«توجد دعوة
جادة لمؤتمر دولي.. فريق يؤيد عقد هذا
المؤتمر..وإسرائيل تعيق وترفض عقده، ولكن
أصدقاءنا في بعض الأوساط الروسية يصلون لنتيجة
مفادها أن العرب هم المذنبون في فشل فكرة
مؤتمر موسكو الدولي لأن بعضهم يرى أن الدور
الأساسي في التسوية لواشنطن. وهناك من يذهب
للقول بان هناك فريقا في الأوساط الروسية له
مصلحة مباشرة في إفساد مؤتمر موسكو الدولي
للتسوية لذا يتعجل طرحه قبل نضوج الظرف
الموضوعي، ومن ثم تحميل أي طرف مسؤولية فشل
انعقاده، باستثناء إسرائيل».
هل سيمضي مؤتمر موسكو المتطلع إلى إيجاد حل
للصراع العربي الإسرائيلي وبخاصة فيما يتعلق
بشق المواجهة الإسرائيلية الفلسطينية إلى
الأمام في الأيام القادمة؟
تساؤل بات يشغل وعن حق المراقبين السياسيين
للعلاقات الروسية العربية تلك العلاقات التي
قال يوما بسببها هنري كيسنجر وزير خارجية
أمريكا الأسبق وثعلبها للسياسة الخارجية أنها
كانت وراء عدم اطمئنان الغرب عامة والولايات
المتحدة الأمريكية خاصة لولاء العرب في
تحالفاتهم الجديدة مع الغرب .أما عن السبب
لتلك المقولة فهو ما بدا انه تنكر لحقيقة غاية
في الأهمية وهي أن الاتحاد السوفييتي قد ساعد
طوال الخمسينيات والستينيات العالم العربي كما
أن السلاح الوحيد الذي حارب به العرب وانتصروا
في معركة بعينها أي حرب أكتوبر من عام 1973
إنما كان سلاحا سوفييتيا، ومع ذلك ضحى العرب
عند اقرب منحنى وأول منعطف بعلاقتهم مع
الاتحاد السوفييتي وراهنوا كثيرا وطويلا أن
99٪ من أوراق اللعبة في يد الولايات المتحدة
الأمريكية وهو الأمر الذي تدفع كثير من الدول
العربية استحقاقاته اليوم وتبقى تبعاته غدا
وما بعد غد .
وبحال من الأحوال فإننا لسنا في مقام اجترار
الماضي بآلامه وأحزانه بقدر ما نحاول أن نقرأ
المستقبل ونتوقعه على ضوء أخطاء الماضي فهل
ترى سينجح العرب هذه المرة في إقامة التوازنات
بين الشرق والغرب بين روسيا وريثة الاتحاد
السوفييتي والولايات المتحدة على سبيل المثال
أم أننا ماضون قدما في رهاننا على أمريكا طولا
وعرضا ومساحة إجمالية ؟ والعجيب أن هذا الرهان
إنما يأتي في وقت تبدي فيه إسرائيل بدرجة أو
أخرى استعدادا جديدا وجديا واضحا لتعميق
وترسيخ جذور علاقاتها مع روسيا وكأني بها
تستبق العرب في علاقتها بالروس كما استبقت منذ
زمان وزمانين في علاقاتها مع الولايات المتحدة.
ربما يجدر بنا بداية أن نتوقف عند تساؤل يتعلق
بالنوايا الروسية للعودة إلى الشرق الأوسط فهل
من دلائل على ذلك؟ اغلب الظن أن الإجابة عن
هذا التساؤل هي التي تقودنا حتما إلى معرفة
إلى أي حد ومد يمكن للعرب تصحيح موقفهم أو
إعادة تكرار الأخطاء .
فمع أفول شمس الاتحاد السوفييتي عام 1991 باتت
مشاركة موسكو رمزية أكثر منها فعلية بقدر كبير
جدا رغم أنها كانت طرفا مباشرا في اللجنة
الرباعية التي تشرف على صياغة أسلوب وطريقة
التوصل إلى سلام بين الفلسطينيين
والإسرائيليين، غير انه في حقبة الرئيس بوتين
كان هناك انخراط جدي وبقوة وعلى نحو مستقل عن
إطار الرباعية الذي تتلاعب به الولايات
المتحدة الأمريكية ، وقد تمثل ذلك في دعوة
الرئيس بوتين لحركة المقاومة الإسلامية «حماس»لإجراء
محادثات في موسكو حيث اعتبرها الغرب دعوة
جريئة بل خطيرة وخارجة على الإجماع الدولي .
