الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

اختلالات توازن القوى

ثار جدل كثيف اثناء الحملة الانتخابية الراهنة في الولايات المتحدة حول اي من اعدائنا على الرئيس الأمريكي القادم ان يتفضل بالتحدث اليه. القصة الحقيقية التي قد يكتشفها الرئيس القادم هي كم هو قليل في الواقع عدد الدول التي تنتظر دعوتنا كي نتجاذب معها اطراف الحديث. من الشاق ان يتذكر المرء زمنا مضى حدث فيه حشد متزامن من التحولات في ميزان القوى الدولي مثلما يحدث الآن، وكان الاقل منها (اي من تلك التحولات) في صالح الولايات المتحدة.
دعونا نبدأ باعظم هذه التحولات. انني اميل الى الاقتناع اكثر فأكثر بأن الفشل الكبير في السياسة الخارجية الذي ستدمغ به الادارة الحالية لن يكون عجزها عن وضع الامور في نصابها في العراق رغم الاثر المدمر لذلك العجز ولكنه فشلها عقب الحادي عشر من سبتمبر في صياغة سياسة فعالة بشأن الطاقة.
انه لما يصيبني بالحيرة ان يختار الرئيس بوش الذهاب الى السعودية كي يستجدي العاهل السعودي شيئا يلجم تصاعد اسعار النفط بدلا من ان يطلب من افراد الشعب الأمريكي ان يكتفوا يقيادة سياراتهم بسرعة 55 ميلا في الساعة وان يشتروا سيارات اكثر اقتصادا في استهلاك الوقود او يقبلوا بدفع ضريبة كربون او وقود سيارات قد تعين على تحريرنا مما دعاه بـ( ادماننا للنفط).
ان فشل بوش في تعبئة وتحريك أقوى محرك لانتاج المبتكرات في العالم أي الاقتصاد الأمريكي لايجاد بديل ممكن للنفط قد اعان على بروز مجموعة من الدول النفطية مثل روسيا وفنزويلا وايران تعيد تشكيل السياسة الدولية على هواها.
واذا استمر هذا التحويل الهائل للثروة الى هذه الدول فإن انتقال النفوذ اليها سيعقب ذلك. ووفقا لشهادة ادلى بها خبير الطاقة جال لوفت امام الكونجرس الاربعاء الفائت فإنه عند سعر 200 دولار للبرميل سيكون في امكان منظمة أوبك شراء مصرف ( بنك اوف امريكا) بقيمة انتاج شهر وشركة ابيل للكحاسوب بإنتاج اسبوع وشركة جنرال موتورز في ثلاثة ايام فقط.
ولكن هذا ليس كل شيء. لقد تم حديثا نشر كتابين مفحمي الحجج يصفان تحولين كبيرين في النفوذ احدهما بعنوان (عالم ما بعد امريكا) لفريد زكريا محرر مجلة النيوزويك الدولية والآخر بعنوان ( الطبقة السوبر) من تأليف ديفيد روثكوبف الاستاذ الزائر بمعهد كارنيجي.
المقولة المحورية للكاتب زكريا هي انه في حين لا تزال الولايات المتحدة حائزة على العديد من الاصول الفريدة فإن صعود البقية (امثال الصين والهند والبرازيل بل وحتى ممثلين صغارا ليسوا دولا) يؤدي الى بروز عالم تتحرك فيه عدة بلدان اخرى ببطء الى مستوى النفوذ الاقتصادي واثبات الذات الذي تحظى به الولايات المتحدة في كل مجال. يلاحظ زكريا ان الهند « اليوم تملك 18 قناة جديدة مخصصة للاخبار وان النظرة الى تشكلها هذه القنوات (لشؤون الدنيا) مختلفة عن تلك التي يجدها المرء في وسائط الاعلام الغربية. ان (البقية) تملك الآن الثقة الكافية لسرد روايتها الخاصة بها». ويحاجج زكريا ان امريكا قضت وقتا اطول مما يجب في النظر الى مواردها الطبيعية العديدة واسواقها الحرة ومواهبها البشرية المتعددة كبدائل تعوضها عن معدل الادخار المتدني او غياب نظام الرعاية الصحية او اي خطة استراتيجية تحسن قدرتنا التنافسية.
ويرى زكريا ان ذلك كان امرا جيدا في عالم تفتقر فيه الكثير من البلدان لحسن الاداء. ولكنه يقول ان افضل الموسومين بسمة (البقية) تتسارع خطواتهم ويعملون في كد واجتهاد ويدخرون جيدا ويفكرون على المدى البعيد. «فهم قد تبنوا دروسنا ويلعبون لعبتنا». ويقول «اذا لم نقم باصلاح ما فسد في نظامنا السياسي وشرعنا في التفكير استراتيجيا حول كيفية تحسين قدرتنا التنافسية فإن الولايات المتحدة تخاطر بتآكل وضعها الفريد والمتميز في العالم مع بروز بلدان اخرى».
ويجادل كتاب روثكوبف بأن نفوذ كل الدول القومية او الوطنية يتضاءل في ما يخص العديد من القضايا الحرجة في زماننا ، وان نظام معالجة القضايا الدولية من قبل الدول القومية اقل فعالية من اي وقت مضى . ولذلك، يشير الكتاب، يجري استحداث فراغ قوة. وهذا الفراغ كثيرا ما يتم ملؤه بمجموعة صغيرة من اللاعبين هي الطبقة السوبر او المتفوقة. هذه الطبقة تمثل نخبة دولية جديدة اكثر ملاءمة للعمل على المسرح الدولي والتأثير على الاحداث العالمية اذا ما قورنت بالاغلبية العظمى من الزعماء السياسيين القوميين او الوطنيين. يقول روثكوبف ان بعض افراد هذه النخبة الجديدة هم ( من رجال الاعمال والمال) وآخرون اعضاء في (نوع من نخبة الظل) اي مجرمون وارهابيون. وآخرون هم سادة وسائط اعلامية تقليدية او حديثة. وبعضهم زعماء دينيون وقليل منهم مسؤولون كبار لهذه الحكومات القومية او الوطنية يتميزون بالقدرة على ابراز نفوذهم دوليا.
يتوجب على الرئيس القادم ان يتدبر امر هذه الدول الصاعدة وهؤلاء الافراد البازغين وتلك الشبكات الجديدة وهو مرتديا السترة الضيقة التي سيخلفها وراءه بوش في البيت الابيض.
يقول روثكوبف « ان عجزنا هذا هو العجز الثلاثي». ويشرح ذلك قائلا هو عجز مالي سرعان ما سيستلزم منا الاختيار بين الرعاية الصحية المقننة والتعليم الكافي والبنية الاساسية المستوفاة ومستويات تقليدية للانفاق العسكري. وهو عجز تجاري يدفعنا الى الاستدانة من منافسينا الى حد يضعفنا . وهو عجز جيوسياسي يتمثل في التركة العراقية والتي قد تؤدي الى ترددنا في اتخاذ مواقف قوية يلزمنا اتخاذها.

توماس فريدمان
ترجمة قاسم مكي
نيويورك تايمز
قسم الترجمة- عمان

  رجوع