ترجمة - قاسم مكي
لقد انتبه العالم عندما نشر البنك الدولي
تقريرا مهما حول اسواق العمل في الشرق الاوسط
وشمال افريقيا في عام 2003 أوضح فيه ضرورة
ايجاد حوالي100 مليون فرصة عمل بحلول عام 2020
للتلطيف من معدل عدم التوظف . ان محنة الشباب
العربي (وهم اولئك الناس الذين تقل اعمارهم عن
25 عاما ويشكلون 60٪ من مجموع السكان) ظلت
مصدر هم وغم للحكومات والمجتمعات في المنطقة
على مدى عدة اعوام . ولكن بعد هجمات الحادي
عشر من سبتمبر على الولايات المتحدة فان هذه
المشكلة صعدت ايضا سلم اجندة صناع القرار في
بلدان شديدة البعد عن الشرق الاوسط . فتضخم
أعداد الشباب في منطقة استراتيجية تعاني من
نمو اقتصادي متباطئ لا يقتصر على كونه فقط
نذير سوء فيما يخص احتواء الاصولية السياسية
والدينية. بل ان الهدية الدموغرافية التي كان
يلزم ان تقدمها الشبيبة لمجتمعاتها الناهضة
اقتصاديا تستحيل الى ما يبدو مصدر تهديد يلوح
في الأفق. ففي وقت نشر التقرير كان النمو
الاقتصادي في المنطقة يتزايد بمتوسط سنوي يصل
الى 3,6٪ فقط . اما عدم التوظف فكانت نسبته
حوالي 15٪ ولكنه كان مرتفعا كثيرا في اوساط
الشباب. وألمح التقرير الى انه يلزم مضاعفة
معدلات النمو لايجاد الوظائف المطلوبة. وتلك
مستويات بدا من غير الممكن تحقيقها. وبعد مرور
خمسة اعوام فان الصورة اقل كآبة . فالمنطقة
تتقلب في نعيم ازدهار اقتصادي يقوده الى حد
كبير ارتفاع مثير في اسعار النفط . ولكن يساهم
في ذلك ايضا تحرر اقتصادي متسارع شمل حتى
البلدان الأفقر اقتصاديا مثل مصر. ان المعدلات
الاكثر ارتفاعا في النمو السنوي ( اكثر من 5٪
على مستوى المنطقة بكاملها ولكن ما يقارب 10٪
في بعض دول الخليج) قد بدأت في استحداث وظائف
دفعت بهبوط في نسبة عدم التوظف في المنطقة الى
ما يقدر بحوالي 12,7٪. ورغما عن هذا فان
الانزعاج من افتقار الشباب الى الوظائف يشكل
اكثر مصادر القلق اثارة للاعصاب . وذلك في
الوقت الذي يلاحظ فيه الخبراء ان الوظائف
الجديدة تذهب الى العمال الأجانب في قطاع
صناعة الإنشاءات المزدهر أو تنزع لان تتوافر (اي
الوظائف) في القطاع غير الرسمي مما يؤدي الى
حصول توظيف موسمي وليس دائما. يقول طارق يوسف،
عميد كلية دبي للادارة الحكومية وخبير توظيف
الشباب، (هنالك ازدهار في المنطقة، وذلك يحقق
نفعا لمساعي توظيف الشباب . ولكن نوع الوظائف
التي يتم ايجادها خصوصا في غير دول الخليج
ليست بالضرورة ذلك النوع من الوظائف التي
نحتاجها. إنها وظائف متدنية الرواتب وبدون
عقود عمل طويلة، ولا تؤمن حراكا اجتماعيا
لشاغليها وخاصة العاملين في القطاع الخاص غير
الرسمي والقطاعات التي لا تحتاج الى تكنولوجيا
عالية المستوى). ويقول طارق ان هذا النوع من
الوظائف لا يناسب تطلعات الشباب في المنطقة
والذين تتمثل فكرتهم عن الأمن الاقتصادي في
وظيفة حكومية جيدة الراتب ومستديمة وتمكن
شاغلها من الارتقاء في السلم الاجتماعي.
وترتبط هذه التطلعات بمساومة صامتة او عقد
اجتماعي تقدم بموجبه الحكومات للمواطنين الأمن
الاقتصادي والاجتماعي. وقد أصاب هذا العقد
توتر و إجهاد في اعوام التسعينات عندما تردت
أسعار النفط مما أدى الى إحداث انحسار في كرم
دولة الرفاهية. وللعودة إليه، تحتاج الحكومات
على الأقل الى التخفيف من سيطرتها على
الاقتصاد والسماح بتشكل قطاع خاص اكبر بل
وأكثر انتعاشا لإيجاد وظائف نوعية يطمح فيها
مواطنوها. لقد اتسعت ايضا الفجوة بين توقعات
الشباب وحقائق اسواق العمل بسبب زيادة مستويات
التعليم بما في ذلك بالنسبة للفتيات واللائي
يفُقن الآن عدد الذكور من خريجي الجامعات في
العديد من بلدان الشرق الاوسط. والمشكلة هي ان
انظمة التعليم في المنطقة دفعت بالمزيد
والمزيد من الخريجين ولكن مؤهلات العديدين
منهم غير ملائمة لمتطلبات سوق الوظائف.
