منوعات....

نوافذ
التحولات والإعلام
يكتبها: عبدالله بن علي العليان


أصبح العالم اليوم كما هو معروف قرية عالمية متداخلة مع العوالم الأخرى القريبة منها والبعيدة،ومع مجيء العولمة المعززة بمنظمة التجارة العالمية (الجات) والتي لا خيار لنا في القبول بأطروحاتها أو عدم القبول، فإن هذه المرحلة بعيداً عن التعريفات والمصطلحات تعني إلغاء الحدود القومية، وتعميم مفاهيم العولمة، ونقل نطاقها إلى أقصى حد من العمومية بدون رقابة أو حجب، وفي فضاء مفتوح ومتاح كونياً للعالم.
ومن هذا المنطلق الإعلامي العربي بصورة عامة، والإعلام الخليجي بصورة خاصة سيتأثر بلا شك من هذه التطورات المتسارعة، وأصبح (مجتمع الإعلام العالمي) وتأثيره حقيقة واقعة لا جدال فيها، ويرى د/ جاب الله موسى: أن هذه التطورات المقبلة ستشهد تراجعاً ملحوظاً في السيادة الوطنية والثقافية للدولة. ذلك أن تقنية الاتصال المعاصرة تسمح للفرد بالانفتاح على مجالات إعلامية وثقافية متعددة من دون أن يكون خاضعاً لمشيئة الدولة وسياساتها الإعلامية والثقافية. هذا الانفتاح وما يقابله من تدفق معلوماتي مقصود تجاه المشاهد ـ المستقبلي ـ لا بد أن يؤثر إلى الدرجة التي يمكن معها المستقبل أن يرتبط برصيد معرفي مشترك مع المصدر (الآخر) القوي، مصدر قد يؤثر في سلوكه وتفكيره أكثر من ذلك المتعلق بهويته الأصلية .
ولعل أخطر هذه التحولات ما يقوم به الإعلام في تشكيل أنماط معينة من السلوك الإنساني وتهميش أنماط أخرى من خلال لغة الصورة ورموزها .تحولات أدركت بموجبها الدول المتقدمة أهمية الأدوار التي يمكن أن يقوم بها الإعلام كبديل لممارسة الديمقراطية خصوصاً بعد أن احتلت وسائط الاتصال المساحة المخصصة لممارسة الفعل الديمقراطي، إذا أصبحت هذه المساحة هي ذاتها المخصصة للإعلام، ولذلك لم يعد الإعلام يمثل السلطة الرابعة، بل أصبح يشغل المجال الشفاف بين الفعل السياسي والثقافي ورد الفعل الجماهيري. ويعتقد العديد من المهتمين بتأثيرات العولمة الفكرية والثقافية أن هذه التطورات الكبيرة في وسائل الاتصال والإعلام سوف تجعل العالم يتغير كثيراً ويتفاعل مع الثقافات الأخرى بحكم هذا التطور المعلوماتي والإعلامي المتسارع.
إن التوقعات المقبلة أن يتوسع عالم المعلوماتية وعولمة الإعلام بحيث تنافس الدولة في بعض صلاحياتها سيما مجال الإعلام وتأثيره في الرأي العام وقدرته وإمكانياته التكنولوجية على الاختراق الكوني حد الانتقاص من السيادة الوطنية، بحيث أن الشبكات الهائلة من علاقات القوة والهيمنة ستعمل من خلال الشركات العابرة للقارات، وغطاء منظمة التجارة العالمية، وغيرها من المؤسسات الاقتصادية على الاختراق السيادي، وعلى الأخص الاختراق الإعلامي المعلوماتي ويذكر جوزيف ناي ـ وهو مسؤول سابق في البنتاجون وعميد معهد كينيدي في جامعة هارفارد حالياً ـ في مقال كتبه بالاشتراك مع وليم جونز ونشرته مجلة (الشؤون الخارجية) في عدد أبريل من عام ،1996 كيف أنه سيكون من السهل على أمريكا أن تسيطر سياسياً على العالم في المستقبل القريب، وذلك بفضل قدرتها التي لا تضاهى في إدماج النظم الإعلامية المعقدة. ويبيّن صاحبنا وجهة النظر الأمريكية هذه إلى أي مدى تأثرت مفاهيم السيادة القومية تحت وطأة الاختراق الإعلامي عبر شبكات التلفزة الفضائية والإنترنت. حيث لم يعد بإمكان الدول ذات السيادة التقليدية أن تحجب عن فضاءاتها الغزو الثقافي والإعلامي. الأمر الذي كانت توفره إجراءات سيادية تقليدية من مثل إغلاق بوابات الحدود الجغرافية في وجه عمليات الغزو الآتية من الخارج.حتى أن عدداً من الخبراء الإنجليز راحوا يصفون هذه الظاهرة العالمية بـ (القوة الناعمة) التي تستطيع أن تحقق غاياتها الاستعمارية على نطاق واسع من دون أن تخلق ردات الفعل الكلاسيكية الثورية من جانب الشعوب التي تتعرض كرامتها القومية للمهانة وسيادتها للانتهاك وأرضها للاحتلال.