافي جديد لن يكتب له النجاح،
كما ان الولايات المتحدة قد لا تنظر إلى هذا
التطور والفكرة الفرنسية بالارتياح حتى دون
تلميح بذلك.
الفكرة الفرنسية هي جادة لإيجاد منطقة جغرافية
تطل على ضفتي المتوسط وقد تكون امكانية النجاح
موجودة في ظل ظروف بيئية سياسية طبيعية وقد
يكون ذلك أحد المشاريع التعاونية الكبيرة لدول
تضم تجمعات سكانية وموارد طبيعية كبيرة ومع
ذلك يظل العنصر الجيو - استراتيجي مهما وهو
الفيصل في تحويل المشروع الفرنسي إلى حقيقة.
المشاريع المتعددة التي تسوق المنطقة لم تنجح
وعلى رأسها المشروع الأمريكي المتعثر وهو
مشروع الشرق الأوسط الكبير والذي يضم الدول
العربية والكيان الصهيوني وتركيا وغيرها من
دول الإقليم. ولعل فشل هذا المشروع يعود إلى
أسباب سياسية واستراتيجية تتجاوز حتى مسألة
احلال السلام في المنطقة.
فالدول وحركات المقاومة للمشروع الأمريكي
تنطلق من اسباب استراتيجية جزء منها يتعلق
بالصراع مع الكيان الإسرائيلي وآخر يتعلق
بالهوية والايديولوجية والثوابت وهي نفس
الأدوات التي تهدد المشروع المتوسطي بالفشل
وهذا أمر له وجاهته إذا تم تحليل المشهد
السياسي في المنطقة بنظرة محايدة بعيدا عن
العواطف.
ورغم ان فكرة الاتحاد المتوسطي اجتذبت البعض
وأعادت إلى الأذهان دور فرنسا التاريخي على
الصعيد الحضاري من ناحية والاستعماري من ناحيه
أخرى فإن المشكلات سوف تظهر بشكل مباشر حول
الأسس والمعايير التي تحكم الاتحاد المتوسطي
في حال قيامة بعدد من الدول على جانبي المتوسط.
الطموح الفرنسي يمكن فهمه على صعيد الفكرة
والأهداف الاستراتيجية ومع ذلك فإن التحفظات
التي أبداها البعض هي تحفظات وجيهة وتدخل في
أطار المفهوم الاشمل للصراع في المنطقة وفي ظل
وجود الاتحاد الافريقي وفي ظل الاختلاف
المتصاعد بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي
في العديد من القضايا التي أثارها الإعلام
الغربي والتي أساءت للإسلام الحنيف والمسلمين
بشكل عام.
رواسب الماضي وان خمد بعضها فإن الآخر لا يزال
يثير الشك خاصة من قبل الاعلام الغربي وهناك
شواهد عديدة أثارت الرأي العام الإسلامي
واستفزته ومن هنا فإن أي توجه للتكامل
الاقتصادي بين أي تجمع جغرافي لا بد ان يضع
العديد من الاجابات التي تحتاج إلى رد واقعي
بعيدا عن الحماس الفرنسي والتحفظ العربي.
ورغم ذلك تبقى ضفتا المتوسط مهمتين للتواصل
الإنساني وتبادل المصالح وإيجاد لغة تصالح
وتفاهم بعيدا عن آثار الماضي الأليم الذي
ارتكبته القوى الاستعمارية في التاريخ القريب
والبعيد وبصرف النظر عن نجاح فكرة الاتحاد
المتوسطي من عدمها يبقى التعاون بين دول هذا
الإقليم مهم وله مصالحه المتشعبة وإذا كانت
هناك نوايا صادقة من بعض القوى الكبرى لإيجاد
منظومة للتعاون بين الشرق والغرب وتحت أي مسمى
فإن ايجاد حل عادل وشامل للصراع العربي -
الإسرائيلي والقضية الفلسطينية في مقدمته يعد
البوابة الحيوية نحو انطلاق تعاون جدي وتواصل
بين الشعوب في اطار من الاحترام المتبادل
والمسؤولية المشتركة.