التصنيع هو أمل
الشعوب لكي تتجاوز حالة التخلف الى التطور
الاقتصادي. ويعود السبب الجوهري في ذلك الأمر
أن التصنيع، بعكس الزراعة أو إنتاج المواد
الطبيعية يعني إيجاد مواد جديدة من مواد
طبيعية أو زراعية أو أقل تصنيعاً، صعوداً الى
أكثر المصانع تعقيداً
بدأ اتجاه معيّن في التبلور في مجري الأعمال
والاستثمارات الخليجية، وهو التوجه نحو صناعات
أكثر طموحاً مثل الطاقة والحديد بعيداً عن
العقار.
ولقد أقدم بنك التمويل الخليجي مؤخراً، وعلى
سبيل المثال، على إنشاء شركات للحديد وللتنقيب.
كمؤشر على الابتعاد النسبي عن العقار، وإن
كانت شركة الحديد ترتبط بتوفير مواد يحتاجها
العقار، ولتفادي حدوث ارتفاعات هائلة في أسعار
مواد البناء تقلق الاستثمارات المرتبطة بذلك.
جاء التغيير لأسباب عدة. أولاً هناك توجه لدى
المصارف الإسلامية بأن هدفهم الاقتصادي هو
أشمل مما تم حتى الآن، فهم يوردون كثيراً أن
ما يجب أن يعنون به هو إعمار الأرض حسب
التكليف السماوي وهذا أمر لا يقتصر على العقار.
فحين جعل الله من آدم خليفة بالأرض أوصاه
بإعمارها بالمعني الشامل، ولقد أكد ذلك صالح
كامل رئيس مجموعة دلة البركة في أحد
الاجتماعات، مستفيضاً في ذلك ومبيناً أن هذا
هو ما فعله المسلمون في أيام ازدهارهم، مما
مكنهم من تسنم قيادة البشرية.
الأمر الثاني أن جدلاً واسعاً قد شهدته صحافة
الخليج وخارجها ينتقد اقتصار حركة الرأسمال
على العقار وأن المنطقة قد تشبعت بهذا النشاط،
وأن الإصرار على المضى في ذلك يتضمن جبناً من
الرأسمال الخليجي من القيام بأدوار أكثر طموحاً،
ولكنها ضرورية للمنطقة.
ثم أتي التوجس الذي ظهر من تمكن أجانب كثيرين
من الحصول على حق الإقامة بدول الخليج عبر
شراء قطع العقار بها، مما بث تخوفات من الآثار
السلبية لتملك هؤلاء الأجانب لحق الإقامة دون
المرور بأي من شروط ذلك عدا دفع مبلغ من المال
لحيازة بيت أو شقة.
وأتت أزمة العقارات بأمريكا وانهيار تلك
المؤسسة مما أشعر رجال الأعمال ومؤسسات المال
بالخليج بضرورة التنويع في المشاريع لتتمكن
تلك الاستثمارات من دعم بعضها البعض.
وهكذا بدأ يبرز في الأفق اتجاه جديد يسير نحو
صناعات مختلفة عن المألوف أو عمّا اعتاد عليه
رأس المال الخليجي.
وكمثل على ذلك ما أعلنه بيت التمويل الخليجي
مؤخراً عن قيام شركة للتنقيب عن النفط. وبعدها
أعلن عن قيام مشروع لتصنيع الحديد لتلبية
الطلب المتعاظم على المادة في السوق. ولا
تتميز تلك الشركات بطبيعة نشاطها، وإنما أيضا
بنظرتها التي تتجاوز منطقة الخليج لتشملها
والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
التصنيع هو أمل الشعوب لكي تتجاوز حالة التخلف
الى التطور الاقتصادي. ويعود السبب الجوهري في
ذلك الأمر أن التصنيع، بعكس الزراعة أو إنتاج
المواد الطبيعية يعني إيجاد مواد جديدة من
مواد طبيعية أو زراعية أو أقل تصنيعاً، صعوداً
الى أكثر المصانع تعقيداً .
وبهذا ترتبط الصناعة بالمعرفة العميقة
والشاملة بالمادة المصنعة فصناعة
البتروكيماويات مثلاً تختلف عن استخراج النفط
وبيعه. فالتصنيع يتطلب بالأساس معرفة الشيء من
كافة جوانبه للتمكن من العمل على إنتاجه
أولاً، بأرخص التكاليف ليكون تنافسياً ثانياً.
ثم يُضاف الى ذلك تملك قدرات إدارية للتمكن من
تجميع بيئة للتصنيع قادرة على التنافس مع
مثيلاتها وتستطيع أن تسوق المنتوج في السوق
المحلية والعالمية. ولذلك يتطلب التصنيع يتطلب
بنية تعليمية واسعة ومراكز للبحث العلمي فائقة
التطور.
هذا كله مفهوم ومستوعب. والإتجاه الخليجي
الجديد حري بالتشجيع باتجاهه العام، ولكن
سيبقي السؤال الأهم وهو ماذا عن اليد العاملة.
كم سيتطلب تأسيس مصنع للحديد؟ وهل أفضل موقع
له؟ هل هو دول الخليج بما سيتطلبه من عمالة
نعرف منذ البدء أننا لا نمتلكها، أم أن من
المفيد التفكير منذ البدء في توزيع هذه
المصانع على المنطقة العربية، على أن يترافق
مع اشتراط حماية الاستثمار والملكية الخاصة،
بحيث تفيد تلك المصانع في تطوير الدول العربية
من ناحية، ولتفادي زيادة الطلب على العمالة
الأجنبية في منطقة الخليج.
ولربما إذ تنظر تلك الدول في التصنيع لتنويع
مداخيلها ولتحقيق أمن صناعي إزاء بعض المواد
(كضمان للحصول على مواد للبناء مثلاً والتي
يؤدي نقصها للتأثير على حركة العمران في
العقار أو في البنية التحتية)، فلربما يتوجب
عليها أن تنظر بشمولية لمسيرة الدول لتختار من
بين تلك التجربة أقرب الأمور لواقعها، من حيث
كونها دول غنية، ولكنها شحيحة السكان. ولذلك
ربما كان من المناسب مثلاً أن تدرس تجربة
سويسرا أكثر مما تدرس ما قامت به الصين.
وعليها أن تعرف أن أمنها وثراءها سيكونان
مرتبطين أولاً وأخيراً بسكانها، فإن فقدت
هويتها سيكون النيل من بقية الأمور في
المتناول، وستضحي المسألة مسألة وقت.
لقد وجهت ملاحظات كثيرة لجهات
الاستثمارالخليجية عبر العقد الماضي حول
وحدانية اتجاه نشاطها من حيث التركيز على
العقار، وهي إذ تستجيب لمثل تلك الملاحظات،
ينبغي أن تحقق استجابتها بشكل لا يؤدي الى
الوقوع في خطأ استراتيجي قاتل.
ولكن لربما لا يجب تحميل تلك المصارف فوق
طاقتها، فهي مؤسسات يكون الربح محركها الوحيد،
وهي ليست ملامة في ذلك بحكم تشكيلها وبحكم
تحالفاتها الإقليمية والعالمية ليست في وضع
يجعلها قادرة على الانتباه لمثل هذه المسائل،
فهي أمور تتعلق بمصالح البلاد العليا، وهي
ليست المؤسسات المنوطة بمثل هذه الأمور.