لا يٌتوقع أن يحقق مشروع «الاتحاد من أجل
المتوسط» في صيغته المطروحة أكثر مما حققته
اتفاقية برشلونة، فقد يساهم في تنمية الروابط
الاقتصادية بين ضفتي المتوسط كما يمكن أن يحقق
نجاحات ملموسة على المستوى البيئي.فضلاً عن
إمكانية حدوث تبادل ثقافي أما على المستوى
السياسي، فلا يُنتظر أن يقدم الاتحاد الجديد
حلولاً ملموسة للمشكلات الموجودة في المنطقة
وأبرزها القضية الفلسطينية».
الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي سياسي طموح
لديه قدرة دبلوماسية فائقة على طرح المبادرات،
فعندما أصبح رئيساً لفرنسا، اقترح تشكيل «مجلس
حكماء أوروبي» للتفكير بمستقبل الاتحاد
الأوروبي وللعمل على منع انضمام تركيا إليه،
فتشكّل المجلس، ولكن دون أن يكون من صلاحياته
ما يتعلق بعضوية تركيا، ولا النظر في المستقبل
«القريب» للاتحاد، بل طرح أفكار عامة حول
مستقبله بعد عام 2020م.
وخلال القمة الأوروبية في بروكسل يومي
13و14مارس الماضي، طرح ساركوزي فكرة تشكيل
اتحاد أوروبي - متوسطي بهدف:اتحاد جديد قائم
بذاته يجمع الدول الأوروبية المطلّة على البحر
الأبيض المتوسط، والدول الأخرى المطلّة عليه.
واعتبار عضوية تركيا في هذا الاتحاد بديلا عن
عضويتها في الاتحاد الأوروبي. من الأهداف
الرسمية المعلنة تعزيز التعاون الاقتصادي (وهذا
ما يتضمّن سعي فرنسا مؤخرا لتسويق مفاعلاتها
النووية في الشمال الإفريقي العربي) والتعاون
البيئي (جعل البحر الأبيض المتوسط أنظف بحر في
أنحاء العالم) والتعاون الأمني (مكافحة
الإرهاب وفق مفهومه الغربي ومكافحة الهجرة من
الجنوب إلى الشمال وما شابه ذلك).
كما أنه من ضمن الأهداف المسكوت عنها من خلال
طرح هذه الفكرة : تشكيل وعاء سياسي يجمع العرب
والإسرائيليين بعد إخفاق مشروع ما عُرف بإعلان
برشلونة دون تحقيق هذا الهدف الجوهري لتأسيسه
بعد إخماد الانتفاضة الفلسطينية الأولى
وانطلاقة أوسلو على خطى مدريد. ربط سوريا من
بين «دول الممانعة» بمشروع يحقق لها مصالح
اقتصادية، ثمنا للتخلّي عن «ممانعتها» سواء
على صعيد المقاومة الفلسطينية أو المقاومة
اللبنانية أو «التطبيع» غير المشروط مع
الإسرائيليين. ترسيخ النفوذ الفرنسي المنافس
للنفوذ الأمريكي من جهة، والمتكامل معه من جهة
أخرى، في اتجاه المنطقة العربية المجاورة،
التي كانت على الدوام هدفا فرنسيا وأوروبيا
وأمريكيا.
لم يطلق ساركوزي على مشروعه عنوان «الاتحاد
الأوروبي-المتوسطي»، بل المتوسطي فقط، وأراد
أن يكون الاتحاد الأوروبي من ورائه ولكن ماليا
فقط، باعتباره بديلا أو مكملا لطريق إعلان
برشلونة، الذي أخذ من الميزانية الأوروبية
المليارات وخصص له 16 مليارا أخرى للفترة بين
2007 و2013 م.
وحقيقة القول إن هذا المشروع الذي أقرته القمة
الأوروبية في 14مارس الماضي من المتوقع أن
يُعلن عن تأسيسه في احتفال رسمي على مستوى قمة
طارئة تنعقد في باريس يوم 13يوليو الحالي، أي
بعد أسبوعين من استلام فرنسا الرئاسة الدورية
للاتحاد الأوروبي، وقبل يوم واحد من احتفالات
فرنسا بيومها الوطني، هو مجرد أفكار عامة
ينقصها كثير من التفاصيل. كما أنه يُعتبر
امتدادا لمشروع إعلان برشلونة بتطوير محدود،
وبهدف تنشيطه بعد أن أصابه الجمود، كما يعتبر
اتحادا أوروبيا «يشمل الدول الأعضاء في
الاتحاد الأوروبي جميعا وهي حاليا 27 دولة»
متوسطية، وإن بقي يحمل اسم الاتحاد المتوسطي
رسميا. واستكمل المشروع بإجراء شكلي، بجعل
رئاسة الاتحاد الثنائية مقتصرة (بالتناوب كل
عامين) على الدول المطلّة على البحر الأبيض
المتوسط، إلى أن تشملها الدورة جميعا «18 سنة»
ثم تشارك الدول الأوروبية الأخرى في التناوب
على الرئاسة أيضا.
