دمشق - «ا ف ب»: في أيام العيد ينقلب حي وسوق الصالحية
الشهير في قلب دمشق إلى سوق كبيرة لبيع الكتب وتتحول
واجهات المحال المغلقة وأرصفتها معرضا للكتاب قد يكون في
نظر البعض موازيا لمعرض الكتاب الرسمي الذي ينظم في سبتمبر
من كل عام.
ويستفيد بائعو الكتب من الأماكن الفسيحة للعرض والقليلة
الازدحام لابتعادها عن زحمة وضجيج العيد. كما يتحررون من
اي ضرائب أو ملاحقات من رجال البلدية.
ويصبح عرض الكتاب من دون كلفة لا كما يحدث في معارض الكتب
حيث يدفع الناشرون مقابل كل متر للعرض مبلغا باهظا.
والصالحية كلها تصبح لبائعي الكتب ومقتنيها ويقول محمود
وهو بائع كتب ان «هناك اتفاقا بين الطرفين: البائعون
يتركون الكتاب الدسم لهذه المناسبة وزبائن الكتاب ينتظرون
العيد من أجل هذا الكتاب». ويجد سمير نادر وهو موظف متقاعد
يبلغ من العمر سبعين عاما، السوق «فرصة وعرضا متنوعا
للكتاب»، موضحا ان «المكتبة العادية محدودة».
واضاف «هنا بإمكانك ان تجد كتبا لا تجدها في مكان آخر.
السوق هنا للكتاب القديم ورغم ذلك الجديد موجود إلى جانبه
بظروف عرض أفضل».
وأكد انه «يجد الوقت والمساحة الكافيين للتمعن في الكتاب».
اما ابو طلال صاحب إحدى بسطات الكتب فقال «هنا فقط يمكنك
ان تسمع عبارة مثل: ابحث عن هذا الكتاب منذ عشر سنوات».
واشار الى «عرض كتب نادرة لن تجدها الا بوفاة مقتن قديم
لها وتوزيع ميراثه بين أبناء لا يعرفون قيمة الكتاب،
فيبيعونه بأرخص الأثمان». وردا على سؤال عن وجود كتب
ممنوعة، قال ابو طلال «لا يخلو الأمر». لكن وفيق يوسف،
الروائي والسيناريست الذي كان يتجول بين الكتب، فيؤكد «هنا
تجد كتبا كانت تودي بالناس الى السجن وبعضها كان يؤدي الى
مظاهرة». ويشير الى ان هذه الظاهرة تنحسر، قائلا: «كانت من
قبل تجارة كبيرة وسوقا مزدحمة بالناس». ويعترف بأنه «لم آت
هذه المرة لشراء كتاب، بل لممارسة طقس قديم وجميل». ويرى
البعض في السوق «ظاهرة فلكلورية» ويؤكدون انهم جاؤوا «لاستنشاق
الماضي»، حسب زبون عابر لا يريد ان يذكر اسمه.
ويؤكد الشاب كاوا حديث العهد ببيع الكتب فيشير إلى مجتمع
مصغر من البائعين والزبائن، يكاد يشير اليهم بالاسم.
ويقول «تلتقي مثقفين أو سياسيين سابقين، اما صبايا وشباب
اليوم العابرين فقلما يلتفتون إلى كتاب اللهم الا بعض
العناوين الجنسية الفاقعة».
ويبدو ان عودة الناس إلى هذا المكان تشبه عودة الكتب ذاتها.
ويقول وفيق يوسف ان «كثيرا من الكتب لم تطبع سوى طبعة
وحيدة، ومع ذلك تظل تجدها على البسطة، ما يعني انها تدور
بين الايدي».
الامر نفسه يؤكده ماهر عزام الذي قال: ان «نصف مكتبتي من
هنا». واضاف: «اذا أردت بديلا لكتاب استعاره احدهم ولم
يعده جئت إلى هذه السوق لاعثر أحيانا على الكتاب المستعار
نفسه، لا على كتاب بديل. لقد حدث ذلك معي بالفعل». وعزام
الذي يعمل في مجال التلفزيون جاء هذه المرة يبحث عن كتب
تتعلق بالفنون البصرية «تلك التي تجدها بأسعار باهظة في
المكتبات العادية».
وأحيانا تعثر هنا ليس فقط على زبائن عابرين بل على بائعين
عابرين يشترون كتبا بالجملة من المكتبات فقط لمناسبة العيد
لبيعها على الرصيف، ثم يمضون في حال سبيلهم.
اما دياب علاوي الذي يعمل سائقا فيقول «ليست هذه مصلحتي.
بدأت ذلك منذ خمس سنوات اشتري كتبا فقط في فترة العيدين
ابيعها وأعود إلى عملي».
لكن معظم البائعين جاؤوا من انحاء المدينة ليعرضوا في سوق
الصالحية أيام العيد ويجتمعون غالبا تحت جسر الرئيس
الملاصق لجامعة دمشق، في الايام العادية.
وهم، بعد خمس سنوات من الانتعاش والاستقرار سمح لهم خلالها
بالبيع على أرصفة المدينة مصدومون بقرار صدر حديثا يقضي
بإزالة بسطاتهم ونقلها إلى مكان بعيد بحجة انها تسيء إلى
المظهر العام وغير حضارية، حسب شكوى بائعي الكتب.