والنساء الساعيات وراء التعليم العالي من
ناحية اخرى يواجهن حواجز اجتماعية اضافية
كثيرا ما تجعل توظيفهن يقتصر على قطاعات معينة
مثل التدريس والتمريض. تقول ندى الناشف،
المدير الاقليمي لمكتب الدول العربية بمنظمة
العمل الدولية، » لماذا يوجد هذا العدد الكبير
من الخريجين دون وظائف؟ السبب هو ان انظمة
التعليم لا تتلاءم مع العالم. هنالك عدم تناسب
كبير بين ما يُدرّس وما هو مطلوب في أسواق
العمل.« وقد أوضحت دراسة اجراها مؤخرا البنك
الدولي انه رغم انفاق نسبة مئوية عالية من
الناتج المحلي الاجمالي على التعليم والنجاح
في رفع متوسط المستوى الدراسي الا ان ما انجزه
الشرق الأوسط وشمال افريقيا هو دون ما حققته
بلدان اخرى خارج المنطقة لها مستويات نمو
مماثلة . ولاحظ التقرير ايضا ان التعليم فشل
في تطوير التفكير النقدي وروح الابتكار
ومهارات حل المشكلات مما يفسر الافتقار النسبي
لنزعة تكوين المشاريع الاستثمارية الخاصة لدى
الافراد في المنطقة. وعلى الرغم من ان عدة
بلدان بما فيها تلك التي تتسم بشدة المحافظة
قد الزمت نفسها باجراء اصلاح تعليمي فان
التغيير الذي يحدث في سنة ما تحدث احيانا ردة
عنه في السنة التالية مع تراجع الحكومات امام
مصالح مكتسبة وضغوط اجتماعية ودينية.
وللالتفاف حول الحواجز المعيقة للتغيير قامت
الدول في السنوات الاخيرة بتشجيع فتح مدارس
وجامعات خاصة. ولكن في حين ان هذا الاتجاه قد
افاد النخبة دون شك الا انه ايضا يترك معظم
الطلاب في قبضة نظام تعليم حكومي فاشل واحيانا
مهمل.
ويقول الخبراء ان المنطقة تحتاج الى النظر الى
ما وراء الاستراتيجية العريضة لتوليد النمو
لمعالجة مشكلة التوظيف وتوحيد الجهود لاصطناع
قدر أوفر من التنافسية والمزيد من المرونة في
اسواق العمل وفي الحصول على الإئتمان ومشاريع
التدريب التي يمكنها التعويض عن ضعف الانظمة
التعليمية. لقد دشنت المنظمات غير الحكومية
سلسلة من المبادرات في محاولة لمطابقة مؤهلات
الشباب مع احتياجات سوق العمل.
فبرنامج إنجاز والذي تديره منظمة ( أنقذوا
الأطفال) ويطبق الآن في اكثر من 10 دول شرق
اوسطية يذهب القائمون عليه الى المدارس لتعريف
التلاميذ على عالم الأعمال. ويسعى برنامج
الشراكة العالمية لاستثمارات الشباب الذي
يرعاه البنك الدولي الى ان ينقل الى المنطقة
تجربته في اندونيسيا حيث تساعد شراكة بين
القطاعين الحكومي والخاص وبرامج تدريبية
مخصوصة على ايجاد وظائف بما في ذلك في الخليج
للآلاف من الناس.
ويقول باوان باتيل،وهو الرئيس التنفيذي
لبرنامج الشراكة العالمية، ان فحوى خطة نقل
التجربة الاندونيسية هو العمل الى جانب مبادرة
تدعمها قطر لاختبار البرنامج على نطاق اكبر في
الشرق الاوسط. ومع محاولة المجتمع المدني بناء
الآليات اللازمة لتسهيل تحرك الشباب نحو سوق
العمل فان الحكومات ومجتمعات قطاع الأعمال
تدرك أن استمرارية واستدامة الانتعاش
الاقتصادي ترتكز على اتاحة الامل والفرصة
لشباب المنطقة. وكما ذكر محمد العبار، رئيس
اعمار للعقارات، في ندوة عقدت مؤخرا انه» اذا
كان في مستطاع المنطقة رعاية مواردها البشرية
الضخمة فاننا سندخل في عهد سلام وازدهار. وإذا
لم تكن لها القدرة على ذلك فإننا سنواجه
مستقبلا من عدم الرضى والقلاقل والتدهور
الاقتصادي«.
قسم الترجمة-عُمان