أقر الأميرال الفرنسي جان ديفورك ان مشروع
إنشاء الاتحاد المتوسطي الذي بادرت به فرنسا
اعترضته صعوبات، إذ لم يتم قبوله من طرف
شركائها وحلفائها وفي مقدمتهم ألمانيا التي
عارضت في البداية الانخراط في اتحادين في
إشارة إلى هيئة الاتحاد الأوروبي.
وإذا كانت قد تمت تسوية هذه النقطة أوروبياً
الا انه لا تزال هناك صعوبات أخرى.
وقدم الأميرال المتحصل على شهادة دكتوراة في
العلوم السياسية وعضو حيوي ضمن لجنة الدفاع في
الحلف الأطلسي في محاضرة ألقاها بمركز الشعب
للدراسات الاستراتيجية بعداً استراتيجياً
لمشروع الاتحاد المتوسطي الذي أحدث زوبعة
فكرية لم تهدأ، وفتح المجال الواسع للرأي
والرأي المعاكس بلغ أحياناً درجة السخونة،
خاصة بدخول جهات تعارض الفكرة من أساسها
وتراها قنبلة موقوتة تهز البنيان الأوروبي،
وتهدد كيان الهياكل التي أنشئت في فترات سابقة
لتجاوز حالة الضغينة والحقد، ولكسر حواجز
وحصارات وموانع حديدية، ولدتها الحروب
والتناحرات وصراعات الشرق والغرب والشمال
والجنوب.
وأظهر الأميرال ج. ديفورك في نظرته البعيدة
للمشروع الذي أطلق عنانه نيكولا ساركوزي
الرئيس الفرنسي في بداية حملته الانتخابية،
والتمسك به إلى أبعد الحدود، قدرة تحليلية في
فك الرموز وتجاوز التناقضات والتصادم.. وبلغة
دبلوماسية هادئة، قدم المشروع وكأنه الحل
المناسب لمسائل الظروف وتحديات المرحلة، ليس
فقط من زاوية الدول المنتهية إلى هذا القضاء
الجيوسياسي المترامي الأطراف، بل للوحدات
البعيدة والقريبة في الاستثمار بهذه الخريطة
المشكلة على أنقاض يالطا ومؤتمرات اخرى جعلت
المتوسط بحكم الطارئ وحسابات الاستراتيجية
نقطة تقاطع وتماس بين الشرق والغرب أيام الحرب
الباردة، وتناحر المعسكر السوفييتي والأمريكي..
وهي نظرة تجاوزها الأميرال ديفورك الذي ظل
يجوب حوض المتوسط شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً،
معطياً أبعاداً ودلالات يحسب لها ألف حساب.
وتمكن المحاضر من العبور عبر الممنوعات
والحواجز ليعيد إلى الأذهان أن المتوسط أقوى
من أن يحصر في هذا الطرح الأيديولوجي، الفلسفي
والحضاري.. وأوسع من أن يسجن في قوالب
الميتافيزيقا والديالكتيك والمناهج السياسية
الجامدة، وهو طرح يتولى تجسيده خبراء مجندون،
لإقناع من يعارض فكرة المشروع بأنها تحمل
أجوبة للراهن، وتؤسس للمستقبل، حيث التعايش
الابدي بين الثقافات والحضارات والافكار.
وازدادت قوة التحليل لدى الخبير في المسائل
الامنية، وسرد بسرعة مدهشة كل الآراء حول
المتوسط، والنظرات التي تجعل من الحوض ليس
جغرافية جامدة، لكن متحولة ، حبلى بالمشاريع
والهياكل، مشاريع تسابق الزمن غايتها واعدة هي
جعل الحوض مصدر تغيير وبناء ونمو.. وتكشف هذه
الطروحات معاني متباينة مختلفة متضادة لكنها
متعايشة، تجعل من الاخفاق انطلاقة ووثبة الى
الامام، واقلاع النفس، تحضيرا لمرحلة اكثر
تحديا وصعوبة انها الجغرافيا الجديدة التي تشد
اليها الاهتمام من زوايا متباعدة لا تتفق حول
مضمون واحد، رسالة واحدة وعاء واحد..وكسبت صفة
التصادم في الغالب لان مصدرها الخارج وليس
الداخل المعبر عن القوة الكامنة للمتوسط،
وتحولاته ومفاجآته وموقعه في الفكر
الاستراتيجي:
أولا: النظرة الامريكية للمتوسط، تحصره في أنه
فضاء استراتيجي لنشر القوى والتحرك لردع كل
جهة مناوئة معارضة للمصلحة الامريكية،وهو لا
يعدو ان يكون مجرد فضاء آخر للعبور العسكري
الدائم، نحو أبعد الافق والخلجان والقواعد
وتأسيس الدول الاستراتيجية وادماجها في
الاقليم.
ثانيا: النظرة الروسية وتجعل من المتوسط
امتدادا للنفوذ متلاصقا مع البحور الاخرى
البحر الاسود وبحر قزوين.. ومواقع تشكل رأس
حربة للاستراتيجية الروسية بعد السوفييتية.
ثالثا: النظرة الاوروبية وترى فيه مجرد جسر
ممتد على افريقيا التي سقطت تحت استعمارها في
فترات لاحقة متقاربة ومتباعدة بناء على مؤتمر
برلين.
رابعا: النظرة العربية وتدرجه في اطار المسلك
الطبيعي والمعبر الدائم الممتد حتى باب المندب
والمحيط الهندي.
خامسا: النظرة الافريقية وترى مجرد معبر ملغم
لا يسمح بمرور الاشخاص وبوابة محروسة لا تسمح
بالهجرة زادت شدة مع نظام شنجن حامل التناقضات
المشدد على الهجرة الانتقائية الى هذه القلعة
المحروسة المنغلقة في زمن الانفتاح.
هذا هو المتوسط الذي شغل بال المحللين وحير
متتبعي تطوراته واخفاقه وأزماته، وما زال يضع
الحدث باعلان ساركوزي عن مشروع الاثار، يقول
انه ليس موجها ضد أحد لكن يثير ألف سؤال
وسؤال،هل هو اتحاد بهياكل وقوانين وأسس
تشريعية.. ثم ألم يكن بيدق آخرفي يد باريس،
تحركه وتوجهه حسب المصلحة، وتفتح من خلاله
معبرا مؤمنا لتحقيق مآرب بعد حصار لها، ورفض
مبدأ التقاسم الوظيفي السابق الذي يجعل
افريقيا منطقة نفوذ فرنسية وهذا التلاشي ببروز
قوي منافسة جديدة في القارة السمراء وتوليه
واشنطن بنفسها ادارة الشؤون بافريقيا.. هذا
التلاشي يحاول ساركوزي تجاوزه، بالعودة الى
الفضاء الخارجي عبر بوابة الاتحاد المتوسطي.