الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

انهيار المجال العام وصعود الفضاء المعلوماتي!
الســـيد يســــين
مستشار مركز الدراسات السياسية بالاهرام


(المجال العام يعبر كلا من المجال الخاص ومجال السلطة العامة من خلال آلية الرأي العام الذي يجعل الدولة بصيرة بحاجات المجتمع. وهو بهذه الصورة يتميز عن الدولة، لأنه مجال لإنتاج الخطابات التي يمكن - من ناحية المبدأ - أن تكون ناقدة للدولة. وهو أيضاً يتميز عن الاقتصاد الرسمي، لأنه ليس مجالا لعلاقات السوق، ولكنه مجال للعلاقات الخطابية والعلاقات بين خطابات مختلفة إيديولوجيا، هو مسرح للجدل والنقاش وليس مجالا للبيع والشراء).
إذا كنا عنينا من قبل بمناقشة ظاهرة بروز المدونات والمدونين باعتبار التدوين أصبح رمزاً لنشوء فضاء اجتماعي جديد، فلا يمكن في الواقع فهم هذه الظواهر المستحدثة إلا في ضوء التركيز على النقلة الكيفية في النموذج الحضاري من المجتمع الصناعي الى مجتمع المعلومات العالمي.
والمجتمع الصناعي هو ربيب الثورة الصناعية، ولم يكن في الإمكان صياغة وتخطيط مؤسساته وترسيخ قيمه، إلا في ضوء المشروع الحضاري للرأسمالية الأوروبية التي صعدت على أنقاض المجتمع الإقطاعي الأوروبي القديم. وهذا المشروع الحضاري اصطلح على تسميته بالحداثة .Modernity والحداثة مشروع يقوم على عدة أسس هي الفردية والعقلانية والوضعية والاعتماد على العلم والتكنولوجيا، وتبني نظرة خطية Linear في التاريخ الإنساني مبناها أنه يتطور من مرحلة الى أخرى.
والحداثة كمشروع له تجليات مختلفة. أولها الحداثة الفكرية التي أعلت من شأن العقل، وكان شعارها أن «العقل هو محك الحكم على الأشياء». بعبارة اخرى أهدرت الحداثة الفكرية قوة وسطوة النص الديني الذي كانت تحتكر تفسيره وتأويله صفوة رجال الدين، الذين كانوا ينطلقون من رؤى للعالم تتسم بالانغلاق وبالجمود مما أدى الى جمود المجتمعات الأوروبية وسيادة الاستبداد السياسي، لأن رجال الدين هؤلاء، وضعوا أنفسهم في خدمة الطغاة من الحكام الذين مارسوا قهر شعوبهم.
وهناك وجه آخر للحداثة وهو الحداثة السياسية التي توجهت لتأسيس مجتمعات ديمقراطية تقوم على أساس تداول السلطة والانتخابات الدورية النزيهة، وحرية التفكير وحرية التعبير وحرية التنظيم.
وفي قلب الحداثة السياسية ولدت فكرة المجال العام . Pensé unique
وهناك إجماع بين العلماء الاجتماعيين على أن المفكر الذي وضع أسس نظرية المجال العام هو الفيلسوف الألماني الشهير «هابرماس» في كتابه المعروف «التحول البنيوي للمجال العام» الذي صدر عام 1962 وكان في الواقع أطروحته للحصول على درجة الأستاذية في علم الاجتماع.
ومازال هذا الكتاب هو المرجع الأساسي في الموضوع حتى الآن بالرغم من أن «هابرماس» طور من أفكاره من بعد وخصوصا في نظريته الاتصالية.
ولعل السؤال الذي ينبغي طرحه الآن: ماهو تعريف المجال العام؟ المجال العام - كما تعرفه موسوعة وايكيبديا - هو منطقة في الحياة الاجتماعية حيث يتجمع الناس معا ويناقشون بحرية المشكلات المجتمعية بعد أن يحددوها، ومن خلال مناقشاتهم يؤثرون على الفعل السياسي. وهو فضاء خطابي (من مفهوم الخطاب) discursive يجتمع فيه الأفراد والجماعات ليناقشوا الأمور ذات الأهمية بالنسبة لهم، وللوصول - إذا كان ذلك ممكنا - الى حكم عام.
