أثبتن جدارتهن لتحقيق العدل
16 امرأة تحمل على جبينها شرف العمل في الادعاء العام
استفادة كبيرة من المشاركة في مؤتمر ولاية المرأة على القضاء

كتبت: فاطمة الاسماعيلية
أقسم بالله العظيم أن أكون أمينة على الدعوى العمومية وتطبيق القوانين وتنفيذ الأحكام بكل حياد وعدالة)
بتلك الكلمات تنطلق الفتاة العمانية بالادعاء العام ، مُعلنة بداية عملها في هذا السلك من العمل إلى جانب الرجل.. وبدون فروق تؤدي عملها بإخلاص وتؤدي القسم مثله وتحمل الأمانة التي أُعطيت لها لثقتها وجدارتها في العطاء.. قد يتساءل البعض وما المميز بتجربة المرأة العمانية في وقوفها في مصاف السلك القضائي ، بعد أن وصلت الكثير من المناصب في وطنها؟ ربما لأن التجربة بحد ذاتها حديثة ليست فقط على السلطنة بل على مستوى الدول العربية نوعا ما، وربما مُشاع جدا أن نسمع أن المرأة بعاطفتها لا يمكن أن تُولى مثل تلك الأعمال.
تذكرت القاضية الأمريكية الأشهر إعلاميا صاحبة البرنامج الشهير «القاضية جودي» تلك امرأة وقفت بحزم أمام قضاياها وبعدالة ، وفتياتنا اليوم يثبتن اليوم أنهن لسن أقل جدارة.
استمتعت كعادتي بالحديث مع كل من لديها شغف بعملها، لأنه بطريقة لا إرادية انتقلت لي طاقة من عطائهن ، فالإخلاص في العمل أيا كان هو السر في التميز فيه .

البدايات..
كانت الخطوة الأولى للبداية المُشرفة في الثالث من نوفمبر لعام 2001م إذ تم تعيين خمسة عناصر نسائية بمسمى (مُعاون ادعاء عام) وتدرجن في السلم الوظيفي بعد تدريب عملي ونظري لمدة عامين كاملين حسب ما نص عليه قانون السلطة القضائية ولائحة تدريب معاوني الإدعاء العام رقم(107-2004م) وعُين في ابريل 2004 إلى وكلاء ادعاء ثان ليصلن إلى وكلاء ادعاء أول ويترافعن أمام محاكم الدرجة الثانية من درجات التقاضي (محاكم الاستئناف) الجدير بالإشارة إلى أن هذه الدفعة من النسوة قد حملن على عاتقهن جُهد إثبات الذات في هذا الحقل الوظيفي الفاعل والهام لاسيما وأن أنظار المجتمع العملي والاجتماعي قد انصبت عليهن بالترقب والمتابعة فكن- بعون من الله - بقدر الثقة التي وليت لهن فحققن نجاحات مشهودة يُشار إليها بالبنان وتشهد لها الأعيان ، لتتوالى دفعتان في تولي العمل القضائي الدفعة الثانية بوظيفة وكيل ادعاء عام ثان - والثالثة بوظيفة معاون إدعاء عام ، كما أن خطة التعيين للعناصر ما زالت مستمرة ، والكثيرات منهن ترقين للعمل في القضاء.

بين دفتي المؤتمر
وكيلات الادعاء العام الثاني بعد مشاركتهن في مؤتمر ولاية المرأة على القضاء في الشريعة الإسلامية والتشريعات الوضعية - الذي أقيم في أبو ظبي في الفترة بين 31 مارس وحتى الأول من ابريل الماضي، هن من الدفعة الثانية اللاتي يتولين العمل في السلك القضائي بالادعاء العام، تحدثن عن المؤتمر، كما سبرنا أغوارهن لنعرف ما الذي يُشكله العمل في سلك القضاء لهن.
فقد بدأت المرأة تشق طريقها في هذا المجال بدءا من توليها وظائف قضائية بالادعاء العام لاسيما وقد فُتح المجال أمامها لدراسة الشريعة والقانون وعليه فإن هناك الكثير من المُخرجات النسائية سنويا من كلية الحقوق والهدف من ذلك بناء نهضة علمية متخصصة في البلاد.
جاءت مشاركة السلطنة في مؤتمر ولاية المرأة على القضاء في الشريعة الإسلامية والتشريعات الوضعية الذي أقيم في أبو ظبي برئاسة محمد بن علي الحديدي نائب المدعي العام بناء على الدعوة التي تلقاها الادعاء العام من سعادة الدكتور محمد محمود الكمالي المدير العام لمعهد التدريب والدراسات القضائية بدولة الإمارات العربية المتحدة. وقد شاركت به ضيفاتنا وكيلات ادعاء عام ثان وهن كوثر بنت تغلب البروانية من إدارة الادعاء العام بالمصنعة ، وأميرة بنت علي السعيدية من إدارة الادعاء العام بالخوض ، وميساء بنت زهران الرقيشية من إدارة الادعاء العام بمحافظة مسقط ، حيث قدمن خلال المؤتمر ورقة عمل استعرضن من خلالها تجربة المرأة في مجال العمل القضائي بالادعاء العام بالسلطنة.

