الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

الملف السياسي ....

فرص التسوية السياسية في الأجندة الأمريكية الجديدة
أحمد دياب

عادة ما يوصف الصراع العربي - الإسرائيلي بأنه صراع عابر للنظم الدولية. فقد بدأ هذا الصراع حينما نجح اليهود في الحصول على « وعد بلفور» المشؤوم في نوفمبر عام ،1917 في سياق النظام الدولي متعدد الأقطاب عشية وبعيد الحرب العالمية الأولي. واستمر هذا الصراع خلال النظام الدولي ثنائي القطبية خلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق. ولا يزال مستمراً في إطار النظام الدولي ذي القطب الواحد، رغم أن بعض العرب اعتقدوا بإمكانية تسوية الصراع في هذا النظام الدولي الجديد الذي بشرت به الولايات المتحدة عقب سقوط الاتحاد السوفيتي السابق أواخر الثمانينيات الماضية، في ظل تصور خاطئ كان يرى الصراع جزءاً من المواجهة بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي.
ويمكننا القول أيضاً، وبدون أدنى مبالغة، إن الصراع العربي - الإسرائيلي عابر للإدارات الأمريكية، جمهورية أو ديمقراطية، فرغم تعدد تلك الإدارات منذ اغتصاب فلسطين وإعلان دولة إسرائيل عام .1948 لكن لم تأت أي إدارة أمريكية جديدة بتطور نوعي أو اختراق فارق في مسار هذا الصراع، عدا مبادرات قليلة، هي أقرب للاستثناء لا للقاعدة، وللتكتيك لا للاستراتيجية الثابتة، وهي في نفس الوقت تأخذ المطالب الإسرائيلية بعين الاعتبار بالدرجة الأولى، لكنها لا تحقق الحد الأدني من التسوية العادلة للحقوق العربية. وتكشف القراءة التاريخية للسياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية الى الآن، أن سياسات الإدارات الأمريكية تجاه المنطقة لم تتغير بصورة جوهرية، فهناك مصالح استراتيجية ثابتة، منها أمن إسرائيل والنفط والدفاع عن النظم الصديقة والحليفة، هذه مصالح لم تتغير كثيراً، وهو ما يؤسس صورة بنيوية ثابتة للسياسة الأمريكية تجاه قضايا الشرق الأوسط، خصوصا الصراع العربي - الإسرائيلي. وعلى رغم أن فوز المرشح الديمقراطي باراك أوباما قد يكون مفضلاً للعرب مقارنة بإدارة بوش الجمهورية الحالية، فذلك لا يعني تغيراً جوهرياً في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط. استناداً الى أن الولايات المتحدة دولة مؤسسات وليست دولة أفراد، وأن هناك استراتيجية عالمية تحدد مصالحها والرؤى التي لا يستطيع أن يخرج عليها أي رئيس مقبل سواء أكان ديمقراطيًّا أم جمهوريًّا، رجلاً أم امرأةً، أبيضَ أم أسودَ. وبغض النظر عن انتمائه الأيديولوجي والعقائدي والسياسي.
