الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

مراس
حكاية «متسول» ..!!
تكتبها اليوم: هدي الجهورية

في آخر مشوار لي قمت بعدد من اللقاءات مع عدد من الأشخاص من أجل أحد تحقيقاتي، وأكاد أجزم أني سمعت كلمة لأ في زمن لا يتجاوز الساعتين لأكثر من ثماني مرات ... بالرغم من أني كنت أتفحص الوجوه جيدا، وأنتقي منها تلك التي تبدو أكثر جرأة، ولكن بدون فائدة..
كان هنالك أيضا من حمله الفضول ليسألني «عن إيش تكتبي... من اسمش... أي جريدة...!!» وعندما كنت أخرج دفتري ...كان يشيح بوجهه «لا لا... سمحيلي ... أنا اسمي ما ينزل في جرايد... أنا صورتي ما تنزل ... مو بيقولوا أصدقائي عني... فضيحة»!!
يالله ... إلى متى سيعتقد الناس أن الصحافة فعل تشهير بدلا من كونها فعل تغيير،ومتى يمكن للصحفي أن يعبر عن الشارع إذا كان الشارع يكتم على أنفاسه !!
«المتسول» هو ذاك الذي يمد يده والناس إما أن تعطيه أو ترده ...والصحفي هو ذاك الذي يمد أفكاره وينتظر من الناس إما أن تمنحه ما في جعبتها، أو تفر منه راكضة....!!
الغريب أن الناس أنفسهم الذين يصرخون في وجوهنا: «ليش ماتكتبوا عن مشاكلنا ... ليش ما تسووا شيء عشانا» هم أنفسهم غير مستعدين لأن يتحدثوا بصوت مرتفع، لأنهم يتوارون في البعيد...
والأسوأ من ذلك هو عندما نلتقي ببشر يعلقون علينا الآمال، ويتوقعون أننا نملك السحر لحل مشاكلهم ومتاعبهم، ولكن عندما لا تجد مشاكلهم الأصداء ينطوون على أنفسهم وكأننا خدعناهم...
وعندما تكون حاجة «المتسول» أقصد الصحفي عند المسؤول وليس عند الناس فالأمر أشد وطأة.... فعليه أن يرسل الرسائل وينتظر الرد، ويدخل في العديد من البروتوكولات المؤذية ... وبعدها قد يجد الرد أو لا يجده أبدا ...
لا توجد لدينا فكرة السبق الصحفي لأن المسؤول لا يريد أن يصرح بأفكاره ... فهو يمارس الرقابة على نفسه بتوصية من نفسه، ويؤمن بفكرة توزيع الخبر على مختلف الوسائل الإعلامية، وليس للإعلامي المجتهد الذي يتجشم الكثير من المتاعب حقا بالوصول إلى المسؤول من أجل أن يتفرد بمادته...
في البلدان الأخرى المسؤول يرتجف من فكرة مجيء الإعلامي إليه، بينما في بلدنا يجد الإعلامي أن الباب مغلق في وجهه، وينبغي عليه أن يمارس عمله كأية وظيفة روتينية أخرى، وأن يحسب خطأه «ويمشي الحيط الحيط» دون إثارة أي ضجة ....
لذا سيبدو من الصعب أن يحقق الإعلام فعل تغيير حقيقي إذا كان الناس لا يعون بعد أهمية أن يصل صوتها إلى الآخر أعني «المسؤول»، وإذا كان المسؤول لا يعي أهمية الإعلامي، ويحاول جاهدا أن يرد بإجابات باردة ومقتضبة، ومدروسة إلى حد يجعلنا نشعر في بعض الأحيان أننا لا نأخذ منه حقا ولا باطلا....
ولا ننسى أن هذا «المتسول» قد تخامره رغبة المغامرة لافتعال أمر مختلف وجديد، ولكنه سيعود ويفكر بينه وبين نفسه: «إذا كتبت الأشياء التي تقلق الناس،أو تدور في همسها، وجعلت قلمي رشيقا، ووقفت في وجه المسؤولين... من سيحميني، وثمة حكايات لبشر ذهبوا في شربة ماء جراء مجازفات كهذه !! لماذا أجازف بكل هذا، ومن ثم أخسر لقمة عيشي؟»
ستكبر الأفكار في رأس «المتسول» المسكين، وبعدها سيعود منكسرا وظهره منحن ينتظر ما قد يسقط في يده من السماء ...

  رجوع