إن طرح ساركوزي لمشروع الاتحاد المتوسطي يملك
بعض فرص النجاح، ليس فقط لأن الدول الأوروبية
والعربية المطلة على البحر المتوسط تدرك اهمية
تفعيل التعاون فيما بينها، ولكن ايضا لأن
واشنطن لن تقف على الارجح في مواجهة هذا
المشروع املا في امكانية الاستفادة منه بعد
ذلك. غير ان الامر سيتطلب بالضرورة التغلب على
عقبات مختلفة بدأت تظهر بشكل أو بآخر.
ليس من المبالغة في شيء القول بأنه بالرغم مما
قد يبدو من تداخل أو تقاطع بين الاقتراح، أو
بالأحرى المشروع، الذي اطلقه الرئيس الفرنسي
نيكولا ساركوزي حول انشاء الاتحاد المتوسطي،
وبين فكرة الشرق الأوسط الكبير أو الجديد التي
بشرت بها الادارة الامريكية وحاولت العمل من
اجل تمهيد الطريق امامها، الا ان هناك العديد
من الاعتبارات التي تحول دون امتزاج أو ذوبان
احدهما في الاخرى، أو حتى نسخها والحلول محلها.
وذلك نظرا لأن الفكرتين أو المشروعين ينطلقان
في الواقع من منطلقات مختلفة أو على الاقل غير
متطابقة تماما برغم ان المنطقة المستهدفة هي
في النهاية الشرق الأوسط بوجه عام أو واجهته
الاكبر المطلة على البحر المتوسط. ومن غير
الممكن ادراك عدم التطابق هذا الا في ظل ادراك
الاختلاف بين استراتيجية قوة كونية عظمى
كالولايات المتحدة تنطلق من رؤية استراتيجية
يمثل الشرق الأوسط فيها احدى المناطق الحيوية،
وبين رؤية قوة دولية كبيرة ذات تاريخ وخبرة
عالمية سابقة، وذات مصالح استراتيجية ممزوجة
بنكهة ثقافية، يشكل الشرق الأوسط وتحديدا
البحر الابيض المتوسط ضلعا اساسيا ومستمرا
فيها، وفي أوقات التدهور كما في أوقات النهوض.
ومع الوضع في الاعتبار كل مظاهر العلاقات
الطيبة، والتي تبلغ حد الانبهار الساركوزي
بالنموذج الامريكي، الا ان المصالح الوطنية
والاعتبارات ذات الصلة بالامن القومي للدول
تظل بعيدة عن التأثر بعبارات المجاملات أو
ببروتوكولات الزيارات القابلة للتبدل أو
التغير زيادة ونقصانا وفق طبيعة ما تتعرض له
العلاقات من عوامل تأثير مباشرة وغير مباشرة.
وفي هذا الاطار تحديدا فإنه من غير الممكن
افتراض ان الرئيس الفرنسي - سواء كان ساركوزي
أو غيره - يمكن ان يطرح مشروعا مثل مشروع
الاتحاد المتوسطي من اجل خدمة المصالح
الامريكية مثلا أو لتعويض خسارة واشنطن لفكرة
الشرق الأوسط الجديد أو الكبير مهما كانت
حميمية العلاقات بين ساركوزي وبوش. وفي الوقت
نفسه فإنه من الصعب تصور ان مشروع الاتحاد
المتوسطي الذي طرحه ساركوزي جاء انطلاقا من
الرغبة في منافسة المشروع الامريكي، خاصة وان
فرنسا وساركوزي تحديدا من اكثر المدركين
لحقيقة انه من غير الممكن لفرنسا ان تنافس
الولايات المتحدة على ساحة الشرق الأوسط.
وبالذات في مثل الظروف الراهنة حيث تلقي
واشنطن بثقلها في المنطقة.
وبين عدم القبول الفرنسي باللعب لحساب واشنطن
في مشروع كهذا- وهو أمر يعود إلى العقلية
والشخصية الفرنسية - وبين عدم القدرة على
منافسة واشنطن في المنطقة، جاء مشروع الاتحاد
المتوسطي مستندا إلى رؤية فرنسية تاريخية
عميقة - هي أوضح ما تكون لدى فرنسا وان كانت
موجودة بدرجات متفاوتة لدى دول وقوى أوروبية
اخرى - وهي رؤية تسعى للاستفادة من تحسن
العلاقات الفرنسية الامريكية لتجاوز اية
اعتراضات أو تحفظات امريكية حيالها، تأمينا
للتنفيذ وضمانا لامكانية الاستمرار اذا توفرت
العناصر الضرورية الاخرى.
