وأنا في طريقي إلى العمل كنت استمع إلى إحدى
المذيعات في محطة عمانية، وهي تطلق سؤالا
صغيرا وجميلا وتقول للمستمع: «افتح خيالك..
فكر جيدا».. بعدها تُصدم المذيعة، ونصدم نحن
معها كمستمعين أن المشارك لا يملك القدرة على
التعبير، وأن خياله بسيط للغاية. ليس الجميع
بالتأكيد، ولكن يتضح كثيرا أن المذيع يتحايل
لإيصال معلومته، ومن ثم يخرج بفاصل غنائي،
ويعود بمزاج جيد ليجد مشاركا آخر يقول: «أنا
أتفق مع المتصل السابق!!».
المشارك في برامجنا على اختلافها في كثير من
الأحيان لا يُغني الموضوع، ولا يعطيه بعدا آخر
بل يُشعرنا كم أنه لا يعرف ما يقول!.
فقليلا جدا ما نعثر على مشارك يستطيع أن يُعبر،
ولديه رأي، وفكرة جديدة، وخلفية ثقافية يرتكز
عليها.
الأمر ليس بأحسن حال في الصحف عندما نفتح
المواضيع والقضايا للطرح، إلا أن الصحفي يتصرف
في المادة، ويعيد ترتيبها، وصياغتها وليس
كالمذيع الذي يكون معلقا في الهواء، والآذان
تطل عليه من كل حدب وصوب.!
في زيارتنا لبعض الدول العربية نجد أن الطفل
الصغير يستطيع أن يُعبر وأن يقول أشياء كثيرة،
بينما طفلنا، «ولا نريد أن نعمم مرة أخرى»
يتصف بالخجل والتنائي..ربما لأن والديه لا
يقولان له: «عبر عن مشاعرك، أو احكِ لنا..»
وكثيرا ما يثقبان أذنه بكلمة «عيب.. عيب عليك».
ومن ثم ينتقل هذا الطفل إلى المناهج الدراسية
التي تقوم في جزء كبير منها على التلقين
والحفظ، وإن اختلف الوضع قليلا في المناهج
الجديدة إلا أن أزمة التعبير ما تزال قائمة!.
الطلاب الذين يدخلون إلى الجامعات والكليات،
لا نشعر بأن قاموسهم اللغوي يختلف كثيرا عن
قاموسهم أيام الثانوية، لا نشعر أن طاقات
التعبير تتكثف وتنضج، ومن الغريب حقا أن
القدرة على التعبير لا تصبح على علاقة طردية
مع ازدياد المعرفة!.
ولا عجب أيضا أن الممثل العماني، وهو أمام
كاميرا التلفاز لا يجد جملة قوية ومؤثرة
ليقولها تستطيع أن تدفع المشاهد لأن يتحسس
المفردة، ويشعر بتأثيرها القوي عليه!.
قرأت منذ فترة ليست بالبعيدة أنه ينبغي أن
ننصت إلى أطفالنا.. ننصت إليهم وهم في بطون
الأمهات، وعلى الوالدين أيضا أن يصمتا ليستمعا
إلى مناغاة الطفل في أشهره الأولى.. لأنه يعبر
وقتها عن رأيه، وعندما يكبر قليلا ينبغي أن
نستمع إلى كلماته المتقطعة، وأن لا نقاطعه،
وأن لا نتحدث إليه إلا عندما ينهي حديثه
إلينا..
من الضروري جدا أن تكون لنا أصواتنا الخاصة،
وأفكارنا الخاصة ومواقفنا التي لا نتنازل عنها
جراء رغبتنا بالذوبان والتشابه مع الآخرين..
لا بد من الاختلاف والتمايز فيما بيننا..كل
وفق قناعاته، شريطة أن نقبل هذا الاختلاف، وأن
لا نرفض الأصوات التي لا تشبهنا أو نصادرها بل
نتحاور معها..
فكم من الأشخاص يتعرضون لابتعاد البشر من
حولهم، وذلك ضريبة لأصواتهم المغايرة، إذ
يجدون السياط تلسعهم من كل صوب في محاولة جادة
لإعادتهم إلى الصورة الأحادية التي ينبغي أن
ينضوي الجميع تحت لوائها.
وهذا الافتراض يضر إلى حد كبير بوعينا تجاه
الآخر، وبوعي الآخر تجاهنا خارج الجغرافيا
التي تخصنا.. هذا الافتراض يضر بصحة أطفالنا
النفسية عندما يجدون واقعا يختلف عن واقعنا،
وسياطا تعيدهم إلى الصورة الأحادية التي من
حقها أن تنمو وتتطور وتختلف كأي شيء طبيعي،
وهذا الأمر ينطبق على كل شيء في حياتنا من
البيت إلى المدرسة إلى الجامعة إلى المؤسسة..
إلخ
أليس من المؤذي حقا لآذاننا أن نستمع لأكثر من
تسعة متصلين في برنامج واحد لا تقوم فكرته على
طرح الأسئلة، وإنما يقول للمستمع: «افتح أفق
خيالك الشخصي»، ومن ثم تكون إجابتهم: «أنا
اتفق مع المتصل السابق»!! .