∎ من يعرف
أحَدا ليس وحيدا، ومن لديه علاقة لديه قدرة
وطاقة، نقولها بمَضض ونتجرَّعها مثلما نشربُ
الدواءَ المُر، فمن له علاقة مع مَن كان له
الأولية في كل شيء، وإن لم تكن فالثانية أو
الثالثة، وبالتأكيد ليست الأخيرة، ومع أن
القانونَ هو المُنصِف وسيدُ الموقف، إلا إن
العلاقة قد تنحِّيه جانبا، فينطبقُ على بعض
وعلى آخِرين لا ينطبق!، ولو أنكرنا (الواسِطة)
وتجاهلنا (المَحسُوبيَّة) لكذبنا على أنفسِنا،
لأننا لسنا في المَدينة الفاضِلة، والحَمد لله
أن هَواء الدنيا الذي نتنفسُه بالمَجان، وإلا
لاختنقنا، ومهما كان القانونُ صَريحا وواضِحا
ومنصِفا إلا أن العلاقة تهجُم عليه من الباب
الخلفي أو تنط من الشباك لتنحِّيه جانبا، ليس
للجَميع بالطبع، إنما لمَن لديه علاقة وواسِطة.
∎ هل نعيشُ زمَن العلاقات؟ نعم، ويبدو أنه لا
يسلمُ منها إلا مَن أراد أن يتوارى في الظل
ويبقى بالقاع، فالذي لا أيادي له لن يتسلق
الجُدران العالية، والذي لا لسان له سيلزم
الصَّمت، ولن يستمعَ إليه أحَد، ولن يسأل عنه
أحَد، ولا أحَد سَيهتم بالأفكار التي تدورُ في
خلدِه، أو الهُموم التي تسكنُ وجدانه، أو
الأحلام التي يتطلعُ إليها، لأنه صَامِتٌ
ومؤمنٌ بحفظِ مَاء الوجهِ الذي لم يجن منها
شيئا، وآخرٌ ثابتٌ في مكانه، وغيره يتنقل من
وظيفة إلى أخرى، ومن بلد إلى آخر، بحريَّة
تامة وأريحيَّة متناهية، وكأنما يشيرُ بأصبعِه
إلى رغباته فتأتيه طائِعة، وآخر يتسَنَّم
قمَما عالية لم يصل إليها لو لم تكن له علاقة
مع أحَد حتى وإن كان يستحقها، وبالعلاقات تفتحُ
خزائِن الأرزاق.
∎ نحن نعيشُ زمَن العلاقات، ليس بدءا بالمُوظف
في مكتبه، ولا انتهاء بالمتقاعد في بيته، فمن
كانت له علاقة مع أحَد يستطيعُ أن يقطع أشواطا
من المَسافات لا يصل إليها غيره إلا بشق
الأنفس، فالمُوظفُ في المكتب سَيصل إلى مناصِب
رفيعَة بالعلاقة التي تجمعه مع مَن يستطيع أن
يأخذ بيَده، ويضعه في مكان لا يصلُ إليه لولا
تلك العلاقة، ومن مُجرد موظف إلى رئيس قسم ثم
مدير ثم مدير عام خلال زمن قياسي جدا، وكأن
طريقَ الترقياتِ ممَهَّدة له وحدَه دون سِواه،
وكذلك المتقاعد في بيته سَيدير شؤون حياته
بعلاقاتِه السَّابقة حينما كان موظفا أو
مسؤولا، وسينجز معاملاتهِ بضغطةٍ خفيفة على
أزرار هاتفِه، وتتحققُ مآربه قبل أن يقومَ من
مقامِه، وغيره لا يستطيع أن يحقق شيئا من ذلك،
لأنه باختصار: (ما عنده واسطة).
∎ بالعلاقة يتحققُ الكثير من الأحلام، ولو
يسائلُ البعض أنفسهم فيما هم فيه من مكان
ومكانة هل حققوها باجتهادهم أم بوسائِط
وواسِطات؟ ستأتي الإجابَة: أنَّ بعضها بتلك
الوسائط التي نعنيها، والواسِطات التي يعرفها
الجَميع، و(المآرب) الأخرى تستطيع أن تعيد
المياه إلى (سَدِّ مَأرب) القاحِل منذ آلاف
السنين، والعِلاقات (المُجدية) تحوِّل الحُقول
(المُجدبة) إلى مًروج غناء، وعِشنا وشفنا ناس
وناس، وناس تتقدم على ناس، وناس مَظلومة من
ناس، وناس ثريَّة بسَبب ناس، وناس وصلت بسَبب
ناس، وحين تنتهي المَصلحَة وتضيعُ العلاقة،
يسقط القناع، وينهارُ السدُّ، وتتهاوى
الشوامِخ، ثم تعود الحَياة إلى ما كانت عليه.