الأمر الذي لا شك فيه أن ثمة جملة من العقبات
والتحديات أمام هذا المشروع يمكن إيجازها في
التالي:
أولاً : أنه بالرغم من إقرار المبادرة من قبل
القمة الأوروبية إلا أن كثيرا من المراقبين
تنبأوا بفشلها، فالمشروع المطروح تكتنفه عدة
نواقص أولها أنه لم يأخذ في اعتباره دول جنوب
المتوسط التي من المفترض أن تكون الشريك
الثاني في هذا الاتحاد، فالمبادرة بالأساس
أوروبية والتعديلات التي دخلت عليها أوروبية
وإقرارها جاء من قبل الدول الأوروبية فقط،
وبالتالي هناك غياب واضح للدول العربية التي
لم يُرجع إليها في أي من الإجراءات السابقة،
وقد عبر عن ذلك الرئيس القذافي بقوله: إن «هناك
تجاهلا واضحا لإرادة وصوت الجنوب» في هذه
المبادرة وأضاف: ان «الثوب يجب أن يفصله
الطرفان لنفسهما، الذي نراه الآن ونسمعه أن
طرفا واحدا يفصل الثوب وعلى الطرف الآخر أن
يلبسه».
الواقع أن هذا التجاهل لا يمكن أن يرجع فقط
إلى التفاوت بين الشمال «الغني» والجنوب «الفقير»،
فالدول العربية تشتري ما قيمته سنويا أكثر من
120 مليار يورو من الآلات والسيارات والمنتجات
الكيماوية من الدول الأوروبية، وهو ما يجعلها
تحتل مكانة هامة بين الدول المستوردة للصادرات
الأوروبية. فضلاً عن ذلك، فالدول العربية ذات
القدرات الاقتصادية الأكبر نسبيا تمثل سوقاً
جيداً للاستثمارات المالية الأوروبية، كما
تمثل بعض هذه الدول مصدر تأمين لنسبة عالية من
احتياجات النفط والغاز للقارة الأوروبية
بتكاليف منخفضة نسبيا وأكبر مثال على ذلك
ليبيا والجزائر. ومن ثم لا يجب أن نعول على
عامل «التفاوت» كسبب رئيسي في تغييب الدول
العربية عن المبادرة. ومن هنا يمكن القول إن
السبب في ذلك هو رغبة الاتحاد الأوروبي في أن
يتعامل جماعياً مع الدول العربية كـ«كيانات
منفصلة» وليس كقوة موحدة، وذلك لتدعيم قوته
وتمكينه من الحصول على النتائج المرجوة لصالحه
في مواجهة الدول العربية »المتفرقة«.
أما ثاني الأسباب التي تبعث على التنبؤ بفشل
هذه المبادرة هي البيئة غير المناسبة: حيث
الرغبة الأوروبية في تحقيق الاندماج
الإسرائيلي في المنطقة العربية دون حلٍ للقضية
الفلسطينية، وهذا يعني إنهاء الصراع العربي
الإسرائيلي وليس حلّه أي تجاوز أسباب الصراع
والقفز مباشرة إلى مرحلة التطبيع. ومن ثم لا
يُتوقع أن يجلس الفلسطينيون والإسرائيليون تحت
مظلة اتحاد واحد ويتبادلان مختلف صور «الشراكة»
في الوقت الذي يقتل فيه جنود الجيش الإسرائيلي
ملايين من الأبرياء الفلسطينيين في الأراضي
المحتلة. كما لا يُتصور أن تقبل بعض الدول
العربية رئاسة إسرائيل لهذا الاتحاد إذا جاء
دورها وتولت الرئاسة.
