إشراقات....
الدين والحياة في خطاب معاصر

درس الثلاثاء
سورة النساء تربط الناس بوشيجة القربى وتدعو إلى القضاء
 على النعرات الجاهلية وتحذر من سفك الدماء

اختتم سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في هذه الحلقة تكملة التمهيد الذي بدأه قبل الدخول في تفسير سورة النساء موضحا ما تعرضت له هذه السورة في جانب عضل المرأة لأجل الذهاب لحقها من الصداق الشرعي وتعرضت كذلك للمرأة ومضايقتها حتى تفتدي عندما يريد احدا ان يستبدل زوجا مكان زوج.
كذلك تطرقت السورة للعلائق الاجتماعية التي تشد الانسان إلى الانسان وكان ابتداؤها بربط الكل بالمبدأ ذلك لأن الله سبحانه وتعالى ذكر الجميع هنا انه بدأ خلقهم من اصل واحد من اب واحد وهو آدم وأم واحدة وهي حواء وآدم وحواء خلقهم من نفس واحدة وهذه النفس ايضا جعل منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء.
كما بين تعرض السورة الكريمة للانصاف ما بين جميع الناس بحيث لا يفرق بين قريب وبعيد ولا بين غضيب وحبيب، ولا بين بار وفاجر او مؤمن وكافر فإن الانصاف يشمل الجميع والناس وهم جميعا مشتركون في حق العدل.. والى تكملة التمهيد:
كذلك بالنسبة إلى تزوج الرجل بالعديد من النساء كان أهل الجاهلية لا نصاب لهم في ذلك لا يبالي احدهم ان يتزوج عشرا او اكثر او اقل، فجاءت السورة لتحدد المقدار الذي يمكن ان يجتمع عند الرجل من النساء (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) على ان ذلك لم يكن عند الجاهلية مقيدا بالعدل، وهنا قيد بالعدل.
كذلك بالنسبة كون المرأة عرضة ان تورث كما يورث المتاع فعندما يموت الرجل وعنده امرأة يأتي ولده أو أي احد ممن اخص به واقرب اليه فيضع عليها ثوبا فلا تملك من امرها شيئا، إما ان يتزوجها هو واما ان يعضلها عن الزواج حتى تفتدي منه، وهكذا كان شأن المرأة في الجاهلية، هذا كله جاء القرآن الكريم في هذه السورة المباركة ليحسمه بالحكم الرباني بما في ذلك من انصاف للمرأة وإيتاء كل واحد من الزوجين حقه.
كذلك تناولت السورة العضل، عضل المرأة لأجل الذهاب لحقها من الصداق الشرعي تعرضت لذلك وتعرضت للمرأة ومضايقتها حتى تفتدي عندما يريد احدا ان يستبدل زوجا مكان زوج.
كما تعرضت للمحارم وبينت ما يجوز للرجل ان ينكحه من النساء أو ما لا يجوز، كما بينت ايضا كيف ان للرجل ان يتزوج الأمة مع حاجته اليها ومع عدم امكانه ان يتزوج الحرة تعرضت لذلك.
كما تعرضت السورة الكريمة للعلائق، العلائق الاجتماعية التي تشد الانسان إلى الانسان وكان ابتداؤها بربط الكل بالمبدأ ذلك لان الله سبحانه وتعالى ذكر الجميع هنا انه بدأ خلقهم من اصل واحد، من اب واحد وهو آدم وأم واحدة وهي حواء، وآدم وحواء خلقهم من نفس واحدة وهذه النفس ايضا جعل منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، فمعنى هذا ان في هذا ما يدعو إلى تقدير هذه العلاقة الانسانية التي تشد الانسان إلى الانسان لان الناس جميعا مهما تباينت اجناسهم واختلفت الوانهم انما ينحدرون من اصل واحد فبينهم رحم عامة رحم مشتركة لان الكل يرجعون إلى اصل واحد وفي هذا ما يخطب على التفاخر الذي كان بين الناس بالآباء والاجداد واستعلاء بعضهم على بعض فالسورة تضمنت ربط الناس بوشيجة القربى في البشرية مع القضاء على تلك النعرات الجاهلية التي كانت تفرق الناس عزين، هذه طبقة رفيعة وهذه طبقة وضيعة والأمر بخلاف ذلك.