حقيقة واضحة
حديثنا بداية كان مع أميرة بنت علي السعيدية خريجة كلية الحقوق بالسلطنة ، وعملت في الادعاء العام في نوفمبر 2005م تقول: خضعت للدورة التدريبية لمدة عامين ، و في يناير 2008 تم تعييني والدفعة التي معي بقرار من معالي الفريق مالك بن سليمان المعمري المفتش العام للشرطة والجمارك إلى وكيل ادعاء ثان ، وكنا وقتها السباقات على مستوى دول الخليج ، ولدينا في قانون السلطة القضائية الذي صدر عام 1999م لم يشترط الذكورة ، تضيف : من الأمثلة التاريخية لتولي المرأة هكذا مناصب عندما ولى سيدنا عمر بن الخطاب الشفاء بنت عبدالله على مراقبة الأسواق ، والآن هناك تجارب بارزة بدأت تظهر ففي مملكة البحرين توجد أول قاضية وأيضا توجد تجربة نسائية في دولة الإمارات العربية المتحدة،بنظري تقبُل المجتمع بشكل عام لعملنا كان ايجابيا مع وجود قلة ربما يستغربون الأمر، ونحن نقوم بما يستدعيه عملنا من متابعة القضية فور استلامها من مركز الشرطة وحتى متابعتها وفقا للإجراءات القانونية بدراستها والبحث عن حيثياتها بشكل دؤوب. والجدية والالتزام هو أمر مفروض علينا في عملنا .
وعن رأيها فيما يقال عن إمكانية أن يكون للعاطفة في عمل المرأة القضائي فتقول: العاطفة يجب فصلها تماما عند العمل أيا كان .
عن المشاركة في المؤتمر تحدثنا أميرة السعيدية: من خلال تجارب الدول التي شاركت في المؤتمر، رأينا كيف أن المرأة أثبتت جدارتها - وليس تحيزا- بل هي حقيقة أن المرأة في أي موضع تكون فيه تثبت جدارتها. وفيما يتعلق بالقضاء فهو تطبيق لنصوص قانونية وعلى افتراض أنها لم تكن موجودة في هذا الجانب ففي السلطنة هي تساهم في تشريع القوانين التي تُطبق من قبل السلطة القضائية عامة.

تفوق وتميز
النساء لم يصلن فقط للعمل كوكيل ادعاء عام أول وثان، بل أيضا أثبتن جدارتهن في فترة التدريب فقد حصلت كوثربنت تغلب البروانية الخريجة من جامعة الكويت كلية الحقوق عام 2004 على المركز الثاني كمعاون ادعاء عام وعلى المركز الثالث كوكيل ادعاء عام ثان بين زملائها بعد فترة التدريب والتأهيل التي خضعت لها ، وكانت الأولى بين زميلاتها ،عن عملها في هذا المجال تقول: بداية أعتبر دخول المرأة في القضاء تشريفا لها ، وعن نفسي اخترت القانون لميولي الشخصية وشغفي في معرفة كل ما يتعلق بالقانون والقضاء والجانب الجزائي والعقوبات،ولو لم تثبت المرأة منذ الدفعة الأولى جدارتها لما تقدمت في الدفعات الأخرى .
و عن تأثير العاطفة في عملهن تذكر: لا يمكن أن تتحكم العاطفة في عملنا فنحن أدينا القسم وحُملنا أمانة ، ربما - وهذا المثال كافتراض - قد تتحفظ على قضية ما ، أما مشاعر الشفقة فهي في المنزل ، فنحن علينا تطبيق القانون ، إن كانت أركان قضية ما قائمة وواضحة فيأخذ كل طرف جزاءه.
وعن المشاركة في المؤتمر الذي أقيم في أبوظبي تقول: إن تبادل الخبرات في جانب دخول المرأة في سلك القضاء ، أضاف لنا الكثير في المؤتمر،حيث سلط الضوء على جوانب هامة،بما في ذلك تبادل المعرفة، ونحن إذ أكدنا على أننا في السلطنة لم نواجه أية صعوبات تذكر بل عملنا إلى جانب الرجل، وحصولنا على الدعم من جلالة السلطان المفدى حفظه الله والحكومة وتقبل المجتمع لنا لما تمكنا من العطاء .