ولعله من الاهمية بمكان الإشارة باختصار شديد
إلى عدد من الجوانب ذات الصلة لعل من اهمها ما
يلي:
∎∎ أولا : ان البحر الابيض المتوسط ليس مجرد
مياه أو فاصل يفصل بين أوروبا والمنطقة
العربية، ولكنه كان دوما جسرا للتواصل التجاري
والحضاري، كما كان ساحة ايضا للصراعات والحروب
بين الدول المطلة على ضفتيه على امتداد حقب
التاريخ. ولعل هذه هي الاهمية الأكبر للبحر
المتوسط، لدى الفرنسيين ولدى مختلف القوى
الأوروبية كذلك. ومنذ الاسكندر الاكبر مرورا
بالحروب الصليبية، ونابليون وقيادات أوروبية
أخرى عديدة ووصولا إلى ساركوزي، فإن حوض البحر
المتوسط كان بمثابة الرابطة أو الجسر بين
أوروبا والمنطقة العربية. ومن ثم شكل بوابة
واسعة تؤثر بشكل حقيقي على الأمن والاقتصاد
الأوروبي، سواء قبل اكتشاف النفط أو بعده. وهو
امر ازدادت اهميته في العقود الاخيرة.
واذا كنا في غير حاجة إلى الرجوع إلى امثلة
عديدة في هذا المجال، فإن البحر المتوسط
وتأمينه عسكريا واقتصاديا حظي دوما باهتمام
أوروبي، فرنسي وبريطاني وايطالي والماني
واسباني ويوناني وتركي بالطبع. ولعل ما يزيد
من اهمية هذا العنصر ان دول وشعوب الضفة
الجنوبية للبحر المتوسط كانت تتطلع في العادة
إلى دول الضفة الشمالية باعتبارها العالم
الاكثر تقدما والارض الموعودة للتعليم
والثقافة والتقدم وحتى العلاج، بعد ان انقضت
عصور التنوير العربية لأوروبا منذ قرون عديدة.
وتمثل هذه الارضية المشتركة أرضية مواتية
ومساعدة ايضا لنمو بذور التعاون والانخراط في
مشروعات للتعاون المتبادل بين ضفتي البحر
المتوسط، وهو ما يوفر ايضا قدرا اكبر من الثقة
بين الجانبين ودرجة أقل من التوجس أو التحفظ
على مثل هذا التعاون اقل بكثير مما يظهر
بالنسبة لمشروعات ترعاها واشنطن مثلا.
على أية حال فإن طرح ساركوزي لمشروع الاتحاد
المتوسطي يملك بعض فرص النجاح، ليس فقط لأن
الدول الأوروبية والعربية المطلة على البحر
المتوسط تدرك اهمية تفعيل التعاون فيما بينها،
ولكن ايضا لان واشنطن لن تقف على الارجح في
مواجهة هذا المشروع املا في امكانية الاستفادة
منه بعد ذلك. غير ان الامر سيتطلب بالضرورة
التغلب على عقبات مختلفة بدأت تظهر بشكل أو
بآخر.
∎∎ ثانيا : انه مع الوضع في الاعتبار الدوافع
الفرنسية لطرح هذا المشروع والتحمس له من جانب
الرئيس الفرنسي الذي يسعى إلى اعادة فرنسا إلى
موقع أكثر تأثيرا أوروبيا واطلسيا وشرق أوسطي
ودوليا، وهو ما يتضح من خطوات عملية عدة
ومتتابعة قامت بها باريس بالفعل على المستوي
الثنائي مع دول عديدة وعلى صعيد العودة إلى
القيادة العسكرية لحلف الاطلسي وبالنسبة ايضا
للاتحاد الأوروبي. الا انه يبدو ان مشروع
ساركوزي للاتحاد المتوسطي يواجه عقبات غير
قليلة، سواء من جانب الدول الأوروبية ذاتها أو
من جانب عدد من الدول العربية المطلة على
البحر المتوسط وهي عقبات تهدد بالفعل - ودون
مبالغة - بتحويل مشروع ساركوزي إلى نسخة جديدة
من الحوار العربي الأوروبي الذي طواه النسيان
وليس حتى مجموعة برشلونة التي انكمشت وضمرت هي
الاخرى.
ولعل مايدعو إلى هذا الافتراض ان مشروع
الاتحاد المتوسطي لم يستطع ان يحافظ على طابعه
المتوسطي عندما اصطدم بالعقبة الأوروبية.
بمعنى انه فقد أهم ما يميزه قبل ان ينتقل إلى
الضفة الجنوبية للبحر المتوسط. فمن المعروف ان
الاقتراح الفرنسي جاء كصيغة لتحقيق التعاون
بين الدول الأوروبية والدول العربية المطلة
على البحر الابيض المتوسط بمشاركة كل من تركيا
واسرائيل باعتبار انهما تطلان على البحر
المتوسط ايضا. وبذلك فإن الدول التي كان من
المفترض ان يضمها الاتحاد هي 14 دولة إلى جانب
فلسطين.
ولكن يبدو ان تنافس المصالح بين فرنسا
والمانيا بوجه خاص، وبينها- فرنسا - وبين دول
أوروبية اخرى تحرص على علاقات اقتصادية
وتجارية ومالية ونفطية مع الدول العربية وخاصة
الدول الواقعة على الشاطئ الجنوبي للمتوسط قد
وضع أول عقبة في طريق الاتحاد. فقد اعترضت
المانيا بشدة في البداية، كما اعترضت دول وسط
وشرق أوروبا على ما اعتبرته استئثارا من جانب
فرنسا والدول الأوروبية المطلة على البحر
المتوسط بمزايا الاتحاد المقترح وطالبت
بالمشاركة فيه.
