الإشكالية
القانونية هي في اتهام الرئيس عمر حسن البشير
الذي يرى الكثيرون من المتابعين لمشكلة دار
فور أن هذا الاتهام للرئيس السوداني له بعده
السياسي خاصة المتعلق بقضية المجازر في حق
السكان في دارفور، وتلك القضية لها أبعادها
الأخرى لا يمكن التيقن من دقتها لأن المشكلة
ليست أحادية في مضامينها الفائتة، بل أن
المشكلة اجتماعية واقتصادية وعرقية وسياسية
وقد تراكمت عبر عقود كاملة، وأفرزت ما يعرف
اليوم بقضية دارفور.
** فاجأت المحكمة الجنائية الدولية العالم منذ
عدة أسابيع بطلبها القبض على الرئيس عمر حسن
البشير لاتهامه بارتكاب مجازر جماعية مزعومة
في دارفور، و هذا الاتهام لو تفاقمت دعواته
القانونية وتضخم ليشمل الكثيرين ربما يفتح
الباب على مصراعيه لزيادة التوتر والاشتعال في
هذا الإقليم، في الوقت الذي كادت المساعي
العربية والدولية أن تضع حلا للمشكلة في
الإقليم، وترفع عن السودان التوترات الداخلية
التي لم تغب عنها منذ عدة عقود.
الكثير من المهتمين والباحثين بالشأن السوداني
أشاروا إلى أن هذا الاتهام سيستمر لأسباب
تتعلق بالخلاف السياسي مع النظام السوداني
الحالي بينه وبعض الدول الأوروبية والولايات
المتحدة، وان الحكومة السودانية تحاول بجدية
لإيجاد سبيل لإنهاء الخلاف القائم بين
المجموعات وبعض الجماعات السياسية في دار فور
التي تناهض الحكومة لظروف اقتصادية وعرقية،
وساهمت أيضا في زيادة الاحتقان لتراكمات قديمة
بين السكان استغلتها بعض القوى المناوئة
المطالبة باستقلال دارفور على اعتبار أن
الإقليم كان تاريخيا ذا شخصية اعتيادية مستقلة
قبل عدة قرون.
لكن الإشكالية القانونية هي في اتهام الرئيس
عمر حسن البشير الذي يرى الكثيرون من
المتابعين لمشكلة دار فور أن هذا الاتهام
للرئيس السوداني له بعده السياسي خاصة المتعلق
بقضية المجازر في حق السكان في دارفور، وتلك
القضية لها أبعادها الأخرى لا يمكن التيقن من
دقتها لأن المشكلة ليست أحادية في مضامينها
الفائتة، بل أن المشكلة اجتماعية واقتصادية
وعرقية وسياسية وقد تراكمت عبر عقود كاملة،
وأفرزت ما يعرف اليوم بقضية دارفور.
ولذلك يرجح بعض المتابعين لهذا الأمر أن هناك
توجها سياسيا لتدويل قضية دارفور وجعلها مدخلا
لأهداف استراتيجية، تبقى هذه المسألة عالقة
وساخنة منها ما ظهر مؤخرا من اتهام للرئيس
السوداني بارتكاب مجازر جماعية، لتزداد
المشكلة تفاقما ويأتي التدخل الدولي كأمر واقع
ما يحدث في هذه المنطقة من أزمات متتالية.
والذي يدعو إلى الاستغراب في قرار المحكمة
الدولية لجرائم الحرب هو ازدواجية المعايير
كما أشار إليها العديد من القانونيين بعد صدور
قرار اتهام الرئيس السوادني، فهناك الكثير من
جرائم الحرب وقعت على المستوى العالمي وكان
الافتراض العادل أن تكون العدالة الدولية أكثر
دقة في ما يحدث من انتهاكات لحقوق الإنسان حتى
تكون العدالة عامة على الجميع دون معايير
ومقاييس متفاوتة بعيدا عن الحسابات السياسية
والأهداف والاستراتيجيات الأخرى التي تبتعد عن
التقييم المنصف للأزمات الدولية.
