الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

أمريكا.. دولة أم عقيدة ؟!
عاطف الغمري

«هل لا تزال أمريكا هي الفكرة.. وهي العقيدة؟ هناك من لا يزالون يتمسكون بهذا الفهم. ولن يتخلوا عنه. وهناك أيضا من مدوا أبصارهم إلى الأفق الواسع، واستوعبوا ما يجري هناك على البعد، وبدأوا ينشغلون بصورة أمريكا في المستقبل.. مستقبل العالم الذي لا تنفرد أمريكا بصياغته وتشكيله وإنما الذي يلعب فيه آخرون دورهم.. وهؤلاء الآخرون لهم قيم وأفكار ومبادئ وعقائد وتقاليد ثقافية وحضارية.وهكذا سيكون العالم الجديد.
هل أمريكا دولة؟ في عمق الفكر السياسي الأمريكي، اقتناع بأن أمريكا أكبر من أن يطلق عليها وصف الدولة وحسب لأنها فكرة. وللمؤرخ الأمريكي هوفستاد مقولة مشابهة تقول: إن الأمريكيين لا يبحثون لبلادهم عن عقيدة. لأنهم مقتنعون بأن أمريكا هي العقيدة.
والفكرة والعقيدة تقومان على معنى مسؤوليتها عن نقل قيمها وأفكارها ونظمها ومفاهيمها إلى العالم، باعتبار ذلك رسالتها للإنسانية، ولنشر الخير، من وجهة نظرها. لكن هناك تحولا هادئا قد بدأ حول هذا المفهوم، يتساءل الذين يتابعونه هل مازالت الظروف في الداخل والخارج تسمح باستمراريته ؟
المعركة الانتخابية الدائرة الآن بين باراك أوباما ذي الأصول الإفريقية، ومكين المنتمي إلى الجناح المحافظ التقليدي، جاءت في وقت هذا التحول، وهو يمثل التحدي الأكبر لكليهما لو أصبح رئيسا. وهو تحول في نظرة أمريكا لنفسها، مقترن بتغير في نظرة العالم لها، والذي يعكسه انتشار الظاهرة التي رصدتها مراكز استطلاع الرأي في أوروبا، وفي الولايات المتحدة وأبرزها مركز بيو peue الشهير، وهي ظاهرة العداء لأمريكا Americanismanti ويضيف إلى ذلك كاتب أمريكي مرموق هو بول كروجان قوله: لو أن أوباما استطاع ان يكسب انتخابات الرئاسة في نوفمبر المقبل، ودخل البيت الأبيض، لكان في امكاننا ان نقول إن التحول قد حدث في أمريكا. وقيل أيضا إن المعركة الانتخابية منذ اللحظة التي حقق فيها أوباما انتصاره التاريخي علي هيلاري، تدور حاليا بين أمريكتين: أمريكا المتمسكة بأن حاضرها ومستقبلها لن ينسلخ عن ماضيها، وأمريكا الأخري التي تبحث عن رؤية لمستقبل مختلف، في عالم، تعاد صياغته، ليس بيد أمريكا هذه المرة.
وربما كان ما عكس التحول في معني أمريكا الفكرة، استطلاع للرأي أجراه أخيرا معهد جالوب، نتيجته : أن الأمريكيين تعبوا من هوية وطنية صارت تغلب عليها مفاهيم الغطرسة في الخارج، وأساليب تخويف المواطن في الداخل.
لقد كانت أمريكا الفكرة، محل جدل بين مدرستين للسياسة الخارجية، إحداهما تعرف بالمدرسة الواقعية، ومن رموزها المعروفين الرئيس بوش الأب، وجيمس بيكر، وبرنت سكوكرفت، وكيسنجر، وكلينتون، وأولبرايت.
وهي تؤمن بالسيادة الأمريكية في العالم، لكنها السيادة النسبية، وبمشاركة آخرين، وبأن يكون نشر القيم والمبادئ الأمريكية عن طريق الإغراء، ووسائل الجذب، وأدوات القوى الناعمة التقليدية، كأفلام هوليود وإبهار الحلم الأمريكي، والموسيقي، والأدب، والإعلام.
والمدرسة الثانية وتعرف بالمدرسة المثالية، وينتمي إليها المحافظون الجدد، وهم فريق ضمن فرق أخرى، وتؤمن بالسيادة المطلقة وبدون شركاء، وبالهيمنة العالمية، ونشر القيم الأمريكية بين الشعوب الأخرى، ولو بالقوة العسكرية.
وكانت حرب العراق بمثابة المختبر أو المعمل، الذي اختير ميدانا لتجربة تطبيق الفكرة، فإذا نجحت عسكريا، يمكن نقلها إلى باقي مناطق العالم الإقليمية. لكن الفكرة جري لها في العراق ما يشبه الزجاج الذي تكسر.
