الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

الخطاب الإسلامي .. أي تجديد نريد؟!
عقيل بن عبدالخالق اللواتي

يتجدد الحديث من آن لآخر داخل الوطن العربي وعلى امتداد العالم الإسلامي عن الحاجة الملحة إلى مراجعة وتجديد الخطاب الديني الإسلامي في مجالاته المختلفة، وهي قضية جديرة بالاهتمام والمناقشة والبحث والحوار.
فالخطاب الإسلامي هو منهاج للتعريف بالإسلام، وهو من ثم يعبر عن كيان الأمة الإسلامية. ومن شأن هذه الوقفات المتأنية للمراجعة والتجديد أن ترشد مسيرة الأمة وتقوّي عزيمتها وتمكنها من تدعيم كيانها وتحصينه، في هذه المرحلة الصعبة التي تواجهنا فيها تحديات بالغة الضراوة، ومحملَّة بالمخاطر الحقيقية التي تهدد وجودنا المادي والمعنوي في الصميم.
وفي تقديري، ان أول هذه القضايا التي يجب أن يتجه لها (تجديد الخطاب الإسلامي) ما يتعلق بنظرة المسلم نحو التاريخ الإسلامي. فالخطاب الإسلامي المعاصر يكرس نظرة أقرب ما تكون إلى تقديس الماضي الإسلامي ويحرص ويدافع عن كل ما يحويه هذا الماضي في حالة من الأسر والانبهار، والتوقف والجمود. ونجد صورة لهذا الخطاب في الذائبين في السلف وأفكارهم، بحيث يرحبون بحسناتهم وسيئاتهم على حد سواء، ولا يقبلون أدنى انتقاد لسلوكهم وأفكارهم ومواقفهم، ويعدون الشخص ذا فضل وعظمة لمجرد كونه من الأولين، أو عاش في صدر الإسلام. ومن صوره تلك المتمثلة في تيار التشدد أو ما يسمى بالتطرف الديني والذي لم يتخلص بعد من موروث الصراع الإسلامي – الصليبي، فيرى أن لا حوار مع العالم الآخر ولا مصالحة ولا منطق إلا منطق السيف. ومن صوره أيضا ذلك الغلو المذهبي عند شريحة من الناس وما يتضمن ذلك من سوء التعامل مع المخالفين في المذهب أو الاتجاه، حتى أن الغلظة والفظاظة والتجهم والتشدد تصبح سمة من سمات التدين عند هؤلاء، ويصبح حتى الاختلاف على بعض المسائل الجزئية الاجتهادية، أو مسائل عفى عليها الزمن سبباً للقطيعة والعداء والتكفير. ومن صور هذا الاتجاه ذلك التشبث والاندماج في الماضي الذي ينقلب إلى هروب من الحاضر المليء بالتحديات، للارتماء بكسل في أمجاد الماضي وأضوائه الرومانسية الهادئة … وإلى رفض للانتماء إلى (العصر) والعودة الراجعة إلى الوراء لكي يحتوينا بسلبياته وإيجابياته على السواء … والى موقف غير علمي، لا ينقد ولا ينتقى ولا يرفض، بل يستسلم كلية لنداءات الماضي بفكره وثقافته وعاداته وتقاليده.
الخطاب الإسلامي لن يكون صادقا وفاعلا ومؤثرا وواقيا إلاَّ بتحرير العقل من قيود التقليد والجمود، وبتحريك الفكر في ميادين الاجتهاد والتجديد، وبالانفتاح الذكي والرشيد على آفاق الفكر الإنساني في إيجابياته للاستفادة من ثمراته.
ومن القضايا ايضا ما يتعلق بمعالجات الخطاب الإسلامي لموضوع الإصلاح والنهضة في العالم الإسلامي.
فالخطاب الإسلامي المعاصر تستهويه كثيراً تحليل مقومات النهضة والسقوط للأمم والحضارات، وكثيراً ما يرى أن الغرب اليوم هو قاب قوسين أو أدنى من الانهيار، وأن الإسلام هو الحل، وأن المسلمين كانوا في مقدمة الأمم حضارة وعلماً وقيادة وقوة طيلة التاريخ المنصرم.
ونحن لا ننكر ان الإسلام كان عامل نهوض المسلمين وسيادتهم على العالم طيلة التاريخ المنصرم. ولكن السؤال: لماذا نحن متأخرون الآن؟
إن النهضة والتقدم والقيادة لها شروطها، وهي مرهونة بحسن الفقه المطلوب لمعرفة سنن الله ونواميسه في الكون. والعالم الإسلامي اليوم يعيش في ظل تخلف معرفي وعلمي واقتصادي وإداري لا يقارن بما لدى الأمم الأخرى.
وقد اصبح الخطاب الإسلامي لا يدور إلا عن الموت والاستعداد له، ولا يعنى إلا بالعبادة بمفهومها الضيق، الذي يجعل صاحبها يبتعد عن الحياة والتمكين فيها.. فالدنيا للكافرين، والآخرة للمؤمنين!
ومن القضايا أيضاً هي كيفية توجيه الأمة إلى التنمية والبناء بالمفهوم الشامل الذي يقصد إلى الارتقاء بالحياة إنماءً للمجتمع، وإغناءً للإنسان، وبناءً للحضارة.. فهذا الخطاب يقتصر فقط على التحريض ضد الأعداء والتحفز لمواجهتهم واجترار حالة الغبن والظلامة ولا يرى العالم إلا من منظور الضلال والظلم والفساد والأجواء السوداء التي تحيط به من كل جانب، ولا يقتحم أبواب الاهتمامات الحياتية للمسلمين او يغوص في أعماق قضايا التنمية الأساسية، وهي قضايا الاقتصاد والتعليم والصحة والخدمات ومشكلة البحث عن عمل وغيرها، ومشكلاتها وتحدياتها حتى يمكنه المشاركة في صياغة المستقبل. ان ما تتعرض له الأمة الإسلامية من اعتداءات ومؤمرات من قوى الاستكبار امر واضح ولا يمكن انكاره. فهل التنديد والتحريض هو السبيل لمعالجة الوضع؟
ان امما اخرى تعرضت للعدوان والظلم، ووقعت تحت هيمنة المستعمرين والمستكبرين، وأصابتها الهزائم والنكسات، لكنها تجاوزت كل ذلك وبنت قوتها من تحت الركام، كألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، ولم ينشغلوا بالبكاء على ظلامتهم، ولم يستهلكوا طاقاتهم بالتعبئة والتحريض العاطفي ضد العدو بل اتجهوا للبناء والتنمية وهم الان في مواقعهم المتقدمة الواضحة.
هذه نماذج من قضايا يجب أن يتجه لها (تجديد الخطاب الإسلامي).
إن الخطاب الإسلامي المعاصر في كثير من جوانبه، لا يعبّر عن الصورة المشرقة الحقيقية للإسلام، ما عدا في حالات محدودة، وفي مواطن قليلة، وبجهود متباينة. والجميع ينادي بـ (التجديد)، فلا أحد يريد أن يضع نفسه في خانة (الجمود) ولكن السؤال هو: أي تجديد نريد؟!

  رجوع