لكن الذي يحدث في دارفور كما يرى الباحث كاظم
هاشم نعمة «أن المجتمع الدولي والرأي العام
الذي كان قد تخندق في متاريس الحرب الباردة
الأيديولوجية والإعلامية أصبح أكثر تحررا من
أغطية التعتيم والتضليل والتوجيه في المشاكل
الدولية، ولم يعد من الصعوبة بمكان أن تضع
قناة الــ (سي أن أن) من خلال عدستها قضايا
محلية على طاولة الدبلوماسية العالمية وحشد
الرأي العالمي لصالح سياسات دولية، بل تشارك
مثلما تفعل المنظمات الدولية غير الحكومية في
تحديد المعالجات والأولويات وتكشف ما يجري على
الارض من أحداث، وترفع أصواتها عالية داعية
إلى العمل الدولي، وتعوض عن تلكؤ بعض الأطراف
الدولية من الذهاب إلى التدويل بالحث عليه
وتوضيح المصالح وتبيان الأبعاد الخطيرة
للأزمات.ويتعذر على مراكز القرار الأساسية
إغفال مطالب مثل هذه المنظمات ومراكز صنع
الرأي العام». ولن تتوانى بعض الجهات عن
التهويل والتضليل بغية إيجاد مناخ داخل الرأي
العام المحلي والدولي يتعاطف مع الدعوة إلى
التدخل ، بل روجّت إدارة الولايات المتحدة
مزاعم أن الكوارث التي تقع على دارفور لا يمكن
أن توصف بغير التطهير العرقي والإبادة. فالذي
يحدث في السودان الآن يفتح الباب على مصراعيه
ــــ لو تأخر الحل العربي ــــ على تدخلات
إقليمية ودولية تجعل هذا البلد العربي الكبير
في دوامة الصراعات الداخلية تمهيدًا للتقسيم
والتفتيت، وهذا التوقع لا يستبعد، لان السودان
تحت النظر منذ عقود طويلة لأسباب اقتصادية
واستراتيجية وإذا لم تتحرك جامعة الدول
العربية ومنظمة العالم الإسلامي فإن السودان
متجه إلى التدويل ثم التقسيم. ومن الحق أن
نقول إن أزمة دارفور كشفت أيضا عن تراكمات
سياسية واقتصادية وعرقية لم تقم الحكومة
السودانية الحالية، وكذلك الحكومات المتتالية
في الوقت المناسب بجهود جدية لحلها بل إنها
اتجهت إلى قضية الجنوب باعتبارها الأهم في
المشكلة السودانية والأقدم في المسائل
الداخلية، إلا المناطق الأخرى لم تحظ
بالاهتمام ربما لظروف السودان الاقتصادية ولم
تدرس المناطق الأخرى بعناية حتى برزت فجأة
وأصبحت قضية عالمية مثلها مثل قضية الجنوب
التي لم تحل إلا بعد عدة عقود. صحيح أن
السودان يعاني كثيرا من كبر رقعته الجغرافية،
واتساع مناطقه وتعدد السكان دينياً وعرضاً
ومذهبياً، إلا أن الظروف لا تبقى كما هي لو
تفاقمت المشاكل الاقتصادية بالذات التي تجر
وراءها كل القضايا الخافتة أو الساكنة. الآن
أزمة دارفور قائمة، والتدويل شبه قادم ولو
تأخر قلنا الحل العربي والإفريقي.
لكن على الرأي العام العالمي والدول المؤثرة
عالميا ألاّ تسكت على ازدواجية المعايير
والمقاييس المتناقضة وان تشدد على الرؤية
العادلة الصادقة في القضايا والمشكلات القائمة
في عالم اليوم، وفي اعتقادنا أن العقوبات
والمحاكمات والحروب لن تستطيع القضاء على
الأزمات والتوترات في غياب العدل وتطبيق
القوانين بالتساوي على الجميع.. لقد جرب
العالم الكثير من الحروب والصراعات منذ عدة
سنوات، لكن لم يستطع القضاء على بؤر التوترات
والإرهاب، لأن ازدواجية المعايير لم توجد
المساحة الملائمة للاستقرار والأمن والسلام..
ولله الأمر من قبل ومن بعد.