ولم يقتصر المشهد على هذا بل امتد من خلال سعي
روسيا لإقناع اللجنة الرباعية برفع حظر
المساعدات الغربية عن الفلسطينيين حيث أكد
ألكسندر سلطانوف نائب وزير الخارجية أن روسيا
تعارض دائما الحصار وتريد من الرباعية أيضا
تشجيع الفلسطينيين والإسرائيليين على الدخول
في حوار مستمر ومباشر ، ويعني ذلك أن تتحول
لقاءات عباس ـ اولمرت التي يراها البعض مجرد
لقاءات إلى محادثات شاملة تستبق فكرة المؤتمر
الدولي .
ويمتد الدور الروسي من فلسطين إلى العراق ،
فروسيا التي صمتت إبان الغزو الأمريكي باتت
اليوم ترفض ما يجري وترى أن الوقت قد حان لان
يتوصل الفرقاء العراقيون إلى ميثاق وطني يشمل
كافة أطراف وأطياف العراقيين بالتعاون مع
الأمم المتحدة وجيران العراق خاصة إيران
وسوريا والمثير في الدعوة الروسية هذه المرة
أنها تنطلق من خلفية أخلاقية لا خلفية ذرائعية
براجماتية كما في حال سياسات الولايات المتحدة
بمعنى أن الدعوة الروسية للعراقيين ولقادتهم
الجدد إنما تقود إلى التفكير لا بمنطق
المحاصصة والثارات التاريخية بل بخطوات عملية
من شأنها تعزيز الوفاق الوطني وإخراج العراق
من النفق المظلم الذي يعيشه ومما لا شك فيه أن
خبرة الروس وقراءاتهم لواقع المنطقة العربية
عامة وللعراق خاصة كان يقودهم إلى استنتاجات
جوهرية حتى أن نائب وزير الدفاع الروسي
«الكسندر بيلوخوسوف» اعتبر أن الاستراتيجية
الأمريكية الجديدة حول العراق ستزيد المقاومة
وتؤجج أعمال العنف وتوجه ضربة للأمن في الشرق
الأوسط وهذا ما وضح جليا في الشهرين الأخيرين
على نحو خاص .
ومن العراق إلى سوريا فإن الدور الروسي يظهر
جليا في الدعم العسكري وصفقات السلاح وهو ما
سنأتي عليه لاحقا حيث سوريا البلد الأول الذي
يجد فيه الأسطول الروسي موطئ قدم له في مياه
البحر الأبيض المتوسط بينما تبقى الأزمة
الإيرانية ساحة جديدة لتمارس فيها روسيا
العائد بقوة نفوذها إذ ترفض حتى الساعة فكرة
الهجمات العسكرية عليها وترى موسكو أن إيران
حالة خاصة بالنسبة للدبلوماسية الروسية
باعتبارها شريكة استراتيجية حيث يجد البلدان
أن الواقع يدعوهما للتعاون في المجالين
السياسي والاقتصادي في مناطق آسيا الوسطى وبحر
قزوين والقوقاز.
يمكن أن يفهم مما تقدم إذن أن هناك نوايا
روسية في توثيق العلاقات مع العرب بصورة لا غش
ولا شك فيها وهذه الصورة هي التي تدفع الروس
لمحاولة لعب دور مهم في قضايا السلام ومن هنا
يأتي الحديث عن مؤتمر في موسكو لمحاولة تسوية
ملفات الصراع العربي الإسرائيلي وفي مقدمتها
احتلال الجولان من قبل اسرائيل من جهة وبقية
إشكالية الأرض المحتلة في فلسطين من جهة ثانية
.
ولعل الحديث عن قضية الجولان يبقى منطقيا سيما
في دور الشراكة الاستراتيجية الروسية السورية
بقديمها وجديدها وهو ما يمكن أن يبرر فكرة
وجود تحالف يرقى إلى مستوى الميثاق العسكري
بين البلدين غير أننا وجدنا في الأسابيع
القليلة الماضية بعض الأصوات التي تقول بان
العرب لا يزالون يراهنون على أمريكا طولا
وعرضا حتى ولو كانت تعمل في خطوط طول وعرض ضد
المصالح الاستراتيجية العربية ... ماذا يعني
هذا الحديث ؟
الإجابة ربما نجدها عند «اندريه مورتازين»
المحلل السياسي من وكالة نوفوستي الروسية
والذي كتب تحت عنوان » بشار الأسد يراهن على
واشنطن وليس موسكو« و فيما يشبه صيغة الألم من
العرب قال : كشف الرئيس السوري بشار الأسد
أوراق لعبه في الشرق الأوسط حيث قال في مقابلة
أجرتها معه صحيفة »الوطن« القطرية أن الدور
الأساسي في التسوية الشرق أوسطية يعود
للولايات المتحدة. وأضاف أن هذا كان في زمن
الاتحاد السوفييتي أيضا. فقد لعبت الولايات
المتحدة دورا حاسما في العملية السلمية في
الشرق الأوسط بعلاقاتها المتميزة مع إسرائيل.