وحسب التقديرات المنشورة في أمريكا فإن أحدا لم يحمل معول الهدم للفكرة، مثلما فعل جورج بوش، حتي ولو جاء ذلك بدون قصد.
ومن الأصل فلم تكن فكرة النموذج الأمريكي مطروحة ليختاره من يختار، لأن صياغة شكل العالم ـ في القرن الأمريكي ـ ونقل النموذج إليه، هو مسئولية أمريكا تجاه الإنسانية.
والفكرة نفسها كانت هي جوهر الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، فكلاهما كان يعتبر أن صراعه ضد الآخر، هو رسالة من أجل الإنسانية. وليس خافيا أن الخبراء في أمريكا مشغولون في السنوات الأخيرة باحتمالات التحول في وضع أمريكا في العالم، وإعادة صياغة النظام الدولي، بمشاركة وبقوة تأثير آخرين، وذلك على ضوء بروز الصين، ثم الهند وقوى أخرى، لن يقتصر دورها علي اكتسابها قوة اقتصادية، ومكانة سياسية، وإنما أيضا علي بعث حضاري، سيؤدي إلى تعددية مراكز الإلهام الثقافي والحضاري، بعد أن ظلت أمريكا تحتكر وحدها هذا المركز. وكانت أمريكا قد شهدت في أواخر التسعينيات، مناظرات حول نظرية البروفيسور هنتجتون «صدام الحضارات«, نشرت في المجلة الفصلية الفكرية (The national intteresttan ehT) أرجعت جانبا مهما من الأسباب التي تقف وراء هذه النظرية إلى خوف قوى أمريكية ذات ثقل ونفوذ، من صحوة الحضارات القديمة خاصة في آسيا، وتحولها إلى مراكز جذب ثقافي وحضاري لشعوبها ولغيرهم، مما يهدد مركز الإلهام الحضاري وعاصمته أمريكا.
لا أحد يجادل في أن أمريكا لاتزال القوة العسكرية الأكبر في العالم، وهي قوة اقتصادية مزدهرة ومؤثرة، وتتفوق بنظامها التعليمي، وبحوثها وكشوفها العلمية، ونظام عمل محكم، ووسائل معيشة ميسرة، لكن هذا لا يمنع أن العالم يشهد بالفعل تحولا، لا ينكره أكبر المفكرين وخبراء السياسة الخارجية في الولايات المتحدة، والاحتمالات المقبلة لهذا التحول، موضوعة تحت أنظارهم، وستكون جانبا مهما من جدول أعمال مناقشاتهم، ولا تخلو توقعاتهم من أن أمريكا في النظام الدولي المقبل، قد تكون ضمن تعددية دولية جديدة، وليست القوة العظمى الوحيدة، أو المنفردة بالهيمنة على العالم ـ حسبما كان حلم المحافظين الجدد.فهل لا تزال أمريكا هي الفكرة.. وهي العقيدة؟
هناك من لا يزالون يتمسكون بهذا الفهم. ولن يتخلوا عنه. وهناك أيضا من مدوا أبصارهم إلى الأفق الواسع، واستوعبوا ما يجري هناك على البعد، وبدأوا ينشغلون بصورة أمريكا في المستقبل.. مستقبل العالم الذي لا تنفرد أمريكا بصياغته وتشكيله وإنما الذي يؤدي فيه آخرون دورهم.. وهؤلاء الآخرون لهم قيم وأفكار ومبادئ وعقائد وتقاليد ثقافية وحضارية. وهكذا سيكون العالم الجديد.
لقد ساعد على ترسيخ هذه الفكرة، تحول مهم منذ بداية القرن العشرين، أوجد ما عرف بالقرن الأمريكي، الذي تمتعت فيه أمريكا بوضع القوة الأكبر عسكريا، والأغنى اقتصادا، والأكثر تقدما، والتي آلت إليها قيادة العالم الغربي، وتوسع نفوذها إلى أرجاء العالم.
وعلى امتداد قرن بطولة، وفي ظروف مهيأة، نمت الفكرة، وترعرعت، وترسخت في الأذهان والعقول، حتى إنني لا أنسى كلمة قالها لي ذات مرة صحفي أمريكي: كل هذا جعل الأمريكيين يشعرون أن أمريكا قارة كبيرة جدا، وعلى البعد منها عالم صغير جدا.
ثم جاء وصول المحافظين الجدد إلى الحكم، بفكرهم العقائدي الذي لا صلة له بالواقع، فقد غابت عن إدراكهم النتائج المتوقعة للتحولات الجارية، وسيطرت عليهم فكرة اختطاف النظام العالمي قبل أن يدركه التحول إلى نظام تعددي. لكن حساباتهم قامت على سوء التقدير، فخابت توقعاتهم.

  رجوع