ولأن ساركوزي يريد ان يوفر ارضية مناسبة
لمشروعه فانه وافق على ان تشارك كل دول
الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين في عضوية
الاتحاد المتوسطي. وفي ضوء هذه الخطوة فقد
الاتحاد المتوسطي طابعه الجغرافي المميز له
وربما المبرر له ايضا. ربما يقول قائل ان
توسيع عضوية الاتحاد المتوسطي ليضم كل دول
الاتحاد الأوروبي فيه دعم للاتحاد واتاحة فرص
أكبر أمام الدول العربية. ولكن الواقع ان
توسيع عضوية الاتحاد ليست في صالحه.لأسباب
عديدة بالرغم من ان الاتحاد الأوروبي يملك ما
يمكن تسميته بأفضل تجربة للتكامل الوظيفي بين
مجموعة دول على المستوى الدولي.
∎∎ ثالثا : بالنسبة للدول العربية فإن هناك في
الواقع العديد من العقبات التي تحتاج إلى جهود
مكثفة ومتواصلة لامكانية التغلب عليها. صحيح
ان لفرنسا علاقات طيبة مع مختلف دول الشاطئ
الجنوبي للبحر المتوسط بما في ذلك ليبيا التي
وقعت اتفاقات تعاون مع فرنسا بنحو عشرة
مليارات يورو خلال زيارة الرئيس القذافي
لباريس قبل عدة اسابيع. ولكن العقبات العربية
على طريق الاتحاد المتوسطي تعود في المقام
الأول إلى اسباب عربية بالأساس. ومن أبرز هذه
الاسباب الخلافات بين الاشقاء وصراعات المصالح
بدءا من التنافس حول الرئاسة الأولى للاتحاد
وحول موقع مقر الاتحاد أو سكرتاريته التي لم
تتشكل بعد ووصولا إلى الخلافات حول قضايا
سياسية محددة مثل قضية الصحراء المغربية،
والموقف من مشاركة اسرائيل في عضوية الاتحاد
وغيرها. واذا كان الرئيس الليبي معمر القذافي
قد اعرب عن معارضته للمشروع لأسباب منها انه
لم تتم استشارة العرب حوله بشكل كاف، فإنه من
المعروف ان تجارب التعامل بين الدول العربية
والاوروبية، سواء من خلال الحوار العربي
الأوروبي بعد قمة الجزائر عام 1973 - وهو حوار
كان يتم بين جامعة الدول العربية والمجموعة
الاقتصادية الأوروبية التي تطورت إلى الاتحاد
الأوروبي - أو بين مجموعة برشلونة (6 + 5 + 1)
في السنوات الاخيرة لم تقدم نتائج ملموسة أو
مشجعة. صحيح ان الجانب العربي يتحمل بعض
المسؤولية، كما يتحمل الجانب الأوروبي مسؤولية
ايضا لاسباب يطول شرحها، ولكن الصحيح ايضا انه
اذا عمد الجانب العربي إلى التعامل مع المشروع
بنفس المنطق الأوروبي وطالب بمشاركة كل الدول
الأعضاء في جامعة الدول العربية - 22 دولة -
فإن الاتحاد سيشمل في هذه الحالة 49 دولة
عربية واوروبية. ومن ثم يتم الاجهاز عليه
كاتحاد للمتوسط.
اما العقبات التنظيمية والإدارية فهي كثيرة
ومتنوعة وان كان يمكن التعامل معها اذا تمت
تسوية مايتصل بعضوية الاتحاد أوروبيا وعربيا
خاصة وان الابقاء على الصيغة بالشكل المطروح
يجعل الدول العربية عرضة لضغوط ستؤثر بالضرورة
على مصالحها.
من جانب آخر فإن الاقتراح الفرنسي يشكل صيغة
لاستيعاب تركيا واسرائيل ايضا في الاطار
المتوسطي، وهو استيعاب يظل عرضة لجدل متواصل
تركيا وعربيا ايضا، على نحو أو آخر. نظرا إلى
أن بعض الاطراف العربية ترى في مشاركة اسرائيل
في الاتحاد محاولة لبناء أوضاع جديدة في الشرق
الأوسط والقفز على قضايا لا بد من حلها أولا.
على أية حال فإن حل قضية الصحراء المغربية وحل
القضية الفلسطينية أو على الاقل السير نحو
انشاء الدولة الفلسطينية المستقلة، التي اكد
عليها الرئيس الفرنسي في خطابه امام الكنيست
الاسرائيلي، يمكن ان تفتح الطريق امام بناء
اتحاد متوسطي اكثر قدرة على العمل وتوظيف
الامكانات العربية والخبرات الأوروبية. اما
الاجتماعات واعلان صيغ فضفاضة أو غير متماسكة
أو تصطدم بعقبات حقيقية فإنه يؤثر سلبا على
مستقبل التعاون العربي الأوروبي سواء كان
متوسطيا أو عاما.