ويرى بعض الباحثين أن المجال العام أشبه ما يكون بمسرح ينصب في المجتمعات الحديثة، يتم فيه تفعيل المشاركة السياسية من خلال الكلام. وهو في قول آخر «مجال من مجالات الحياة الاجتماعية يتشكل فيه الرأي العام».
ويمكن القول إن «المجال العام» يتوسط بين «المجال الخاص« و«مجال السلطة العامة». والمجال الخاص يتضمن المجتمع المدني في معناه الضيق، ونعني عالم التبادل السلعي والعمل الاجتماعي. في حين أن مجال السلطة العامة يتعلق بالدولة، أو مجال الشرطة، والطبقة الحاكمة.
والمجال العام يعبر كلا من المجال الخاص ومجال السلطة العامة من خلال آلية الراي العام الذي يجعل الدولة بصيرة بحاجات المجتمع. وهو بهذه الصورة يتميز عن الدولة، لأنه مجال لإنتاج الخطابات التي يمكن - من ناحية المبدأ - أن تكون ناقدة للدولة. وهو أيضاً يتميز عن الاقتصاد الرسمي، لأنه ليس مجالا لعلاقات السوق، ولكنه مجال للعلاقات الخطابية والعلاقات بين خطابات مختلفة إيديولوجيا، هو مسرح للجدل والنقاش وليس مجالا للبيع والشراء. وهذه التفرقة بين أجهزة الدولة، والأسواق الاقتصادية، والتجمعات الديمقراطية أساسية في النظرية الديمقراطية. لأن الجماهير تعتبر المجال العام باعتباره مؤسسة تنظيمية ضد سلطة الدولة. ومن هنا فإن دراسة المجال العام لابد لها أن تركز على «لديمقراطية التشاركية» وكيف يتحول الرأي العام لكي يصبح فعلاً سياسياً. والدراسات المتعددة التي تعرضت للمجال العام تاريخيا والتي تناقشه في الوقت الحاضر تحاول الإجابة على ثلاثة أسئلة رئيسية: ما هي الأسس النظرية للمجال العام، وكيف تناقش المعلومات فيه، وما هو تأثير المجال العام على المجتمع؟
ولا نستطيع - لضيق المجال - أن نفيض أكثر من ذلك في الحديث عن المشكلات النظرية والتطبيقية للمجال العام. ولكن ما يهمنا في الواقع هو تأكيد فكرة جوهرية مفادها أن ممارسات المجال العام ستختلف بالضرورة وجودا وعدما بحسب طبيعة النظم السياسية المختلفة، كما أن تأثيراته في مجال السياسة لابد لها أن تختلف بحسب هذه النظم. ومن المعروف أن علم السياسة فيه تصنيفات مختلفة للنظم السياسية، ولكننا نميل الى التصنيف الذي وضعه عالم الاجتماع السياسي «لويس كوزر» في كتابه «علم الاجتماع السياسي». وهو تصنيف ثلاثي يضم ثلاثة أنماط رئيسية، وهي النظم الشمولية والنظم السلطوية والنظم الليبرالية.
والنظام الشمولي بحكم طبيعته لا يسمح إطلاقاً بوجود «مجال عام» فعال تتم فيه مناقشة توجيهات النظام الأساسية وسياسات الحكومة. وذلك لأنه غالباً يقوم على أساس هيمنة حزب سياسي أوحد، ربما كان مثاله البارز الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي السابق. في هذا النظام الشمولي ليس هناك مجتمع مدني مستقل عن السلطة على وجه الإطلاق، ولا يمكن أن يعلو صوت على صوت الحزب الشيوعي الذي ينفرد بالساحة السياسية، ويصدر توجيهات للتنفيذ وهي توجيهات غير قابلة للمناقشة. بعبارة مختصرة هذا النظام سواء هيمن عليه حزب سياسي واحد أيا كانت أيديولوجيته «ماركسية» كانت على الطريقة الأوروبية أو «بعثية» مثلاً على الطريقة العربية، يقوم أساساً على استخدام أجهزة الدولة الإيديولوجية - بتعبير الفيلسوف الفرنسي لويس التوسير - لكي تهيمن ليس فقط على حركة الجماهير السياسية ولكن على وعيها الاجتماعي أيضاً، هو نموذج لفرض التفكير الأحادي Pensé unique على المجتمع، مما يؤدي على المدى الطويل الى العقم الفكري، والانهيار الاجتماعي التدريجي، كما حدث فعلاً بالنسبة للاتحاد السوفييتي.