ومع ذلك فمن الصعب القول إن كل شيء سيظل على حاله في ظل إدارة أوباما الجديدة، فمن المؤكد أن إرث الديموقراطيين إبان إدارتي الرئيس كلينتون السابقتين (1992-2000) سيكون له دور وتأثير كبير في تحديد توجهات أوباما بعد توليه سدة البيت الأبيض، متسلحا بشعاره البراق « التغيير الذي نحتاجه». ويتضح ذلك في مجموعة المستشارين الذين عملوا معه في حملته الانتخابية، وكثير منهم إما كان في إحدي إدارتي كلينتون أو كان مقرباً من أحد رموزها. ومن هؤلاء دنيس روس وويندي شيرمان المقربة من مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية السابقة في إدارة كلينتون الثانية، ووزير الدفاع السابق ويليام بيري والسيناتور صموئيل نان، ودان كورتيس الذي عمل سفيراً لبلاده في كل من مصر وإسرائيل، وهو يهودي ومحاور. ووصفته مصادر فلسطينية بأنه محاور جيد ومبدئي وصريح، وآخرون يؤمنون بأهمية انخراط السياسة الأمريكية في قضايا المنطقة وفق مفاهيم المشاركة والقليل من الضغط السافر والكثير من الحوافز. وفي هذا الإطار، كتب أوباما نفسه في مجلة « فورين أفيرز» في عام 2007 ما يلي: « بهدف تجديد الزعامة الأمريكية في العالم، أنوي إعادة بناء التحالفات والشراكات والمؤسسات الضرورية لمواجهة الأخطار المشتركة، وتعزيز الأمن المشترك. ولن يتحقق إصلاح هذه التحالفات والمؤسسات بالتسلط على الدول الاخرى لتقر تغييرات ندبرها وحدنا، بل يتحقق حينما نقنع الحكومات والشعوب الاخرى بأنها أيضاً تضطلع بدور في الشراكات العالمية». وتجدر الإشارة الى أن أوباما كان قد عقد مؤتمراً صحفياً مشتركاً مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في 25 يوليو الماضي، قال فيه عن الشرق الأوسط إنه «من المهم جداً أن تسهم الولايات المتحدة في تقدم الأمور». وفي السياق نفسه، أشارت مجموعة خبراء ديمقراطيين في السياسة الخارجية يستشير أوباما العديد منهم، في تقرير نشر في يونيو الماضي الى أن « على الولايات المتحدة في العديد من المجالات، أن تعتمد الاستشراف العملي والمرونة الكافيين للتعامل مع مجموعة كبيرة من الدول في مسائل مختلفة... وفيما تبقي واشنطن حازمة فيما يتعلق بخطوطها الحمراء، عليها أن تُبدي استعداداً لتكييف مواقفها بما يكسبها الإجماع المطلوب في النهاية لصنع السياسات الفعالة وتطبيقها».
كما أشارت كثير من الترجيحات بشأن سياسة أوباما تجاه المنطقة العربية الى التقرير المعروف حول العراق الذي صدر نهاية عام،2006 ويعرف بتقرير بيكر- هاملتون، والذي احتوى أكثر من70 توصية بشأن السياسة الخارجية المناسبة للولايات المتحدة للخروج من المأزق العراقي، وهي التوصيات التي تضمنت اقتراباً جديدا تجاه إيران وسوريا يعني بالحوار، ومزيداً من الجهد الأمريكي بشأن المفاوضات العربية الإسرائيلية مع قدر من التدخل الأمريكي الحاسم نسبياً، وخفض مشروعات التغيير القسري في النظم والسياسات، والتحول الى سياسات تحفيز وتشجيع، وإعطاء أولوية للاستقرار الإقليمي وليس التغيير بالقوة كما حدث في حالة العراق. وهي توصيات تجد قبولاً عاماً من الديمقراطيين، مع الأخذ في الاعتبار أنها لن تمس القاعدة الثابتة أياً كان الرئيس الأمريكي وحزبه، وهي حماية إسرائيل وبقائها. فعلى مدى ثماني سنوات أقدمت إدارة بوش على مئات من إعلانات النيات حول العودة الى المفاوضات، ولكن عملياً ليس هناك أي مضمون للمفاوضات.
