الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

لبنان في مواجهة تحديات داخلية وإقليمية حادة
د. مسعود ضاهر
اكاديمي وكاتب لبناني


شكلت الجماعات الطائفية التي تكون منها المجتمع اللبناني منطلقا أساسيا لبناء العقد السياسي والاجتماعي الذي بنيت عليه دولة لبنان الكبير عند الإعلان عنها في ظل الانتداب الفرنسي عام .1920 وتم تنظيم العقد الجديد على أساس أن جميع الطوائف اللبنانية تشكل نوعا من الوحدات السياسية والاجتماعية. وكان لزعمائها الدينيين، والمدنيين، تاريخ حافل من العلاقات الإقليمية والدولية المستمرة عبر مختلف الحقب التاريخية، وبشكل خاص منذ القرن التاسع عشر.
لقد نمت الزعامة الطائفية اللبنانية في كنف السلطة المركزية وعلى حسابها في غالب الأحيان. فكان على الإدارة السياسية المركزية، لبنانية كانت أم غير لبنانية،
أن تأخذ دوما بعين الاعتبار مصالح الزعامات الدينية والسياسية في لبنان، قبل الاستقلال عام 1943 وبعده. فهي تشكل قوى الأمر الواقع ولديها نفوذ قوي على مناصريها، وتطالب بحصة كبيرة في دوائر السلطة المركزية لتسهيل عملها.
ويتمتع رجال الدين بقدرة هائلة للتأثير على اللبنانيين، ويتفوقون دوما على الزعامة السياسية في مرحلة ضعفها. وغالبا ما كان القادة السياسيون يلجأون إلى الزعامة الدينية داخل طائفتهم لضمان سيطرتهم على رعاياهم من خلال التحالف الثابت بين الزعامتين الدينية والسياسية. مما ساهم في ولادة أحزاب طائفية قوية حولت الطوائف إلى كتل متراصة في مجتمعات طائفية تقوم على التخويف المتبادل، والاستعداد لمواجهة الآخر الطائفي الذي غالبا ما ينظر إليه كعدو محتمل.
لذلك وصفت الطائفية بأبشع النعوت في الأدبيات السياسية في لبنان. فهي طائفية بغيضة، ووصمة عار على جبين لبنان واللبنانيين. مرد ذلك إلى أن الفكر الطائفي ينبني على الإقصاء، وإلغاء الآخر. ويشجع على نقاوة الجماعة الطائفية في مناطق السكن والزواج والعادات الاجتماعية. ومن يرفض الولاء لزعيم الطائفة، أو يحلم بتغيير النظام الطائفي عبر الدعوة إلى تبني معيار الكفاءة والانتماء الوطني يتعرض للإقصاء داخل طائفته، ويعتبر عنصر تهديم لها.
منذ بداية الحرب الأهلية وما رافقها من فرز أو تهجير طائفي ومذهبي وقتل على الهوية الطائفية، بات التقرب من الزعيم الطائفي المدخل الوحيد لتولي المراكز والوظائف وفق نظام المحاصصة بين الطوائف وحرمان جميع أصحاب الكفاءة الشخصية الذين لا ينالون بركة الزعيم الطائفي ودعمه فيحرمون من الحصول على أي مركز في السلطة، من أعلى الوظائف حتى أدناها. وما زالت الغالبية الساحقة من المؤسسات والمجالس الرسمية في لبنان تعتمد حتى الآن أسلوب المحاصصة أو التوازنات الطائفية.
نتيجة لذلك فضل كثير من اللبنانيين من حملة الشهادات العلمية والمهنية، من مختلف الطوائف والمناطق، باب الهجرة إلى الخارج على باب زعماء الطوائف والجلوس أمام عتباتها استجداء لوظيفة هي من ابسط حقوقهم على الدولة اللبنانية ومؤسساتها.
كانت الطائفية وما زالت من ابرز مشكلات النظام السياسي والمانع الأساسي لبناء دولة ديمقراطية عصرية في لبنان. وزادت المسألة تعقيدا بسبب الحرب الأهلية الطويلة وتحول الطائفية إلى مذهبية تهدد بتفجير حرب أهلية مدمرة عل امتداد المناطق اللبنانية. مما أدى إلى تغييب قسري لمفهوم المواطنة وتعذر الوصول إلى حلول عقلانية للمشكلات السياسية والإدارية والاقتصادية الاجتماعية.
فالنصوص والتشريعات القانونية تراعي التوازنات الطائفية، كما أن الإصلاحات الدستورية لم تلغ الطائفية بل رسختها وعملت على تهدئتها ومنع انفجارها.
فقد نص اتفاق الطائف على توزيع المراكز العليا في السلطة بين زعماء الطوائف الكبرى، مما سهل قيام «ترويكا الحكم»، أي نظام سياسي بثلاثة رؤوس.وباتت السلطة التنفيذية تمثل بمجلس الوزراء مجتمعا. ويتم تعيين رئيس الوزراء بعد استشارات ملزمة تعقبها مداخلات متعددة في عملية ولادة الحكومة وفق توازنات طائفية ومذهبية ومناطقية، فلا تحمل حكومة الوحدة الوطنية سوى الشكل وليس المضمون. وهناك وزارات سيادية، وأخرى خدمية، وتتلوها وزارات عادية، بحيث تنعدم العدالة والمساواة حتى بين الوزراء ويبرز تمايز واضح في ما بينهم.