والنمط السياسي الثاني هو السلطوية. والنظام السلطوي - بحسب التعريف - يفرض قبضته الحاكمة على المجتمع، وإن كان يسمح بحرية نسبية لبعض المؤسسات، وبمجال عام محدود للغاية وتحت الرقابة، تدار فيه المناقشات التي تخص المجتمع في حدود. وربما كان المجتمع المصري في العهد الناصري نموذجاً لهذا النظام السلطوي.
والنمط السياسي الأخير هو النظام السياسي الليبرالي، والذي يتمتع لكونه ديمقراطياً بمجال عام حي وفعال، تدور فيه المناقشات - نظريا - بحرية مطلقة وبغير قيود أو حدود. وربما كان المجتمع الأمريكي المعاصر نموذجاً بارزاً لهذه النظم السياسية الليبرالية.
وإذا كنا جزمنا بأن المجال العام - كما عرفناه في صدر المقال - لا يمكن له أن يتواجد في رحاب المجتمع الشمولي، ويمكن أن يمارس حياته في دائرة بالغة الضيق في ظل المجتمع السلطوي، فمن المفروض أن يمارس حياته كاملة في ظل النظام الليبرالي.
غير أن القراءة النقدية لتحولات المجتمع الأمريكي المعاصر منذ الخمسينات حتى الآن تكشف عن أن هناك فجوة كبرى بين النظرية والتطبيق!
ولكي نلخص حكمنا على هذا المجتمع في عبارة موجزة يمكن القول إن الوضع هناك يتمثل في الرحلة الطويلة التي قطعها هذا المجتمع من إرهاب «المكارثية» في الخمسينات الى إرهاب «المحافظين الجدد» في الوقت الراهن!
ونعني بذلك أنه خلافاً لقواعد وأعراف النظام السياسي الليبرالي نشأت في الخمسينات ظاهرة »المكارثية« نسبة الى عضو الكونجرس الأمريكي «مكارثي» الذي رأس لجنة مهمة من لجان الكونجرس للبحث عن المثقفين الأمريكيين ذوي الاتجاهات اليسارية اشتراكية كانت أو شيوعية، تمهيداً لمحاكمتهم. ولم يفلت من قبضة مكارثي أي مثقف أمريكي ممن يمثلون نخبة العلماء والمفكرين والفنانين.
ومارست هذه اللجنة إرهابا فكريا لا سابقة له، وهي بذلك أعدمت في الواقع فكرة المجال العام، والتي هي أساسا ساحة مفتوحة للنقاش وللاختلاف في الآراء، وميدانا للنقد الفعال لتوجهات النظام السياسي وسياسات حكوماته.
وانقضت حقبة المكارثية، وبعدها اتسعت دوائر المجال العام وخصوصا حين قام الشباب الأمريكيون باحتجاجات واسعة النطاق ضد الحرب الأمريكية العدوانية ضد فيتنام، وازدحمت الجامعات الأمريكية بالندوات والاحتجاجات والمظاهرات الى أن انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من فيتنام، بعد هزيمتها العسكرية الساحقة على يد الشعب الفيتنامي العظيم.
غير أن أحداث سبتمبر ،2001 ونعني الهجمات الإرهابية ضد مراكز القوة والنفوذ في أمريكا وما أدت إليه من إعلان الرئيس جورج بوش لحربه ضد الإرهاب وغزوه العسكري لأفغانستان والعراق، أدت به الى أن يصدر »قانون الوطنية« الذي ينص على عقاب كل من يوجه نقدا للحرب ضد الإرهاب، بل إن هذا القانون يعطي الحق للسلطات الأمنية في استراق السمع على المكالمات الهاتفية، بل والقبض على كل من يشتبه في علاقته بالإرهاب.
ومعنى ذلك في الواقع انهيار فكرة المجال العام بتعريفه التقليدي وصعود فضاء المجتمع المعلوماتي الجديد!.

  رجوع