فضلاً عن ذلك، فإن الخلافات بين الدول الأعضاء
قد تتسبب في عرقلة عمل هذا الاتحاد بالنظر إلى
التوتر السائد بين المغرب والجزائر بشأن مسألة
«البوليساريو»، مما يجعل احتمال التوافق على
دولة جنوبية كي تحظى بمقعد المشارك في الرئاسة
أمرا صعب المنال
ثالثاً : الرفض الأمريكي، لا شك أن واشنطن لن
تسمح بوجود هذا المشروع الذي يمثل تهديدًا
صريحًا لنفوذها في منطقة حوض البحر المتوسط
وشمال إفريقيا، ورغم محاولة ساركوزي طمأنة
الرئيس بوش بشأن المشروع أثناء زيارته لواشنطن
مؤخرًا، فإن الولايات المتحدة لن تسمح بأن
يكون مشروع الاتحاد المتوسطي بديلاً عن
مشروعاتها في المنطقة مثل «الشرق الأوسط
الكبير»، أو أن يستفيد الرئيس الفرنسي من فشل
هذا المشروع في الفترة الأخيرة، بعد الفشل
الأمريكي الذريع في العراق.
رابعاً : إغفال الاقتصاد، حيث تخشى العديد من
الدول أن يتحول الاتحاد إلى جملة من
الالتزامات الأمنية على عاتق دول جنوب المتوسط،
فيما يتعلق بمكافحة الهجرة غير الشرعية
ومكافحة التطرف والإرهاب، دون التركيز على
التعاون الاقتصادي الفعّال، أو على الوجه الذي
تحتاجه هذه الدول؛ ليحتل التعاون الأمني صدارة
الاهتمامات الأوروبية في هذا المشروع.
الأمر الذي لا شك فيه أن مشروع ساركوزي بهذه
الطريقة لا يخرج عن كونه أداة لإدارة الأزمات
الأوروبية على الطريقة الفرنسية، دون أية
اعتبارات لمصالح الدول المرشحة لعضويته من
خارج أوروبا، وبالذات تركيا والدول العربية،
الأمر الذي يفرض على هذه الدول الوعي والحذر
في تعاملها مع مثل هذا المشروع وغيره من
المشروعات، وهي الأمور التي قد تقوض إمكانية
تحقيقه على أرض الواقع.
ونتيجة لكل ما سبق، لا يٌتوقع أن يحقق مشروع «الاتحاد
من أجل المتوسط» في صيغته المطروحة أكثر مما
حققته اتفاقية برشلونة، فقد يساهم في تنمية
الروابط الاقتصادية بين ضفتي المتوسط سواء
بإقامة مشروعات مشتركة أو توفير تسهيلات
جمركية بين الجانبين، كما يمكن أن يحقق نجاحات
ملموسة على المستوى البيئي إذا ما أقيمت
مشروعات لمعالجة تلوث البحر المتوسط وتطوير
استخدام الطاقة الشمسية في بلاد الجنوب، فضلاً
عن إمكانية حدوث تبادل ثقافي خاصة إذا وضع
نظام يضمن حرية انتقال الطلاب بين الدول
الأوروبية والعربية.
أما على المستوى السياسي، فلا يُنتظر أن يقدم
الاتحاد الجديد حلولاً ملموسة للمشكلات
الموجودة في المنطقة وأبرزها القضية
الفلسطينية التي حاول المشروع أن ينحيها جانباً
استناداً إلى أنها تعتمد على آليات أخرى غير
آليات الاتحاد.
إجمالاً يمكن القول أن مبادرة «الاتحاد من أجل
المتوسط» كشفت أهمية الشراكة الفرنسية
الألمانية في أوروبا، فلو لم تتدخل المستشارة
الألمانية ميركل لوضع التعديلات اللازمة لكان
المشروع تعرض لإخفاق »محرج« من قبل الدول
الأوروبية. كما اتضح أن المشروع الجديد يقوم
على الندية بين الطرفين من الناحية الشكلية
فقط حيث من المفترض أن هناك رئاسة مشتركة
للاتحاد وسكرتارية دائمة تجمع دول الشمال
والجنوب إلا أن واقع الأمر يظهر أن الشمال فقط
هو المتحكم في فعاليات المشروع. لذلك يتعين
على دول جنوب المتوسط «العربية» - باعتبارها
الشريك الثاني في الاتحاد الجديد - أن تقدم
رؤيتها الجماعية الموحدة في قمة يوليو
المنتظرة وأن تضع من الحقوق الخاصة بها قبل
نظيرتها الأوروبية قبل إقرار المشروع المتوسطي
ودخوله في مرحلة التنفيذ.