عاصم
الشيدي
كانت المدافع قد هدأت في العراق قليلا عندما التقيت
بالفنان والنحات العراقي أحمد البحراني ، لذلك كان المكان
يرتدي لباس العيد ، والأضواء تشع في كل مكان ، وليس في
الأمر ثمة مفارقة على الإطلاق ، ولن نقول أن الصدفة لعبت
دورا في تشكيل المشهد.
الحديد يتناثر في كل مكان في العراق ، سنوات الحرب خلفت
أطنانا من الحديد الجامد الذي لا حياة ولا لون له إلا أن
كان لونا أحمرا هو بقايا الدم العراقي المسفوح على طرقات
بغداد ، والفلوجة ، والبصرة وكل المدن العراقية التي
شكلتها على مر العصور ثلاثة ألوان على الأسود ، والأحمر،
والأبيض وكلها تقود إلى مصير واحد هو الموت لا محالة.
كانت صالة بيت مزنة في مسقط القديمة تحتفل بالتجديدات التي
أدخلتها على الصالة وذلك بدعوة ثلاثة فنانين أحدهما كان
أحمد البحراني. ورغم أن البحراني لم يستطع حضور الجلسة
الصحفية التي عقدت صباح يوم المعرض ، إلا أن الجميع كان
يتفقده ويسأل عنه فقد سبق فنه حضوره إلى السلطنة ، وعرف
شعبيا من خلال تصميمه لكأس الخليج الذي فازت به السلطنة
أخيرا.
مضى الوقت ولم يأت أحمد البحراني ، وكان علينا أن ننتظر
إلى المساء لنلتقيه في افتتاح المعرض.
وقف أحمد البحراني بهدوء خالطه الكثير من التواضع بالقرب
من أعماله وبدأ يتحدث عنها ، وربما كان يتحدث عن وطنه الذي
أعاد تشكيله فيها ، فهو الفنان الذي يحمل وطنه في كل
زواياه وفي كل مفرداته.
كان يصر على أن الحديد ليس مادة ميتة ، أو مميتة فقط ، بل
يمكن أن يعاد خلقها لتكون مادة تصنع الجمال ، وتمتلئ
بالعاطفة ، ويمكن أن تكون نظير الطين.
يستغرب الكثير من النقاد ويتساءلون لماذا أحمد البحراني
ترك كل الخامات التي يعمل عليها النحاتون في العالم وتوجه
إلى الحديد الصدئ ، وبدأ يعيد إليه الحياة ، ويحوله إلى
كائن ينطق بالجمال ، ويكتسي بالرقة والشفافية؟!!
ربما ليس من السهل مقاربة إجابة حول هذا السؤال ، وربما
وحده العراق من يستطيع جزم إجابة حول هذا السؤال. فللحديد
في العراق دلالات تختلف عن دلالاته العمرانية في بقية دول
العالم. الحديد في العراق تتناثر بقاياه في كل مكان، المدن
التي كانت في يوم من الأيام حواضر العام أجمع تحولت إلى
بقايا كومات حديد لا حياة فيها ولا لون لها إلا السواد.
ربما كانت صدمة المشهد وحدها من أعطى النحات الكبير أحمد
البحراني فكرة المشروع؛ وهو إعادة الحياة إلى الحديد الصدئ.
وأحمد البحراني يقول في غير مرة ان الفن هو خلاصة المجتمع،
وهو المعبرعنه بكل صدق وشفافية. وهو القائل ان مادة الحديد
مادة استفزازية.
لقد استفز الحديد البحراني لكن بحاضنة ثقافية وبحساسية
وشفافية عالية فعمد إلى توجيه الاستفزاز إلى إعادة تشكيل.
وجل أعمال الفنان العراقي أحمد البحراني تتعامل مع الحديد،
يطوع صلابته ، ويزيد جموده وشبحيته ويحولها جميعا إلى
منحوتات غاية في الجمال، تحس بما نحس وتشعر بما نشعر
برهافة لا حدود لها.
ومن الحكايات الجميلة التي تدل على رهافة حس الفنان أحمد
البحراني القصة التي يحكيها باستمرار وهي أن أول معرض شخصي
له كان يوم كان عمره خمس سنوات فقط في مدينته القديمة
طويريج والتي تقع على ضفاف الفرات. يومها تراجع الفرات
فانكشف الرمل على الشط فما كان من البحراني إلا أن جسد
شخصيات قريته بنحتها على الرمال حيث أقام مجموعة كبيرة من
التماثيل ، وعندما عاد والده وجد صنيع ابنه الذي حاول
الهرب خوفا من عقاب والده. كان ثمة رؤية فنية لدى الوالد
الذي أقام حوارا مع ابنه حول دلالة التماثيل التي صنعها.
ليكون الأب هو الزائر الوحيد لمعرض ابنه الأول.
لم تمت البذرة الأولى إذن بل نمت مع الأيام وإن كانت تحولت
من الطين الطيع والسهل على التشكيل إلى الحديد العصي. ورغم
أن الثقافة التي نشأ فيها البحراني (أقصد الثقافة التنموية)
كانت ما تزال لم تنسلخ كليا من النسيج الصوفي إلا أن
البحراني أتى بها إلى النسج بالحديد ، والمتأمل لأعماله
يكتشف أنها ذات صفة معمارية ميكانيكية ، فهي قابلة للتفكيك
إلى أجزاء متعددة ويمكن إعادة صياغتها من جديد بطرق مختلفة.
وهي دلالة على عبقرية النحات الذي استطاع أن يجعل الحديد
الصلب معدنا قابل للتشكيل دون صهر ودون نار. وأعمال
البحراني بعيدة عن التشخيص العضوي رغم أن ذلك يمكن أن يلمح
في رمزية النحت وما وراء الحديد من دلالات رمزية على ذلك.
وعلى الدوام كان الكرسي يشغل الفنان أحمد البحراني،
بالكثير من أعماله هي كراس بأشكال متنوعة، لكنها لا ترمز
إلى العرش كما يقال بل هي كائنات حية، وشخصيات مرت وتعاقبت
على الفنان ، لم يبق منهم إلا الكرسي ، وأعاد الحياة لهم
عندما أصبغها على الكراسي التي كانت في يوم من الأيام جزءا
لا يتجزأ منهم.
ومهما كانت فرادة أحمد البحراني إلا أنه تأثر بالمنجز
الفني الذي لا حدود له في العراق امتداد من حضارة سومر
وأكاد وآشور، مرورا بالمنحوتات سواء كانت فنية وثقافية أو
كانت لمخلوقات تبحث عن الخلود الذي ضاع يوم ضاعت نبتة
الخلود مع جلجاميش.