كذلك تناولت السورة احكام القتل الخطأ، تعرضت للقتل الخطأ ووجوب الدية ووجوب الكفارة في القتل الخطأ ومراعاة الحقوق الإنسانية من هذه الناحية، ثم بجانب ذلك ايضا تضمنت الوعيد على القتل العمد وحذرت في احكام القتال من اقدام احد على ان يسفك دما بدعوى ان هذا المسفوك دمه ليس هو من الاسلام في شيء مع رفعه شعار الاسلام بحيث يدعى ان هذا انما قال ما قله تقية وخوفا.
فالقرآن في هذا السورة المباركة حذر اولئك الذين يضربون في الأرض مجاهدين في سبيل الله ان يسفكوا الدماء هكذا.
كما تعرضت السورة الكريمة للانصاف، الانصاف ما بين جميع الناس بحيث لا يفرق بين قريب وبعيد ولا بين بغيض وحبيب، ولا بين بار وفاجر او مؤمن وكافر فإن الانصاف يشمل الجميع والناس عليهم ان يترفعوا على حمية الجاهلية فلا يتعصبوا لاحد على انه قريب بسبب قرابته ولا يتعصبوا ضد احد بسبب بعده او بسبب عداوته فالناس جميعا مشتركون في حق العدل، العدل مشروع للجميع لا فرق فيه بين قريب وبعيد ولا بين بغيض وحبيب ولا بين مؤمن وكافر ولا بين بار وفاجر مهما كانت العلائق بين الناس انما عليهم ان ينصف بعضهم من بعض، فالسورة الكريمة تعرضت لذلك في قول الله تبارك وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ) فلا يتعصب لقريب بسبب قرابته ولا ضد بعيد بسبب بعده، الناس في الانصاف متساوون في الحق والسورة أيضا ضربت أروع الأمثال في انصاف اشد الخصوم خصومة ولجاجة في الخصومة في انصاف اليهود مع ان اليهود هم اشد قسوة على المسلمين واكثر الناس تآمرا على هذه الدين وعلى نبيه صلى الله عليه وسلم، فمنذ هاجر الرسول عليه وعلى آله وصحبه افضل الصلاة والسلام كان اليهود له بالمرصاد، كانوا يتآمرون عليه صلوات الله وسلامه عليه ويتآمرون على امته ويدسون لهم الدسائس ولكن مع ذلك الانصاف حق مشروع للجميع، فقد نزل قرآن يتلى في الصلوات وفي غيرها في هذه السورة والكريمة من قوله سبحانه وتعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) إلى رأس اثنتي عشرة آية كل ذلك من اجل دفاع عن يهودي، هذا اليهودي رمي بغير حق ومن الذي رماه، انما رماه طائفة من الأنصار مع ان الانصار هم الذين آووا النبي صلى الله عليه وسلم وقربوه وبذلوا النفس والنفيس في مناصرته والوقوف بجانبه ولكن مع ذلك كله لا مجاملة في الحق بل الحق والباطل باطل فعلى هؤلاء الأنصار ان يكونوا منصفين من انفسهم وان يتكيفوا وفق مقتضيات ايمانهم بالله واليوم الآخر، ولئن كانت في نفوسهم رواسب من عهد الجاهلية تقتضي ان يكونوا أولو حمية وعصبية فإن عليهم ان يتطهروا من رجس هذه الرواسب ولذلك جاء القرآن الكريم مشددا في ذلك.
فهناك رجل منهم سرق درعا ولما خشوا عليه الفضيحة وان ينكشف امره رأوا ان يرموا بهذا الأمر الى يهودي فأخذوا الدرع ورموها في بيت يهودي وقالوا بأن اليهودي هو الذي سرق هذه الدرع وانكشف الأمر كذلك وكاد النبي صلى الله عليه وسلم ان يقيم عليه الحد، ولكن الله تبارك وتعالى تدارك الأمر بما انزله من كتابه لينقذ النبي صلى الله عليه وسلم من اقامة حد على بريء (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) فالله سبحانه وتعالى شدد في هذه القضية تشديدا بالغا ذلك لأجل ضرب أروع الأمثال في الانصاف كيفما كانت خصومة الخصم وكيف ما كانت لجاجته في هذه الخصومة وكيف ما كان قرب القريب فإن ذلك لا يمنع من انصاف هذا البعيد المشاقق من هذا القريب الموافق إذ لا عبرة بالوفاق وبالشقاق انما العبرة بالحق، هذا حق منْ فيجب ان ينصف صاحب الحق.