وشكك الرئيس الأسد في إمكانية عقد مؤتمر خاص
بالشرق الأوسط في موسكو نظرا لعدم تحديد موعد
وأبعاد ومضمون المؤتمر. وبما أن صحيفة «تشرين»
السورية قد أعادت نشر نص المقابلة الصحفية
فيعني ذلك أن تصريحات الرئيس الأسد هذه تمثل
الموقف الرسمي لدمشق تجاه مؤتمر موسكو للسلام.
ولأول مرة في تاريخ العلاقات السورية الروسية
تحدث الأسد بصراحة عن موقفه تجاه روسيا كأحد
أعضاء اللجنة الرباعية للتسوية في الشرق
الأوسط الى جانب الولايات المتحدة والأمم
المتحدة والاتحاد الأوروبي. ومما لا شك فيه أن
الأسد لم يأت بأي شيء جديد بقدر إعلانه عن
موقف سوريا تجاه التسوية في الشرق الأوسط. لقد
تبنى الرئيس السوري هذه الإستراتيجية منذ فترة
طويلة، ولكنه لم يتحدث عنها بشكل علني إلا
الآن. وبكلمات أخرى نرى أن الأسد أصبح يراهن
على الولايات المتحدة في قضية التسوية السورية
- الإسرائيلية. وهو محق في رأيه القائل إن
روسيا ليست العازف الأول في جوقة الرباعي كما
يقر بذلك الدبلوماسيون الروس. ولا يعني ذلك
أنه يمكن تجاهل دور روسيا في التسوية الشرق
أوسطية.
والشاهد أن الروس الذين بدأوا وكأنهم تلقوا
لطمة من الحليف السوري قد وضعوا أمام الرئيس
السورى حقائق تتمثل في الثمن الذي يجب أن
يدفعه لواشنطن حال ارتضاها خصما وحكما ولو غير
نزيه في هذه التسوية فماذا عن تلك الشروط؟
بحسب اندريه مورتازين فان الولايات المتحدة قد
تطالب سوريا بتقديم بعض التنازلات السياسية
والاقتصادية، مثلا:
ـــ التخلي عن برنامج سوريا النووي كما فعل
الرئيس القذافي في ليبيا. علما أن سوريا تنفي
وجود مثل هذا البرنامج لديها إلى حد الآن.
ـــ الكف عن التدخل في الشؤون اللبنانية،
وخاصة دعم حزب الله في السر والعلن.
ـــ وضع رقابة شديدة على الحدود مع العراق
لمنع تسلل الإرهابيين والمتطرفين الأجانب.
ـــ تبني نهج الانفتاح الاقتصادي كما فعل
السادات في سبعينيات القرن العشرين.
ـــ إجراء إصلاحات ليبرالية، ووقف احتكار حزب
البعث للسلطة في سوريا.
وربما ستظهر شروط أخرى جديدة لقبول سوريا في
صف حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
ولعل التساؤل هل سوريا الأسد مستعدة للمثول
لمثل تلك الطلبات الأمريكية أم لا ؟ وهل
اللجوء إلى تركيا كوسيط أولي في المفاوضات مع
إسرائيل وهي البلد المعروف بتحالفه الطويل
والاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية
هو المقدمة الطبيعية لمثل هذا الدور الأمريكي
الذي تعول عليه دمشق ؟
والحاصل انه إذا كان هذا هو رأي الرئيس الأسد
في روسيا فإن الأمر سينسحب على مقدرات فكرة
مؤتمر موسكو، غير انه يبقى هناك الطرف الآخر
أي الفلسطينيين فماذا عن هؤلاء ؟
المؤكد أن زيارة الرئيس الأمريكي جورج بوش
الأخيرة إلى إسرائيل والخطاب الذي ألقاه في
الكنيست الإسرائيلي وكان فيه داعما بشدة
لاسرائيل قد جعلا أبو مازن يفقد ثقته بان
واشنطن يمكن أن تصبح يوما وسيطا نزيها فكيف
لها أن تفعل ذلك ورئيسها يعطي ما يشبه وعد
بلفور الجديد لليهود ويؤكد على فكرة مكذوبة
وهي أن اليهود هم أصحاب الوعد والحق الإلهي في
تلك الأرض .
