إشراقات....
الدين والحياة في خطاب معاصر

اعترافات غربية
حلم ورقة قلب​​
علي إبراهيم جاد

​قال رب العزة في سورة سبأ: (ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد).
لن يمل الغرب من البحث في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ما دامت عقولهم تفكر وآذانهم تسمع وعيونهم ترى سماحة الإسلام ونبيه، فعندما تعرضوا لأخلاقه، وصفاته لم يجدوا إلا رجلا حليما عطوفا رحيما رقيق القلب، وعندما تعرضوا لحياته الشخصية بادعاءات كاذبة للنيل منه وجدوا ردودا قاطعة شافعة فاصلة؛ ليس من المسلمين فقط، بل منهم أيضا. وكان أول المدافعين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو إميل درمنغم المستشرق الفرنسي، الذي عمل مديرا لمكتبة الجزائر وتقلد مناصب عديدة في دول الشرق الأوسط، كان فيلسوفا ومفكرا عبقريا، من أهم مؤلفاته (حياة محمد) ومؤلفه هذا يعد من أدق ما صنفه مستشرق عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، بجانب مؤلفه الشهير (محمد والسنة الإسلامية) كما نشر عددا من الأبحاث في مجلات عالمية لها شهرة وذيوع، قرأ الكثير عن الإسلام، وكان من أهم أقواله في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينما رد على هجوم المستشرقين الذين عابوا على تعدد زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله في كتاب (حياة محمد): »... وإن بعضهم يعيب محمدا في كثرة ميله إلى النساء، فإنه مما لا مراء فيه أن محمدا لم يكن شرها ولا فخورا ولا متعصبا ولا منقادا للمطامع، بل كان حليما رقيق القلب عظيم الإنسانية«.
وأخذ يشرح ما قال مستندا في أقواله إلى مواقف من حياة النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته وكيف كان عادلا رحيما رقيق القلب معهن، وبرغم ما واجهه إميل من انتقادات وهجوم من مستشرقي الغرب، إلا أنه كان يزداد يقينا في صحة كلامه واعتقاده كلما قرأ عن الإسلام والنبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أصدر كتابه الثاني، فيقول في سماحة النبي - صلى الله عليه وسلم-: »إن محمدا الذي خلق للقيادة لم يطلب من معاصريه بغير ما يفرض عليهم من الطاعة لرجل يبلغهم رسالات الله، فهو بذلك كان بمثابة واسطة بين الله رب العالمين والناس أجمعين.. لقد نال السلطان والثراء والمجد، ولكنه لم يغتر بشيء من هذا كله، فكان يفضل إسلام رجل على أعظم الغنائم، ومما كان يغضبه، ـ عجز كثير من الناس عن إدراك كنه رسالته.
والحق أن النبي لم يعرف الراحة ولا السكون بعد أن أوحى إليه في غار حراء، فقضى حياة يعجب الإنسان بها والحق أن عشرين سنة كفت لإعداد ما يقلب الدنيا، فقد نبتت في رمال الحجاز الجدبة حبة ترعرعت وانتشرت حتى عمت بعد قليل بلاد العرب وتمتد أغصانها إلى بلاد الهند والمحيط الأطلنطي »هكذا تحدث إميل درمنغم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بكل فخر واعتزاز بما وصل إليه من يقين في بعثته صلى الله عليه وسلم، حتى إنه لاقى الكثير من جراء ذلك. ولم يلق بالا واستمر في تسجيل شهادته دون أدنى شك في أنه الحق.
لم يكن إميل درمنغم المستشرق الفرنسي الوحيد الذي كتب عن النبي - صلى الله عليه وسلم؛ بل كان هناك لويس سيديو مستشرق فرنسي آخر عكف على نشر مؤلفات أبيه وعين أمينا لمدرسة اللغات الشرقية في باريس، ومن أهم مؤلفاته (خلاصة تاريخ العرب - تاريخ العرب العام) ويقول عن سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -: » فدفع الله شر القرشيين وهو أولى أن يحفظ نبيه القائم بالدعوة له، وأحق أن يجعل كيدهم في نحورهم، ومازال أخذا بيمينه حتى غنى له الزمن وصفق له الدهر«. وقال أيضا: » لقد حل الوقت الذي توجه فيه الأنظار إلى تاريخ تلك الأمة التي كانت مجهولة الأمر في محشورة في زاوية من غرب آسيا فارتقت إلى أعلى مقام، فطبق اسمها آفاق الدنيا مدة سبعة قرون، ومصدر هذه المعجزة هو رجل واحد هو محمد - صلى الله عليه وسلم - إن محمدا أثبت خلود الروح وهو مبدأ من أقوم مبادئ الأخلاق، فكثير ما عرض محمد حياته للخطر انتصارا لدعوته في عهدها الأول بمكة، وهو لم ينفك عن القتال في موقعة أحد حتى بعد أن جرح جبينه وخده وسقطت ثنيتاه، كما لم ينتحل أوضاع وسمات الأمراء قط، مع ما ناله من غنى وجاه عريض، وكان محمدًا صلى الله عليه وسلم حليما معتدلا، وكان يأتي بالفقراء إلى بيته ليتقاسمهم طعامه، وكان يستقبل بلطف ورفق جميع من يودون سؤاله في أمور الدنيا والدين، وكان لا يضج من طول الحديث وكان لا يتكلم إلا قليلا فلا ينم ذلك عن نوع من الكبرياء أو الاستعلاء، إنما السكون وطول التفكير«.
هذان رأيان لمستشرقين فرنسيين شهدا بعظمة النبي - صلى الله عليه وسلم - وحلمه وعدله وسماحة خلقه، ويكفي فهم ما قالاه، فهو خير رد على كل متطاول على الإسلام ونبيه - صلى الله عليه وسلم .​​