«هناك مجموعة كبيرة من العوامل الداخلية
والخارجية لعبت دورا مهما في الوصول للمأزق
الحالي ، الذي جعل القضية الفلسطينية في مهب
الريح . لكن يبقى غياب المشروع الفلسطيني
الشامل من أكبر المشكلات والمطبات التي تقف في
طريق القضية. فالمشهد الذي وصل إليه الخلاف
بين حركتي فتح وحماس يضعنا أمام مشروعين
متقابلين ومتباعدين بل ومتناقضين أيضا».
دخلت القضية الفلسطينية مرحلة حرجة من التردي
السياسي، في ظل استمرار المراوغات والانتهاكات
الإسرائيلية. وغياب المجتمع الدولي وابتعاده
عن الانخراط في المفردات الحقيقية للقضية.
فضلا عن التباين الواضح بين غالبية القوى
الوطنية وما أفضى إليه ذلك من غياب المشروع
السياسي الجامع. الأمر الذي انعكس سلبا على
وضع القضية ونقلها من مربع المركزية إلى مربع
الهامشية في العمل العربي المشترك. وكان
الخلاف بين الفصائل الفلسطينية سببا رئيسيا
لهذه النتيجة. فقد انشغلت غالبية الحركات
بالدفاع عن نفسها وتناست القضية. وسعت معظم
الفصائل للانهماك في تصفية الحسابات وغابت عن
إيقاظ المجتمع والناس وحضهم على مزيد من
التفاعل السياسي لوضع القضية في بؤرة الاهتمام
العربي والدولي. وأثار هذا التراجع لغطا كثيرا
حول قضية العرب الأم وأخراجها عن مسارها
الصحيح. وأفسح المجال لامعان إسرائيل في
التنكيل بالقضية وأصحابها ، وحتى المتعاطفين
معها لم يسلموا من الأذى. تفرض هذه النتيجة
علينا البحث عن الأسباب والوقوف عند التداعيات
ووضع آليات من شأنها احتواء أو تطويق للمشكلات
الناجمة.
تؤكد التطورات الراهنة أن هناك مجموعة كبيرة
من العوامل الداخلية والخارجية لعبت دورا مهما
في الوصول للمأزق الحالي ، الذي جعل القضية
الفلسطينية في مهب الريح . لكن يبقى غياب
المشروع الفلسطيني الشامل من أكبر المشكلات
والمطبات التي تقف في طريق القضية. فالمشهد
الذي وصل إليه الخلاف بين حركتي فتح وحماس
يضعنا أمام مشروعين متقابلين ومتباعدين بل
ومتناقضين أيضا. أحدهما تتبناه فتح ويعتبر أن
طريق التسوية السياسية هو الوحيد الكفيل
بالحفاظ على ما تبقى من القضية ، بل واسترداد
جزء كبير مما تآكل في هياكلها السياسية.
والآخر وترعاه حماس ويرى أن خيار المقاومة هو
الخيار الوحيد الذي يستطيع إجبار إسرائيل على
التراجع عن أسلوبها الإقصائي. كما أنه قادر
على الضغط على المجتمع الدولي وحثه على التدخل
وإنصاف القضية الفلسطينية التي عانت كثيرا
بسبب سياسات الليونة والمرونة والتعويل على
الأدوات الدبلوماسية في تغيير الواقع المرير.
لست هنا بصدد الدفاع عن رؤية هذا أو ذاك، لكن
من الضروري الوقوف عند المنطق الذي يبرر تبنى
مشروع وترك آخر، حتى يمكن الوصول إلى تفاهم أو
مساحة مشتركة تساعد على تقريب المسافات ؛ لأن
الغموض الذي يحيط بالقضية سوف تمتد نتائجه إلى
قضايا أخرى عربية ، فالمجال فسيح لانتقال
الأمراض الفلسطينية ، بحكم التشابه الكبير في
الأسباب التي أدت إلى التردي الحاصل الآن في
زوايا مختلفة. من هنا تكمن خطورة السكوت عن
الحالة التي وصلت إليها قضايا كثيرة .