خطوة نجاح
ميساء بنت زهران الرقيشية خريجة حقوق من جامعة بيروت العربية في القاهرة عام 2004 تدربت في أحد مكاتب المحاماة قبل أن تشق طريقها في الادعاء العام، تبدأ حديثها قائلة: بداية دخول أي شخص في أي مجال نابع من قناعة ورضا، بحيث إذا لم يقتنع الإنسان بما يقوم به فلن يبدع ، وعموما حول ما قد يقول البعض حول عدم كفاءة المرأة فهي نظرة شخصية وخاصة، وأنا أرى عمل النساء في الادعاء العام خطوة من خطوات النجاح التي اعتاد عليها المجتمع العماني من المرأة العمانية ونابع من رؤية حكيمة لمولانا قائد البلاد -حفظه الله ورعاه- بحصولها على هذه الثقة.
ونحن نعمل على تطبيق القوانين مثلنا مثل الرجل في هذا المجال ، ولو لم تثبت المرأة جدارتها ما كانت لتصل إلى ما وصلت عليه اليوم من وجود مديرة إدارة للادعاء العام.
وعن مشاركتها بالمؤتمر تحدثنا:المؤتمرات بلا شك تأتي أهميتها من حيث رؤية تجارب الدول الأخرى عن قرب ، ولنا الشرف بالمشاركة حيث قابلنا شخصيات قضائية نسائية من مختلف الدول ، واستفدنا من الآراء المطروحة حول قضاء المرأة اجتماعيا وشرعيا كما كانت فرصة طيبة أن نعرض تجربتنا في السلطنة والتي لاقت الكثير من القبول ، ولنا الفخر بذلك.

موقف لا يُنسى
خطر لي أن أسألهن و نعرف منهن، بين الملفات الكثيرة والقصص التي تحملها الأوراق عن أبرز المواقف التي صادفتهن ،فاشتركن بموقف مهم بالنسبة لهن وهو مشاركتهن حضور إعدام ، هنا أكدن أولا على الثقة التي مُنحت لهن لحضور هذا الموقف ، وثانيا بالفخر لرؤية العدالة تأخذ مجراها الطبيعي ، فبطبيعة الحال هن على يقين أن العقوبة من جنس العمل ، فمن نُفذ فيه الحكم مستحق لما وصل إليه من أقصى أنواع العقوبة ، فالموقف كان مزيج من الرهبة والفخر ، الرهبة لرؤيتهن شخصا حيا يرحل بعد ثوان، وفخرا لتحقيق العدالة.

الادعاء العام
نصت المادة الأولى من قانون الادعاء العام:(يتولى الادعاء العام الدعوى العمومية باسم المجتمع ويُشرف على شؤون الضبط القضائي، ويسهر على تطبيق القوانين الجزائية وملاحقة المُذنبين وتنفيذ الأحكام وغير ذلك من الأحكام التي يٌقررها القانون)
إن نظام التدريب والتأهيل الذي يخضع له مُعاون الادعاء العام يتمثل في عامين يستقي فيهما كافة الصنوف العلمية والعملية المتعلقة بصميم عمل الادعاء العام، علما بأن سُبل التدريب والتأهيل كانت بذات الكيفية من حيث الفترة والموضوع للرجل والمرأة دون أي استثناءات.

ماهية العمل
المرأة العمانية لم تواجه في العمل القضائي صعوبات عملية تُذكر إنما أثبتت جدارتها دون أن تتوانى في الاستمرار بالرغم مما تلزمها فيه طبيعة العمل في الانتقال من ولاية إلى أخرى بعيدا عن مسقط رأسها، أما عن طبيعة العمل وماهيته فيتوجب الإشارة في المقام الأول أن المواد التشريعية في هذا الخصوص جاءت عامة دون ثمة اختلاف لمن يتولاها من حيث الجنس فلم تفرد نصوص خاصة تُقنن بها الأعمال الموكلة للمرأة كاستثناء عن تلك التي يقوم بها الرجل فهي تقوم بأعمال التحقيق، والتصرف في الدعوى الجزائية ،و الترافع أمام درجات المحاكم الجزائية الابتدائي والاستئناف حتى صدور الحكم، والتصرف في المضبوطات،و الطعن في الأحكام، وتنفيذها بشتى أنواعها حتى وصلت إلى حضور حكم الإعدام.
وقد أثبتت جدارتها فقد هيأت وتهيأت لأن تضع بصمتها عن ثقة وجدارة لتحمل على جبينها شرف العمل وعلى عاتقها تحقيق العدل بإدارة أقسام تنفيذ الأحكام في بعض الإدارات كما أنها نجحت في إيصال رسالتها العملية من خلال توليها قضايا جنائية أثارت الرأي العام.
الجدير بالذكر أنه قد وصل مجموع النسوة في الادعاء العام اليوم إلى ست عشرة امرأة، حري بنا أن نتذكر هذا العدد جيدا لأنه قد يتضاعف.
بعد الحديث مع الوكيلات ، شعرت بالفخر والغبطة لما يقمن به خلال عملهن، فهو مجال مميز ، حدثت نفسي ربما لو لم أتجه للإعلام كنت سأتجه نحو الحقوق.