الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

يا تكنوقراط الخليج تعالوا إلى فضاء الحياة !!
د. حسن مدن

لم يسبق أن تعرض دور المثقف العربي الى هذا القدر من التقريع والتوبيخ من قبل المثقفين أنفسهم، حيث وصل الأمر ببعض هؤلاء حد الاستهزاء بما يعده المثقف مكانةً اجتماعيةً له وواجبا رساليا ملقى على عاتقه.
وتوضع موضع السخرية أدوار الداعية والمُبشر والمُصلح التي كان المثقفون يعتقدون أنهم يقومون بها في مراحل سابقة باعتدادٍ كبير، وفي رأي البعض «غدا المثقفون فائضا هزليا لا يحتاجه أحد، وأنهم ليزدادون هزلية وعقما» حين يتوهمون لأنفسهم أدوارا جدية وفعاليات تغييريه ومناشط لم يعودوا أهلاً لها بعدما عصف بالعالم وبالبلاد العربية من متغيرات.
كما أن مفاهيمَ مثل التنوير والنهضة والعقلانية توضع هي الاخرى موضع الشك والريبة في ظل واقع صارم ينحو أكثر فأكثر نحو التزمت والمحافظة والانغلاق على الذات. وفي هذا السياق يذهب أحد هؤلاء المشككين الى القول بما معناه: أن الدور التنويري والتحريري للمثقف الطليعي والنخبوي قد تزعزع منذ زمن، بعد أن فقد مصداقيته وبات على هامش الفعل التاريخي، وبعد انكشاف الوهم الكبير الذي ألهم المثقفين تلك المشاريع الشاملة.
لكي لا نكون متجنين، علينا أن نعترف أن المناخ الثقافي العربي الراهن يشهد ردة اذا ما قورن الحال بما كان عليه في مراحل سابقة، وتتغلغل في جنبات حياتنا كل مظاهر وقيم السلبية والتخاذل والاغتراب والشعور العميق بالانكسار، مقابل صعود، لسنا هنا بصدد بحث طبيعته وأسبابه وآفاقه، لرؤي ومواقف فكرية تُغطي الفراغ الذي نشأ بسب الوهن الذي اعترى مشروع النهضة العربية بروافده وتلاوينه.
ولكن هذا الاعتراف شيء، والدعوة الى العبثية والعدمية واللاجدوى شيء آخر، حتى لو سلمنا بمشروعية القلق الذي يحفز عليها، حين ترمي كل الأفكار والأسماء بالفشل، وهذا قد يدفعنا للتساؤل عن الموقف الواجب اتخاذه تجاه ميراثنا الفكري الذي سيكون من التعسف رميه كله بالتحزب وبالانتماء الايديولوجي الضيق.
فماذا سنفعل بتراث طه حسين والكواكبي وسلامة موسى وغيرهم الكثير؟
ان هذه الدعوة العبثية لاستقالة المثقف ستقود الى القطيعة الكاملة مع تقاليد الجدل وثمرات العقل والبحث، التي اليها يعود بعض الفضل، ان لم يكن الفضل كله في التراث الذي يريدنا البعض أن نجحده اليوم.
ولا يمكن أن نغفل أن هذه «المراجعات» العربية ليست معزولة السياق عن الدعوات العامة على صعيد كوني، تبشر بنهاية الثقافة الجادة في ظل سيطرة ثقافة المتعة والاستهلاك، لكن حتى في الغرب تدعو الفعاليات الثقافية الحقيقية الى تشكيل ما تدعوه «جزراً» للثقافة وسط هذا المحيط الاستهلاكي الواسع.
وتتنافس القوى الحية في الانتخابات البلدية والبرلمانية على برامج تدعو لايلاء خدمات الثقافة من مسرح وسينما ومكتبات ومتاحف وقصور الثقافة عناية أكبر. فأين يجد هؤلاء المراجعون العرب لدور المثقف والثقافة مبرراتهم الأخلاقية التي تسوغ لهم هذه الدعوة الأشبه بكلمة الحق التي يراد بها باطل، لأن يحاصروا المثقف في برزخ العزلة كي لا يدنسوا الابداع الصافي بالواقع المحبط؟!
وليس بوسعنا عند مقاربة هذا الموضوع، أن نغفل تجلياته على صعيدنا الخليجي، حيث تتفشى مظاهر انسحاب النخب عن دورها في الحياة العامة تحت ذرائع وحجج شتى.
نحن نعلم أن التحولات الاجتماعية التي شهدتها بلدان الخليج في العقود القليلة الماضية، بعد أن انتشر التعليم وطال أوسع الفئات، عن نشوء متبلور، أفرزت شريحة اجتماعية جديدة ومهمة، هي شريحة التكنوقراط ممن تلقوا تعليمهم الجامعي والعالي في الجامعات الكثيرة المنتشرة في بلدان المنطقة أو من خلال البعثات التعليمية الى الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية المختلفة.
ثم عاد هؤلاء لينخرطوا في العمل كمديرين ومشرفين ومسؤولين في الوزارات والدوائر الحكومية وفي شركات النفط وفي القطاع الخاص الذي يتعامل مع أحدث الأجهزة في عالمي التكنولوجيا والاتصال بسبب البنية الأساسية الحديثة والمتطورة.
ويدرك التكنوقراط أهمية الموقع الذي يحتلونه في بنية اقتصاد المجتمعات الخليجية، من حيث كونهم الكفاءة المحلية التي انفق الكثير على اعدادها، وهم يدركون كذلك أن دورهم في تنامٍ طالما أن معدلات ووتائر النمو في هذه المجتمعات في صعود بسبب المشاريع الاقتصادية الطموحة التي يجري تنفيذها.
من طبيعة التكنوقراطي في العالم كله أن يكونوا بعيدا عن الغائية، وقلما ينغمس في القضايا الاجتماعية أو الثقافية. ان النجاحات المهنية التي يحققها في الحقل الذي يعمل فيه تكفيه، فهو على حد تعبير أحد الباحثين: «لا شخصي، ومحايد، يرمز الى الوظيفة المجردة من كل تضمين شخصي». وأضيف هنا: من كل تضمين اجتماعي وفق مفهوم محدد. فالتكنوقراطي، كما لاحظ الباحث نفسه، متناقض مع رجل الحقوق الذي يجد نفسه منغمساً في الشأن العام بحكم طبيعة اختصاصه.
ولعل هنا يكمن الفرق بين المثقف وبين تقني الثقافة، والمعيار هنا ليس الشهادات فهي لا تجعل من المرء مثقفاً مهما علا مستواها. المثقف هو من يُوظف رأسماله الرمزي: أي علمه وثقافته، اجتماعيا، أما التكنوقراط فيظل أسير وضعه المهني. وهذه المقارنة لا تنحصر بين المثقف وبين التكنوقراط بالمفهوم الذي أشرنا اليه فحسب، بل أنها تشمل أيضاً أولئك المشتغلين بالعلوم الاجتماعية، حيث الفرق قائم حتى بين أستاذ فلسفة وآخر، الأول ليس سوي وسيط بين التخصص وبين طلابه، والثاني منتج للمعرفة ومنخرط في الحياة.
ان التكنوقراطي، والتكنوقراطي الخليجي خاصة، الذي هو نتاج التحديث معني بالخروج من صومعة الأرقام والاحصاءات والمقاييس الكمية، الى فضاء الحياة الرحب ليرى ويسمع ويقول! .

  رجوع