فالمسألة تحتاج إلى تحركات سريعة لإنقاذ ما
يمكن إنقاذه.
يعتمد مشروع المقاومة الذي تتبناه حركة حماس
على أربعة مرتكزات متداخلة ، لكن تظل مكوناتها
نقطة انطلاق جوهرية لهذا المشروع.
الأول: التعامل بمنطق القوة كلغة وحيدة تفهمها
إسرائيل ، فهي اللغة التي استخدمتها ولا تزال
في بناء دولتها على حساب الأرض الفلسطينية.
وهذه اللغة هي التي أجبرت إسرائيل على
الانسحاب من سيناء المصرية ، خاصة أن الأدوات
التي تستخدمها فصائل المقاومة نجحت في أن تقض
مضاجع الإسرائيليين . وإذا كانت الصواريخ
البدائية وصلت إلى هذه النتيجة ، فإن المزيد
من الإتقان يمكن أن يكبد إسرائيل خسائر أكثر
فداحة ويوسع دوائر الهلع في صفوف
الإسرائيليين.
الثاني: يقين قيادات حماس بفشل منهج المفاوضات
في تحقيق الحد الأدنى من التطلعات الفلسطينية.
فعلى مدى السنوات الماضية لم يصل هذا المنهج
إلى أي نتيجة تلبى ولو جزءا صغيرا من طموحات
الشعب الفلسطيني. وعلى العكس استثمرت إسرائيل
ضجيج اللقاءات والمحادثات والمفاوضات التي جرت
في عواصم مختلفة لخداع المجتمع الدولي بأن
هناك عملية سياسية جارية تدعو للتفاؤل باقتراب
إغلاق باب الصراع الضاري في منطقة الشرق
الأوسط.
الثالث: إخفاق اتفاق أوسلو الذي وقعه الرئيس
الراحل ياسر عرفات عام 1993 في تحقيق الأهداف
الفلسطينية التي دفعت إلى توقيعه آنذاك. ومن
يراجع- حسب رؤية حماس- المكاسب التي حققتها
السلطة الفلسطينية سيجدها ضئيلة ، في حين
تعاظم حجم الخسائر التي تكبدتها السلطة
وروافدها. وأبرزها ترسيخ مبدأ القبول بتسوية
سياسية منقوصة وإهمال جملة من الملفات الحيوية
بذريعة ترحيلها إلى حين تكون هناك فرصة مواتية
لمناقشتها والبحث عن حلول لها، أي محاولة
تسكينها. وترى حماس أن الخطورة تكمن في
استمرار العمل بهذا المنهج وترويج كلماته
بصورة سوف تؤثر سلبا على القضية ومفاصلها
المتباينة.
الرابع: نجاح تجارب المقاومة في لبنان والعراق
والأراضي الفلسطينية ذاتها في الضغط على قوات
الاحتلال وإرباكها ، من خلال إصابتها بخسائر
كبيرة ، جعلت المحتل يميل في النهاية إلى تفهم
مطالب المقاومة والشروع في اتباع وسائل تنزع
عنها هذا السلاح ، بعد أن أثبت جدواه. بالتالي
فزيادة وتيرة المقاومة تضاعف المكاسب
الفلسطينية والخسائر الإسرائيلية، وتقود إلى
استعادة جوانب مهمة من الحقوق الفلسطينية التي
يعتقد البعض أنها أضحت منسية.
في المقابل، يميل مشروع حركة فتح إلى التعامل
بما يوصف بالواقعية السياسية في إدارة الصراع
مع إسرائيل. وهذه الواقعية تنطلق من أربعة أسس
أفضت إلى تأييد مشروع الحل السياسي ومحاولة
صياغة السبل اللازمة لتطبيقه.