لرجال الدين السياسة دور ملحوظ في تشكيل الحكومة، وفي ترسيخ أو تفجير النظام الطائفي السائد تحت ستار المشاركة أو الغبن اللاحق بالطائفة. وأصبحت جميع مؤسسات الدولة ومجالسها أسيرة التوزيع الطائفي وتقاسم المغانم بين زعماء الطوائف وقادة الميليشيات السياسية والمذهبية. وأصيبت الإدارة اللبنانية بالشلل شبه التام بسبب انتشار الفساد المدعوم من زعماء السياسة. وبات شعار استقلالية القضاء حبرا على ورق، ومعه الوعود بالإصلاح الإداري، والمالي، والتربوي، ودعم الجامعة اللبنانية،
واللامركزية الإدارية، والإنماء المتوازن. ولم تعد الدولة في لبنان قابلة للاستمرار بسبب فساد الصيغة السياسية. فهي تلهث وراء سراب خادع من الحفاظ على التوازن الداخلي وحقوق المجموعات الطائفية. لكنها تبشر يوميا بتخفيف قيود النظام الطائفي ومخاطره، وحماية المجتمع المتعدد كصيغة مثالية تقوم على الحوار بين الأديان والثقافات، والانفتاح على الآخر دون إعطاء للعلمانيين أي موقع في السلطة.
داخليا، بات النظام الطائفي السائد في لبنان بحاجة ماسة إلى تغييرات جذرية تبدأ بتطبيق جميع بنود اتفاق الطائف ووضع القوانين التنظيمية الضرورية لذلك، والتوافق على قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية يساوي بين اللبنانيين في الحقوق والواجبات ويمنحهم الحرية الشخصية كمواطنين أحرار في دولة ديمقراطية وليس كرعايا في طوائف يتحكم زعماؤها بالدولة ومؤسساتها. وهناك حاجة ملحة لإصلاحات جذرية في مختلف المجالات السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية.
هذا بالإضافة إلى تنفيذ ما اتفق عليه في الطائف لجهة إنشاء مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع الطوائف اللبنانية، وانتخاب برلمان لبناني بشكل تدريجي على أسس غير طائفية،
ووضع قانون عصري للانتخاب في لبنان يضمن التمثيل الديمقراطي السليم، وتشكيل اللجنة الوطنية العليا لإلغاء الطائفية السياسية، وتبني الكفاءة الشخصية فقط لتولي المناصب في جميع وظائف الدولة، وتوحيد كتاب التاريخ المدرسي، وكثير غيرها.
ومن أولى واجبات الحكومة اللبنانية تعزيز الروابط مع المغتربين اللبنانيين عبر التوافق على قانون جديد للجنسية يسمح لمن تتوفر فيهم الشروط المطلوبة بالحصول على الجنسية اللبنانية كحق طبيعي يضمنه لهم القانون، وإعادة النظر بمرسوم التجنيس الذي أعطى الجنسية لعدد كبير ممن لا يستحقونها.وعليها إصدار تشريعات جديدة تؤسس لقيام أحزاب لبنانية جامعة وغير طائفية، وتضمن الحريات العامة والشخصية مع مراقبة فاعلة لوسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة لمنعها من التحريض الطائفي أو المذهبي أو الإساءة إلى كرامة الأفراد والجماعات اللبنانية.
إقليميا، ومع بروز موقف إسرائيلي علني يهدد بضرب لبنان مجددا، لا بد من التوافق على استراتيجية دفاعية لحماية اللبنانيين بالحفاظ على سلاح المقاومة.وتواجه الحكومة الجديدة انقسامات حادة في هذا المجال تتطلب حلولا جذرية. فهي مترددة حتى الآن في تعيين القيادات الأمنية. وليس ما يشير إلى قدرتها على بناء استراتيجية وطنية شاملة للدفاع عن لبنان ومقاومة الأخطار التي تحدق به، من وجهة نظر البعض فى لبنان.
كما أن إطلاق الحوار مع سوريا، واسترجاع الأراضي اللبنانية التي تحتلها إسرائيل من خلال الأمم المتحدة يتطلب أقصى درجات التضامن الوزاري والوحدة الوطنية. ولبنان مطالب بنقل مخاطر التهديدات الإسرائيلية إلى مجلس الأمن الذي سينعقد قريبا من أجل التجديد لقوات حفظ السلام لدولية. ولم تعد إسرائيل تكتفي بالتحريض على ضرب «حزب الله» ونزع سلاحه بل تعمل على استدراج قوى لبنانية إلى أعمال عسكرية تشكل ذريعة مباشرة لشن حرب شاملة على لبنان وتدمير كامل البنى الاساسية والعمرانية والاقتصادية فيه. فإسرائيل تعيش اليوم مأزقا داخليا وصراعات حادة بين زعماء يتنافسون على خلافة أولمرت بعد أن أصبح ورقة سياسية ميتة وأسير فضائحه المالية والأخلاقية. وهم يتبنون أسلوب الحرب للحفاظ على وحدة إسرائيل الداخلية. ويمهد صقور إسرائيل للحرب بتعطيل دور قوات حفظ السلام الدولية تمهيدا للاعتداء عليها واستعجال خروجها من الأراضي اللبنانية، وإلغاء المظلة السياسية والحقوقية التي تحفظ لبنانية الأراضي اللبنانية. ويطالبون سوريا بالتخلي عن دعمها لحزب الله، وعدم تزويده بصواريخ روسية متطورة، وأجهزة مضادة للطائرات تعتبرها إسرائيل خطا أحمر يهدد أمنها وبقاءها.
ختاما، يعيش لبنان مرحلة خطرة جدا تتطلب التضامن الداخلي، ونزع فتيل الفتن المذهبية، وتعزيز دور الجيش اللبناني ومعه قوات حفظ السلام الدولية في جنوب لبنان، والقيام بإصلاحات جذرية تعزز الوحدة الداخلية وتحمي لبنان واللبنانيين.

  رجوع