إشراقات....
الدين والحياة في خطاب معاصر

آيات ودلالات
«فاذكروني أذكركم»
عبدالله بن علي الرويشدي

قال الله عز وجل: (فاذكروني أذكركم وأشكروا لي ولا تكفرون) البقرة/152
لاحظ كيف قابل المولى جل وعلا بين ذكرك له وذكره لك، فجعل من شرط ذكره لك أن تذكره، وذكره لك أجل جزاء وأعظم مثوبة تنالها لقاء ذكرك له سبحانه وتعالى، ألا تشرف بذكر الخالق العظيم لك من بين جميع مخلوقاته؟، وقد ورد في الحديث القدسي: «أنا عند حسن ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم».
والذكر الذي يطلبه الله سبحانه وتعالى منا ليس مجرد ترداد أسمائه سبحانه على اللسان فحسب، بل هو أعم من ذلك بحيث يشمل عمل جميع الجوارح، تنقاد لأمره، وتستجيب لندائه، بخلاف المنقطعين عن ذكره سبحانه، الذين قطعوا صلتهم بالله تعالى، واشتغلوا بسواه، وفيهم يقول تعالى: (ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون).
وذكرك لله تعالى في نفسك منزلة أعلى من منزلة ذكره على لسانك، لأنها أقرب إلى مواطأة القلب وأدل على تعلقه بالله سبحانه وتعالى، وقد أمر الله تعالى بها نبيه صلى الله عليه وسلم في قوله: (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين) لاحظ أن هذه الآية جمعت في الأمر بين الطريقتين مع تقديم الأمر بالذكر في النفس على الذكر باللسان .
ولما كان القلب مستودع كل محفوظ فاجعله حافظا للذكر لتصبح محفوظا بحفظ الله جل وعلا، وفي الحديث: «إحفظ الله يحفظك، إحفظ الله تجده تجاهك»، (فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين).
وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يذكروه ذكرا كثيرا، ويسبحوه بكرة وأصيلا يقول الحق سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا)، فلم يرد الأمر بالذكر وحده، وإنما بالذكر الكثير، وحال أهل الإيمان في إكثارهم من ذكر الله عز وجل بخلاف حال أهل النفاق، الذين من صفاتهم الإقلال من ذكر الرحمن كما يقول الحق سبحانه: (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا ).
وعبادة الذكر لا يشترط لها ما يشترط للعبادات الأخرى، من طهارة أو زمان أو استقبال للقبلة، وليس لها نصاب أو حد تنتهي إليه، والله تعالى يقول: (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) ويقول: (فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم)، ويقول: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا).
وما أكثر فوائد الذكر التي نبه إليها القرآن الكريم؛ من تطمين للقلب كما يقول تعالى: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب)، ومن ثواب وأجر عظيم كما يقول سبحانه: (والذاكرين والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما)
ومن رحمات نازلة، وبركات هاطلة كما يقول تعالى: (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون)، ومن تنجية من الشدائد كما أخبر تعالى عن حال سيدنا يونس – عليه السلام – بعد التقام الحوت له بقوله: (فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون)، ومن وقاية من الشيطان الرجيم كما يقول تعالى: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم).
وما أفظع العقوبات النازلة بالمهملين لذكر أرحم الراحمين؛ يقول تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى)، ويقول: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين، وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون، حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين).
وقد نبه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى أن بيت المسلم محصن بذكر الله، مملوء بالسعادة والهناء والطمأنينة وارخاء بما يشيع فيه من ذكر لله، وترداد لأسمائه وآياته، يقول صلى الله علييه وسلم: «مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت»، وفي هذا ما فيه من حث الأسر المسلمة على الاشتغال بذكر الله تعالى صغارا وكبارا، وتنشئة الأطفال بخاصة على الأذكار التي يمكنهم حفظها وتردادها، كالذكر عند الاستيقاظ وعند المنام، وأول النهار وآخره، وقبل الأكل وبعده، وساعة دخول المنزل، ودورات المياه، وركوب السيارة، ودخول المسجد والخروج منه، وأشباه هذا...
وينشأ ناشئ الفتيان فينا ...على ما كان عوده أبوه