من يلبي منا دعوات الأصدقاء
والمعارف لحضور حفلة عقد قران، أو عرس يرى العجب العجاب من
البذخ الممقوت في كثير من الأحيان، ويتساءل في الوقت نفسه،
هل الناس تنقصهم ثقافة الأكل؟ قد يكون الأمر ملحا لتوعية
الناس بثقافة ترشيد الإنفاق، فهذا مفهوم على درجة كبيرة من
الأهمية، وقد يكون مفهوما حديثا كناحية علمية، فالمفردة في
واقعها اليوم مفردة حديثة، أما كممارسة تقليدية لهذا
الترشيد في الإنفاق فهي موجودة منذ زمن بعيد، لا يزال
آباؤنا وأمهاتنا يمارسونها بتلقائية واضحة، ويحرصون على
تطبيقها، لكن عندما نصل إلى مفردة ترشيد الإنفاق في صورته
الحديثة، هنا نحتاج إلى دورات في هذا الجانب.
وفي المقابل من المعيب جدا أن نحتاج إلى ثقافة في كيفية
تناول الأطعمة، لان هذه الممارسة عايشناها، وما زلنا منذ
البدايات الأولى لعمر الحياة، وتتجدد هذه الثقافة يوما بعد
يوم بحكم التجربة، والممارسة الفعلية لعملية الأكل اليومية
المتكررة.
يجرنا هذا الحديث نحو ما نمارسه في موائد العزائم التي
تقام في المناسبات المختلفة، وأكثرها مناسبات الأعراس بحكم
تنامي انتقال الأفراد من الحالة العازبة المنفردة المؤقتة،
إلى الحالة الاجتماعية التي تتطلب مثل هذا الارتباط
المشروع.
من يحضر هذه المناسبات يجد المئات من هؤلاء «المعازيم»،
حتى ولكأنه يخاف على صاحب العزيمة من عدم كفاية الأكل
الموجود لهذه الأعداد الكبيرة من البشر، ومع ذلك يبارك
الله فيما أعده صاحب الوليمة لضيوفه، ويخرج الجميع وقد
اكتفوا مما قدم لهم من الحلوى، والفواكه، والأرز واللحم،
شاكرين الله، ومثمنين لفتة صاحب العزيمة الذي خص كل واحد
منهم بهذه العزيمة.
ومن يعش حقيقة الموقف يعش في حالة من القلق والخوف، حتى
ينفض السامر، خوف التقصير في حق هؤلاء الضيوف الذين تحملوا
مشاق السفر فقطعوا عشرات الكيلو مترات وبعضهم المئات،
والصورة في مجملها ملحمة اجتماعية رائعة من التعاون،
والتكاتف، ولكن المعاب فيها هو تلك الصورة الباذخة،
والمسرفة في بعض جوانبها، حيث تترك الصحون المملوءة بالأرز
واللحم في أماكنها، وما أكل منها سوى اليسير، والباقي -
طبعا - يرمى في صناديق القمامة، وهذا أمر لا يجوز استمراره،
والسبب أنه قد يجلس على الصحن أو الصينية اثنان أو ثلاثة
على الأكثر بينما الموجود يكفي لخمسة أو ستة. هذا جانب،
أما الجانب الآخر فهو عدم قدرة تحديد كفاية طلبية الأكل من
قبل صاحب العزيمة، حيث ترى أن هناك من يحجز لألف فرد،
بينما في المقابل المعزومين لا يتجاوزون الخمسمائة، وهذا
في حد ذاتها - أيضا - مشكلة، حيث تبقى «مراجل الأكل»
مملوءة دون أي نقصان، ومصيرها معروف أيضا.
وما يحدث عند النساء في مثل هذه المناسبات اشد وانكى،
والسؤال المطروح ألا يمكن تقنين ذلك، هل نحتاج إلى خبراء
لمعرفة الحاجة المطلوبة بالضبط، لا زيادة ولا نقصان، أم
انه سوء تنظيم يحدث أثناء توزيع الأكل؟
أتصور أن المراجعة في هذا الجانب أصبحت ضرورية، خاصة في ظل
تنامي ارتفاع الأسعار، والخروج من هذه العشوائية في هذه
العزائم أصبح امرا حتميا يحتاج إلى سرعة تنفيذ، ولا أتصور
أن أفراد المجتمع ينقصهم الوعي اليوم للسيطرة على هذا
الوضع الهلامي، الذي لا يعبر سوى عن سوء تقدير للأمور، وهو
أمر معاب.