هذه الكلمات ربما رسخت عند أبو مازن فكرة
حتمية مؤتمر موسكو وقد كان في زيارته الأخيرة
لموسكو حريصا كل الحرص على أن يمضي المؤتمر
الدولي الذي تراعاه عاصمة القيصر الجديد
ديمتري ميدفيديف قدما لعل وعسى أن يوجد حلا
لإشكالية طال انتظارها .
غير أن ما يجري في إسرائيل مؤخرا بالنسبة
لاولمرت واحتمالات استقالته أو إقالته والدعوة
إلى انتخابات برلمانية جديدة هذه جميعها في
واقع الأمر ستعطل إلى حد بعيد فكرة مؤتمر
موسكو .
لكن يبقى تساؤل جوهري ربما يعد في حقيقته أهم
من فكرة انعقاد المؤتمر نفسه وهو هل يؤيد
العرب هذا المؤتمر أم لا ؟ في ضوء الإجابة
يمكننا الحكم على مدى قبول العرب لعودة روسيا
بنفوذها من جديد إلى المنطقة من عدمه .
يرى المحلل العربي الأصل (مازن عباس) من وكالة
نوفوستي كذلك أن العرب يؤيدون المؤتمر الدولي
والبعض يحملهم مسؤولية فشله ويرى أن موسكو
وعبر وزير خارجيتها سيرجي لافرورف قد أعلنت
عدة مرات أنها ليست مهتمة بعقد مؤتمر دولي لا
تشارك فيه كل الأطراف. وصرح بوتين في عدة
مناسبات أن هدف موسكو من عقد هذا المؤتمر هو
إخراج التسوية من مأزقها وبدء حوار بين كل
الأطراف، وإطلاق مسيرة التسوية السلمية
الشاملة التي لم يطلقها لقاء أنابوليس ولا حتى
على المسار الفلسطيني. وهذا الموقف بحد ذاته
يجسد جدية الوسيط الروسي الذي لا يسعى لتنظيم
استعراضات بهلوانية على غرار انابوليس المحبب
لقلب إسرائيل.
ما يعنى أن المعادلة بسيطة للغاية: توجد دعوة
جادة لمؤتمر دولي.. فريق يؤيد عقد هذا
المؤتمر.. وإسرائيل تعيق وترفض عقده، ولكن
أصدقاءنا في بعض الأوساط الروسية يصلون لنتيجة
مفادها أن العرب هم المذنبون في فشل فكرة
مؤتمر موسكو الدولي لأن بعضهم يرى أن الدور
الأساسي في التسوية لواشنطن.
وهناك من يذهب للقول ان هناك فريقا في الأوساط
الروسية له مصلحة مباشرة في إفساد مؤتمر موسكو
الدولي للتسوية لذا يتعجل طرحه قبل نضوج الظرف
الموضوعي، ومن ثم تحميل أي طرف مسؤولية فشل
انعقاده، باستثناء البلد المحبوب لهم
(إسرائيل).
ولا بد من القول إن قطاعات واسعة من الرأي
العام العربي التي ترى في روسيا دولة صديقة
للعرب، بدأت تستهجن أساليب التلاعب بالموقف
الروسي على النحو الذي يبرئ ساحة إسرائيل
ويفسد العلاقات العربية الروسية التي ثبتت
متانتها وقوتها على الرغم من تغير العهود
السياسية والحكومات إلا أنها لم تتراجع.
ومازال المواطن الروسي يقبل على السفر للبلدان
العربية، والمواطن العربي يعشق الموسيقى و
الأدب الروسيين.
ويبقى التساؤل هل سيضيع العرب ومن جديد فرصة
ذهبية قد لا تتكرر مرة أخرى في إعادة مسار
العلاقات الروسية العربية على مسارها ومدارها
الصحيحين أم أننا سنظل أسرى فكرة وهمية هلامية
ثبت زيفها عبر أكثر من ثلاثة عقود وهي أن 99٪
من أوراق اللعبة في يد أمريكا وان واشنطن يمكن
أن تكون يوما وسيطا نزيها في المحادثات
الساعية لسلام يتسق والأهداف الاستراتيجية من
واشنطن إلى تل أبيب دون ادنى معيار أو مقدار
لإحقاق الحقوق العربية أو الإنسانية في الشرق
الأوسط؟ تساؤل إجابته معلقة في رقبة العرب
والعرب فقط دون غيرهم.