كذلك تضمنت السورة جدال اهل الكتاب وبيان ما كانوا ينطرون عليه من عقائد الكفر فالله سبحانه وتعالى انزل ما انزل هنا بيانا لمؤامرات اليهود وانحرافهم عن الحق وضلالهم عن سواء الصراط كما ان خاتمة السورة الكريمة اشتملت ايضا على مجادلة النصارى في طبيعة المسيح وان المسيح لم يكن يستنكف ان يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون فالكل عباد الله سبحانه وتعالى مع بيان ان هؤلاء الذين رابهم ان يوحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم انما يرتابون فيما لا ريبة فيه.
فالنبي صلى الله عليه وسلم انما أوحي اليه كما اوحي إلى من قبله من النبيين أوحي اليه كما أوحي إلى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط وعيسى وايوب وهارون وسليمان وكذلك داود فهؤلاء جميعا اوحي اليهم، ومعظم هؤلاء الذين ذكروا موسى وعيسى وكذلك سليمان ودواد وانما هم من انبياء بني اسرائيل ولكن مع هذا كله هم ارتابوا من كون النبي صلى الله عليه وسلم اوحي اليه فإذاً السورة انما تتلاءم مع اجواء المدينة المنورة.
وربما اشتملت السورة ايضا على ما يتمم فيما سبق هنا احكام جاءت مجملة وتقدمت قبل ذلك مفصلة وهنا احكام بالعكس أي جاءت مفصلة بعد اجمالها.
فبعض الأحكام جاءت في سورة البقرة بشيء من الاجمال ولكن هنا فصلت، هناك في سورة البقرة في احكام الطلاق بطبيعة الحال ذكرت بعض الاحكام فيما يتعلق بالطلاق ولكن ما في هذه السورة انما كان إما تفصيلا لبعض ما في سورة البقرة وإما تتميما للاحكام التي لم تذكر في سورة البقرة.
فهكذا جاءت هذه السورة كما جاءت السورتان من قبل - بين هذه السور التكامل- فهذه السورة كما ذكرنا ذكرت قصة أحد مجملة وما في سورة آل عمران انما جاء مفصلا كذلك بالنسبة ايضا إلى قصة خروج النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين إلى حمراء الأسد، هكذا كانت هذه السورة الكريمة وهي مائة وخمس وسبعون آية عند اهل الحرمين الشريفين واهل البصرة ومائة وست وسبعون عند اهل الكوفة ومائة وسبع وسبعون عند اهل الشام، ولذلك قد تختلف احيانا ارقام آياتها ففي مصاحف الاستانة ومصاحف مصر هي مائة وست وسبعون وفي غالب المصاحف هي مئة وخمس وسبعون آية.
هذه الآيات افتتحت بالأمر بتقوى الله تبارك وتعالى توجيه الناس جميعا إلى التقوى ومما ينبغي ان لا يفوتنا ايضا وقد اشرنا اليه سابقا ان من اهل التفسير من يقول بأن كل آية جاء الخطاب فيها بـ (يا أيها الناس) هي آية مكية هذا مما شاع عندهم ولكن الصواب خلاف ذلك لا يلزم ان تكون الآية المفتتحة في الخطاب بـ (يا أيها الناس) مكية وانما يكفي ان يكون الخطاب فيها مشتملا على خطاب اهل مكة لا يلزم ان يكون خطابا لأهل مكة وحدهم وانما يندرج اهل مكة في هذا الخطاب ، هم قالوا هكذا بأن الآية التي تفتتح بـ (يا أيها الناس) انما هي مكية والتي تفتتح بـ (يا أيها الذين آمنوا) هي مدنية، نعم (يا أيها الذين آمنوا) لم نجد آية مكية افتتحت بـ (يا أيها الذين آمنوا) اما هذه السورة ففاتحتها مدنية وان قال بعض المفسرين بأن فاتحتها مكية من اجل افتتاحها بـ (يا أيها الناس) ونجد في سورة البقرة التي لم يختلف في مدنيتها آيتين افتتحتا بـ (يا أيها الناس)، وكذلك سورة الحج على الصحيح هي مدنية وقد افتتحت بيا أيها الناس فلا دليل في هذا على ان ما يفتتح بـ (يا أيها لناس) مكي، السورة بأسرها كما قلنا مدنية.