يبدو الكيان
الذي زرعوه في قلب وطننا الكبير والكبير جدا
أشبه بالغدة السرطانية التي تنتظر الإزالة
والقلع والكي عما قريب ، وان بدت قوية
أو شرسة او مستشرية
او منتشرة او حتى في حالة «هجوم» ضد كافة
الخلايا الحية والسليمة والنظيفة في جسمنا
الكبير
نحو سبعين وزيرا من وزراء مجموعة دول عدم
الانحياز اجتمعوا في العاصمة الإيرانية طهران
الأسبوع المنصرم في إطار الدورة الخامسة عشرة
للمجموعة المذكورة، ولسان حالهم جميعا كان
يتحدث بلغة واحدة القدر المتيقن والمشترك فيها
هو انه كفي تفرد وكفى هيمنة على مقدرات هذا
العالم تحت أية ذريعة كانت وباسم أية دعاوى
كانت حتى لو كان اسمها إشاعة الحريات
والديمقراطية وحقوق الإنسان !
وهذا الكلام يذكرني بالمجاهد الجزائري الراحل
عبد الحميد باديس الذي قال يوما وهو يقاوم
المستعمر الفرنسي ما مضمونه : والله لو قالت
فرنسا لا اله إلا الله ، ما كررت ذلك خلفها
ولا قلته !
ومن جهة اخرى فان طهران اليوم منشغلة في قمة
استثنائية تجمع بين الرئيس السوري بشار الأسد
والرئيس أحمدي نجاد في ظل حملة شرسة على كل من
سوريا و إيران الأولى لكونها المتهمة في رعاية
ما يسمونها بمنظمات الإرهاب العربي الفلسطيني
- أي فصائل المقاومة الفلسطينية والجهاد
الفلسطيني ككل - والثانية لأنها باتت بمثابة
البنك المركزي الراعي للإرهاب العالمي - وذلك
لأنها وضعت في أولى اولوياتها دعم الكفاح
والنضال العالمي ضد ما بات يعرف بالشيطان
الأكبر أي أمريكا في صدر جدول اولوياتها - في
هذه الأثناء فان اللحظة التاريخية التي يمر
بها العالم باتت في أوج انقلاباتها وتحولاتها
العظيمة وذلك للأسباب التالية :
أولا: إن القضية الفلسطينية وهي القضية
المركزية التي منها انطلقت كل معاناة هذا
الشرق العربي والإسلامي الحالية منذ نحو ستين
سنة على الأقل باتت اليوم محط أنظار كل انسان
حر شريف في العالم العربي على الأقل مهما
اختلف او تفاوتت نظرته مع الجهاديين
والإسلاميين الفلسطينيين أوغير الفلسطينيين في
تصوراتهم ورؤيتهم للنضال والكفاح المسلح ، وهو
اليوم يريد حلا جذريا لهذه القضية الإنسانية
التي باتت تؤرق الضمير الإنساني الحر ولم يعد
الحد الأدنى المقبول من الحل سوى إعادة هؤلاء
المنفيين والمنتزعين والمقتلعين من أرضهم بقوة
السلاح الى ديارهم الأصلية ، وهو ما جاء على
لسان جنرال العصر الحر العماد ميشيل عون وهو
المؤمن المسيحي بامتياز، وهو ما جاء في آخر
تصريحات له حيث أعرب فيها بصراحة عن ضيق صدره
الواسع بما اختلقته ولا تزال الماكينة
الدعائية الغربية من «تجليط» أي كذب وتدجيل في
هذا الشأن على امتداد الستين عاما الماضية،
كما ورد على لسانه بالحرف الواحد !
الأمر الذي يعني فيما يعنيه أن هذه القضية
المقدسة لم تعد مجرد مشكلة سياسية خلافية بين
الكيان الصهيوني ومجموعة من الفلسطينيين
الإسلاميين المسلحين الفارين من وجه العدالة
الدولية كما تحاول أن تصفهم وتتهمهم الدول
الغربية الكبرى وحكومة تل أبيب وتوصمهم
بالإرهاب وتتهم سوريا باحتضانها غير المشروع
لهم، فيما تتهم طهران بدعم وإسناد هذه
المجموعات بكل ما أوتيت من قوة.
