الإعلام
العالمي والصهيوني روج الصورة السلبية للسودان
كما ان استهداف السودان هو أحد تداعيات الصراع
العربي ـــ الإسرائيلي.
واشنطن لا يهمها جرائم وخراب دارفور وإنما
تتاجر واشنطن بمأساة دارفور لإخضاع السودان
اتخذ الإعلام الدولي موقفاً مؤيداً بشكل عام
للمحكمة ضد السودان وهذا أمر طبيعي مادام هذا
الإعلام الدولي قد روج الصورة السلبية للسودان.
وقد اشترك الإعلام الصهيوني بشكل مكثف في
تشويه صورة السودان، وانتشرت المواقع
الألكترونية التي تتباكى على مأساة دارفور،
وحاولت بعض هذه المواقع أن تبرر تعاطفها
المفتعل مع أهل دارفور وهي التي تمجد إبادة
الشعب الفلسطيني وكأنها توشك أن تدعي أن قبائل
دارفور هي من بقايا القبائل اليهودية السوداء
كالفلاشا.
فبررت هذه المواقع تعاطفها بأن أهل دارفور
مجموعة عرقية ودينية تتعرض للإبادة كما تعرضت
المجموعة اليهودية في ألمانيا، وكما تعرضت
الأقليات اليهودية في العالم عبر التاريخ.
ولكن المدقق في موقف الإعلام الصهيوني يلحظ
ذلك الخيط الرفيع الذي ربط بين دعم إسرائيل
لحركات التمرد وولاء هذه الحركات لإسرائيل،
مما يعني أن استهداف السودان هو أحد تداعيات
الصراع العربي الإسرائيلي في احدى دوائره
المباشرة وهو المربع السوداني المصري فإذا
تمزق السودان وفقد قدرته الإقليمية على موارده
وخضعت أقاليمه للهيمنة الصهيونية، أحاطت
الصهيونية بمصر في جذورها وعمقها بعد أن أدمت
خاصرة مصر وسببت لها نزيفاً وشرخاً في عقلها.
أما الإعلام العربي فقد كان اهتمامه الخبري
والتحليلي مواكباً لتطور الأحداث لكن الكتابات
انقسمت الى ثلاثة تيارات، التيار الأغلب يدرك
أن واشنطن لا يهمها جرائم وخراب دارفور وإنما
يتم المتاجرة والتوظيف اللاأخلاقي لهذه
المأساة حتى تنكسر إرادة السودان في سعي
واشنطن المحموم لإخضاع السودان وفصل أقاليمه
وقطع سلطة الحكومة المركزية على مقدرات البلاد
بعد تنصيب حكومات هي التي أوجدتها وشجعتها،
وتطبيقاً للمخطط الصهيوني في تمزيق العالم
العربي وتفتيت دوله من الداخل وتحويله الى
حالة سرطانية يأكل بعضه بعضاً، وخاصة السودان
أكبر الدول العربية مساحة وموارد ووعاء
التعايش بين كافة المكونات العربية والأفريقية،
وكسر الظهير الأمني والمائي لمصر.
التيار الثاني في الأهمية والاتساع لا ينكر أن
هناك جرائم وقعت في دارفور وأنها خطيرة ولكن
مسؤوليتها لا تقع على الحكومة وحدها، وهي إن
قورنت بالجرائم في دول إفريقية عانت من الحرب
الأهلية مثل سيراليون وغيرها فهي تبدو متواضعة
ويسأل المتمردون ومساندوهم أيضاً عنها، ولكن
هذا التيار لا يري أن هذه الجرائم لها أي
علاقة باستهداف السودان والتطاول على الرئيس
البشير بالمخالفة للقواعد القانونية
والدبلوماسية الواجية في مثل هذه المواقف،
ويري أن الذين يتحدثون عن الجرائم في دارفور
هم مرتكبو الجرائم في الساحات العربية في
العراق وفلسطين ولبنان والصومال وغيرها.
أما التيار الثالث فهو ضعيف وظهر بأقلام عربية
في الإعلام العربي والدولي ينظر الى الضحايا
وضرورة حمايتهم في كل الظروف، كما لا يرى أن
مصلحة الضحايا تقتضي الردع والعقاب، وألا يفلت
أحد من العقاب بأي ذريعة كالحصانة وغيرها.
وبعبارة أخرى، فإنه يمكن القول أن الإعلام
العربي قد توزع بين منهجين في المعالجة
الإعلامية، المنهج الأول ركز على المتهم
واعتبره مستهدفاً بمؤامرة ويجب الدفاع عنه مع
عدم إغفال حقوق الضحايا وتحميل واشنطن
المسؤولية عن مساندة التمرد والتسبب في وقوع
هذه المأساة، مع التأكيد على بعض الالتزامات
التي يجب أن يقوم بها السودان.
المنهج الثاني ركز فقط على الضحية والعدالة
المجردة بصرف النظر عن ملابسات المأساة من حيث
أطرافها وأسبابها. وقد تأثر الاتجاه الثاني في
رفضه لأية ذرائع لتبرير ارتكاب هذه الجرائم
بما يسود البيئة العربية بشكل عام من اتجاه
الحكم الى الجور على حقوق المواطنين
والاستبداد بالسلطة، وعدم وضوح الخط الفاصل
بين وضع الحاكم والمحكموم.أما الاتجاه الثالث،
فقد ركز هجومه على العوامل السودانية دون
التفات الى البيئة الدولية، أو أنه يجعل نقطة
البداية هو المسرح السوداني، وأن التداعيات
الدولية كانت أثراً مباشراً لتطور أحداث
المسرح السوداني، أي ان المعالجة تبدأ من
الداخل مما سيؤدي الى انتهاء سبب التفات
الخارج الى السودان.
وبقطع النظر عن مدى مطابقة أي من هذه
الاتجاهات للحقيقة فإن مجرد تكييف الحالة لا
اتفاق حوله، وهذا التكييف يرتبط عضوياً بالنظر
الى المسألة. فمن رأي المسألة صراع بين العرب
والحركة الصهيونية المدعومة أمريكياً أو أن
الصراع هو بين العرب الذين يتمسكون بوحدتهم
الإقليمية والوطنية، وبين المشروع الأمريكي
الصهيوني الذي يهدف الى تمزيق الروابط العربية
تمهيداً لتفتيت الدول العربية وتفجيرها من
الداخل حتى لا تقوى على المواجهة مع المحافظة
على الاستقلال فإن وضع المسألة بالنسبة لهم هي
أن السودان إحدى محطات هذا المشروع، وأن
الدفاع عن السودان هو دفاع عن كل الجسد العربي
المستهدف.