وبعد عام تقريبا من إعادة الرئيس جورج بوش إطلاق محادثات السلام الفلسطينية - الإسرائيلية في انابوليس في نوفمبر ،2007 صدقت توقعات الكثيرين المتشائمة في ذلك الوقت. فقد فشلت المحادثات المتقطعة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت والرئيس الفلسطيني محمود عباس في جسر هوة الخلافات بشأن الحدود واللاجئين ووضع القدس. فمن ناحية أولي، هناك التوسع الاستيطاني الإسرائيلي المتواصل في الضفة الغربية، بالإضافة الى شبكة آخذة في الاتساع من الطرق التي يسلكها المستوطنون ونقاط التفتيش والحواجز، الذي أضر بفرص حل يقوم على دولتين. وفي الوقت نفسه تواجه إسرائيل حالة من عدم اليقين فيما يتعلق بالقيادة وتواجه انتخابات العام المقبل بعدما فشلت زعيمة حزب كاديما تسيبي ليفني في تشكيل اتئلاف حكومي يقود البلاد بعد استقالةأولمرت في سبتمبر الماضي، فضلاً عن ضعف الحكومة الإسرائيلية وترددها خشية أن تخسر لمصلحة اليمين في الانتخابات المقبلة إن سعت الى تسويةٍ سلميةٍ مع الفلسطينيين. فقد كان أقطابُ حزب «كاديما» يريدون أن تنجح ليفني في تشكيل الحكومة، لأن البديل لذلك انتخابات مبكرة تقولُ استطلاعاتُ الرأي أن نتانياهو زعيم «الليكود» واليمين هو الذي سيفوزُ فيها، فيتعذّر السيرُ في مفاوضات السلام!. لكن ليفني أعلنت فشلها في القدرة على تشكيل الحكومة الجديدة. وهذا يعني أن ايهود أولمرت سيبقي ثلاثة أشهر ونصف الشهر في السلطة مع حزب العمل حتى الانتخابات. ومن ناحية ثانية، جعلت الانقسامات الفلسطينية أي اتفاق بمنأى عن الأنظار في الوقت الحالي. إذ سيطرت حركة «حماس» بزعامة إسماعيل هنية على قطاع غزة في منتصف يونيو 2007 تاركة لحركة فتح التي يتزعمها عباس المسؤولية عن الضفة الغربية وهو انقسام تفاقمه الجهود العقابية التي تقودها الولايات المتحدة لعزل حماس بدعوى أنها حركة « إرهابية»، وترفض الاعتراف بإسرائيل، علاوة على تحالفها مع إيران وسوريا وحزب الله.
وبرغم أنه لا يساور أحد من العرب أي وهم حول إمكانية تغيير التحالف الأمريكي - الإسرائيلي. إذ أكد أوباما خلال زيارته لإسرائيل وخلال لقاءاته مع قيادات الجالية اليهودية في الولايات المتحدة التزامه بالثوابت التي تؤكد عليها إسرائيل لما تعتبره ضمانة لأمنها. وهذا يعني أن إسرائيل ضمنت أن أي خطوات سيقدم عليها أوباما ستأخذ بعين الاعتبار مصالحها السياسية والأمنية في حال أوفى أوباما بوعده بشأن انخراطه بشدة في صنع السلام في الشرق الأوسط بدلاً من محاكاة أسلوب بوش القائم على عدم التدخل لكنه لم يقترح أي تحول في السياسة لإنقاذ حل الدولتين من السقوط في غياهب النسيان. لكن ما سيكون بالغ الأهمية هو انتهاج أوباما لسياسة تنزع فتيل الانفجارات في منطقة الشرق الأوسط. فقد تعهد أوباما بتنظيم الانسحاب من العراق واعتماد النهج الدبلوماسي لحل مشكلة إيران النووية، وإذا ما نجحت إدارة أوباما المقبلة في تحقيق ذلك، فسوف يكون في مقدورها العودة الى مفاوضات جدية بين إسرائيل والفلسطينيين. وبرغم صعوبة توقع إمكانية تحقيق تقدم ملموس يرضي المطالب الفلسطينية والعربية من خلال هذه المفاوضات. لكن على الأقل يبقى التغيير مع أوباما أفضل من استمرارية سياسة الحرب والتوتر والتأييد الأعمى لإسرائيل من دون الاستماع الى رأي الآخر كما كان الحال على عهد إدارة بوش.

  رجوع