ثانيا: لقد تحول لبنان ذلك البلد الضعيف
والمستضعف منذ ما يقارب الستين سنة أيضا الى
بلد يفاخر به ليس فقط الشعب العربي اللبناني
وقواه الحية الى اي طائفة او مذهب او دين او
معتقد انتمت، بل وكل جمهور الشعب العربي من
أقصاه الى أقصاه والأمة الإسلامية من طنجة الى
جاكارتا ، بل والعالم الحر الشريف في كل مكان
من جهات الكرة الارضية الاربع ، حتى بات
المثال الأبرز ان لم يكن الوحيد في هذا العصر
لمقولة :« كم من فئة قليلة هزمت فئة كبيرة
بإذن الله ..» كما هو مضمون الآية الكريمة،
الامر الذي أشاع ثقافة المقاومة وإمكانية
الانتصار على الأقوياء بفضل الإيمان المدجج
باليقين كما تقول وسائل إعلام العدو نفسها،
قبل وسائل إعلام الصديق، وهو ما جعل لبنان في
صدر قائمة «الدول العظمى» إن لم يكن في صدر
العالم ومركزه، رغم صغر مساحته الجغرافية وقلة
عدد سكانه وافتقاره الى الامكانيات المادية
المشهورة والمعروفة من ذهب اصفر او اسود او
ترسانة أسلحة فتاكة، وهي الإمكانات التي عادة
ما تتباهي بها الأمم في هذه الأيام !
ثالثا: وأخيرا وليس آخرا فإن الكيان المصطنع
والمسخ الذي زرعه مرة اخرى ذلك المجتمع الغربي
الغريب الأطوار عنوة وبقوة الحديد والنار قبل
نحو ستين عاما من الآن أيضا، في قلب وطننا
العربي والإسلامي بات اليوم يعاني من الشيخوخة
والهرم البائنين والواضحين لكل لبيب ، وهو يمر
في فصل خريفه الذي لا يختلف اثنان على بدئه
حتى داخل الكيان نفسه بعد ان تزايدت الدراسات
والتحقيقات والتكهنات التي تقول إنه لم يبق من
الكيان الا ذلك الشريط الساحلي الضيق الممتد
من حيفا الى عسقلان مرورا بمنطقة تل ابيب كما
ورد في دراسة متأخرة لأحد قادة الموساد
السابقين وهو متاي شتاينبرج في كتاب اخير صدر
له تحت عنوان «يقفون أمام مصيرهم وذلك بعد ان
احاطت به جموع الحانقين ضده واللافظين لوجوده
بينهم وهم الفلسطينيون ، أو انه بات يحمل بذور
فنائه في داخله كما جاء على لسان ابراهام بورغ
الرئيس الأسبق للكنيست الصهيوني!
الأمر الذي يعني فيما يعنيه بأننا أي نحن
العرب من مسلمين وغير مسلمين والعالم الإسلامي
بكل خريطته المتنوعة والمتعددة والموزعة في
إبداعاتها الحضارية والثقافية والدينية بتنا
اليوم نحن امة المستقبل وان بدا المظهر قاسيا
ومؤلما ومشوشا او مشوها او حتى مترهلا بعض
الشىء بسبب إصابات المرض البالغة الخطورة ،
فيما يبدو الكيان الذي زرعوه في قلب وطننا
الكبير والكبير جدا أشبه بالغدة السرطانية
التي تنتظر الإزالة والقلع والكي عما قريب ،
وان بدت قوية أو شرسة او مستشرية او منتشرة او
حتى في حالة «هجوم» ضد كافة الخلايا الحية
والسليمة والنظيفة في جسمنا الكبير !
مرة اخرى إننا أمام جسم يبدو عليلا ومريضا
بسبب إصابته البالغة بالسرطان ولكنه يتماثل
الى الشفاء العاجل والعاجل جدا بعد ان اكتشف
«الفيروس» المقاوم لهذا المرض بل وجربه بكل
نجاح على جسم لبنان الحبيب الذي ها نحن نراه
يتعافى بسرعة هائلة، مقابل جسم يبدو قويا
ومتماسكا وصلبا في ظاهره بسبب الحقن الاصطناعي
المتلاحق والمستمر من فيروسات من أمثاله، لكنه
منخور من الداخل ومحاط من كل جانب بكل أنواع
«فيروسات» المقاومة القادرة على تفتيته
واستئصاله كما تستأصل كل سرطانات الدنيا التي
اشتهرت منذ ايام الحرب العالمية الثانية مثل
النازية والفاشية والعنصرية !
في مثل هذه الظروف يجتمع اليوم الرئيسان بشار
الأسد وأحمدي نجاد في طهران وذلك بعد ان انهت
العاصمة الايرانية اجتماع دول عدم الانحياز
بحضور نحو سبعين وزيرا قالوا جميعا بضرورة قطع
واستئصال مرض الهيمنة والسيطرة والنهب المنظم
لمقدرات البلدان والشعوب والأمم المستضعفة،
وإعادة الحياة لنظام العدالة والتوازن الدولي
والعلاقة المتكافئة بين الأمم التي تعطي لكل
ذي حق حقه ومن اجل احتفال العالم بموت
الصهيونية باعتبارها آخر امراض العصر الحديث
وعودة السلامة الكاملة الى العلاقات الدولية
بعد طول تعثر وغياب !