الأول: توازنات القوى الدولية التي تنحرف في
شقها العسكري لصالح إسرائيل، حيث تمتلك
الأخيرة كل أنواع القوة المسلحة بما فيها
النووية. وتتفوق تفوقا كاسحا على نظيرتها
الفلسطينية. وهو ما تسبب في تراجع حركة فتح عن
نهج المقاومة. حتى الأنواع البسيطة منها،
كانتفاضة الحجارة وغيرها، واختفت من أو تكاد
تختفي كلمة المقاومة من القاموس الفتحاوي،
الذي يعلي من شأن مصطلح (التفاوض) ويفرمل
التوجهات المقابلة.
الثاني: سوء الوضع الحالي على الأرض، بمعنى
هيمنة إسرائيل وامتلاكها كل مفاتيح القوة، فقد
نجحت الدولة العبرية في تكريس (الأمر الواقع)
الذي من الصعب تغييره. فالمستوطنات قطمت وسط
الشعب الفلسطيني وقطعت أجزاء كبيرة من أرضه.
والجدار العازل مزق أوصال هذه الأرض وجعل
عملية الانتقال من مكان إلى مكان آخر عملية
مستحيلة. بالإضافة إلى الحواجز الكثيفة التي
تملأ ربوع الأرض الفلسطينية. وكلها مظاهر تقلل
-من وجهة نظر فتح - من فرص نجاح المقاومة في
الوصول إلى أهدافها، بينما الحل السياسي ربما
يتمكن من تفكيكها.
الثالث: إيمان حركة فتح بتجارب التفاوض التي
أدت إلى إجبار قوى الاحتلال على الرحيل، لا
سيما عندما يتوافر دعم شعبي متعدد لهذا الطريق
، بما يعطي للقيادة التي تتفاوض قوة دفع سياسي
تعينها على مواجهة جبروت وألاعيب الاحتلال.
الرابع: هذه الحالة من الاستنفار للمجتمع
الدولي ضد قوى المقاومة. والرغبة في تقليم
أظافرها بطرق مختلفة.
أدت بالضرورة إلى دعم منهج التسوية. وربما
يكون ذلك أحد أهم رهانات السلطة الفلسطينية ،
التي تحظى بمباركة معنوية من جهات مختلفة ،
لكن هذه المباركة لم تتبلور في صورة دعم مادي
حقيقي ، يسمح بقيام المجتمع الدولي بالضغط
الفعلي على إسرائيل أو تبنى مشروع تفاوضي من
أجل إنصاف القضية الفلسطينية . ومع ذلك يبقى
رهان الحصول قائما.
من هنا سوف تظل الهوة بعيدة بين حركتي فتح
وحماس، لأن تجارب حركات التحرير الوطني في
إفريقيا وآسيا أثبتت أن ضرورة التفاف القوى
الوطنية حول مشروع واحد كشرط للتحرير، سواء
كان هذا المشروع سلميا أو مقاوما.
وتبقى لعبة توزيع الأدوار هي الخيار الأمثل في
الحالة الفلسطينية. بمعنى أن وجود مشروعين قد
يكون مفيدا، شريطة توافر بعض المكونات
السياسية. وأهمها، أن يكون المشروعان متكاملين
، وبينهما تعاون وتنسيق وتفاهم على الأدبيات
والمفردات الرئيسية. كما أن وجود قيادة واحدة
للمشروعين مسألة حيوية تضمن عدم الذهاب
بأحدهما بعيدا أو الانحياز لمشروع على حساب
آخر.
يضاف إلى ذلك ترتيب الأولويات وفقا لتطورات
الأوضاع على الأرض . ولعلنا نذكر أن من أهم
إبداعات الزعيم الراحل ياسر عرفات هي هذه
القدرة لديه على الجمع بين المنهجين بطريقة
خيالية . لذلك أدى رحيله إلى تداعيات خطيرة في
عملية الجمع بين التفاوض والمقاومة. بالتالي
فإن وضع آليات للتفاهم حول مشروع مزدوج يجمع
بين المنهجين القائمين قد يكون مفيدا كطريق
سليم للخروج من النفق المظلم الراهن وتعديل
مسار القضية الفلسطينية التي فقدت جزءا من
بريقها السياسي في الشارع العربي.