(الآراء المنصفة والمنطقية في الغرب لا بد وأن
تجد لها أصواتاً ترتفع تطالب بالتفاهم والحوار
بين الحضارات، ونبذ مسلك الإقصاء والهيمنة
وإلغاء الآخر إذا أريد للإنسانية أن تتعايش في
سلام، وتتقارب في ثقة واطمئنان بعيداً عن
الأفكار العدائية للثقافات الأخرى، لضمان نظام
كوني يسوده العدل والحرية والوئام يشارك العرب
والمسلمون والحضارات الأخرى في هذا البناء
الجديد).
تتجدد دعوة الكثير من المفكرين والباحثين
المنصفين في الغرب إلى تأسيس حوار ثقافي
واجتماعي بين الغرب والعالم العربي والإسلامي
يبعد شبح الصراع والتوتر والتوجس بيننا وبين
الغرب،والقائمة منذ أطروحة صدام الحضارات
وانتهاء باحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهي
دعوة جديرة بالدعم والمساندة السياسية
والإعلامية العربية لتشجيع دعوات الإنصاف التي
يطرحها الكثير من الغربيين مقابل المقولات
التي تدعو إلى الصراع والمناطحة بدلاً من
الحوار والتفاهم الموضوعي القائم على تبادل
المصالح، وأولها قيام علاقة بين الطرفين على
أسس سلمية وأرضية مشتركة بين «الإسلام والغرب«
بعيداً عن النظرة الاستعلائية،ونفي الآخر
وإلغائه وإنكاره .. وكذلك استبعاد الأفكار
المسبقة عن العرب والمسلمين واعتبارهم العدو
الجديد بعد سقوط الشيوعية وانهيار أنظمتها،
فالموضوعية والتعامل العادل مع القضايا
العربية والإسلامية إحدى الركائز المهمة لقيام
ثقة متبادلة تسهم في نقل الصورة الإيجابية
الواضحة للعلاقة المتبادلة المبنية على
النزاهة والعقلانية بدلاً من التهويل
والمزايدة وزرع سوء الفهم والتوجس، وهذا ما
طرحته نظرية (صراع الحضارات) القادم وعلى
الأخص بين « الإسلام والغرب . فالمسلمون من
الناحية المنطقية لا يسعون إلى الصراع وليس
لديهم المقدرة عليه، لأنهم في صراع آخر .. لكن
مع التخلف والبناء وتأسيس تنمية إيجابية
وتغيير الواقع الراهن إلى آفاق رحبة ومتقدمة،
وهذا هو صراعنا القادم كما نعتقده ونسعى إليه
نحن المسلمين وكذلك غيرنا من الشعوب الساعية
في هذا المضمار .. ففكرة الصراع القادم
والمواجهة المرتقبة بين الإسلام والغرب، مقولة
مصطنعة غذتها الصهيونية وبعض المؤسسات
الإعلامية لغرض في نفس يعقوب! «وحوار الحضارات«
فيما بعد الحرب الباردة هو أفضل صيغ التفاهم
والتقارب بين الشعوب والتسامح الثقافي، وهو ما
يسهم في صياغة الحضارة العالمية الجديدة أن
قدر لها النجاح والتشكل لا كما الاتجاه
العنصري الذي يظهر في الكتابات الحديثة، وتقوم
على تشويه صورة الشخصية العربية ومن أبرزها
كتاب «دافيد برايس« في كتابه (الدائرة المغلقة
تأويل للعرب) حيث يتنبأ بأن العرب لن يستطيعوا
الخروج من دائرة التخلف أبداً ! ولذلك من
الأهمية الاعتراف بالتقاليد الحضارية المميزة
للشعوب والثقافات،كمنطلق مهم لإعادة صياغة
التفاهم الجديد بين الحضارات والاعتراف
بمتطلبات البقاء والتوازن في العطاء الكوني،
بعيداً عن الهيمنة والأفكار المسبقة والموروثة
التي تقوم بدور سلبي في تعميق الاختلاف وإثارة
العداوة، وهي الصورة نفسها التي يطرحها بعض
الباحثين عن العدو الجديد والمواجهة القادمة
بين الإسلام والغرب، وهي في الواقع مجرد أفكار
رسمت في الذهن وغذتها أيد همها (العداوة
المستديمة ) لشعوب وحضارات معينة، ولا توجد
أيضاً معايير علمية تقر مثل هذه التنبؤات،
ولعل هذا الفيلسوف الفرنسي «ليوتار» في كتابه
(ما بعد المجتمع الصناعي .. تقرير عن المعرفة)
والذي نشره باللغة الفرنسية وتمت ترجمته .
ويقول فيه: ( ان أهم معالم المرحلة الرابعة من
معالم المعرفة الإنسانية هو سقوط النظريات
الكبرى وعجزها عن قراءة العالم) ويقصد بها
أساساً الأنساق الفكرية المغلقة التي تتسم
بالجمود ومن أمثلتها كما يقول الكاتب،
الأيديولوجيات وربما في رأيه الماركسية أحد
هذه النماذج، وكذلك سقوط الحتمية سواءً في
العلوم الطبيعية كما عبرت عن ذلك فلسفة العلوم
المعاصرة أو التاريخ الإنساني، فليست هناك كما
قال الكاتب الفرنسي في كتابه الشهير حتمية في
التطور التاريخي من مرحلة إلى مرحلة على العكس
التاريخ الإنساني مفتوح على احتمالات متعددة،
ومن هنا رفض الفيلسوف الفرنسي ـ كما نقل ـ ذلك
الباحث سيد ياسين فكرة التقدم الكلاسيكية التي
كانت تتصور تاريخ الإنسانية، وفق نموذج خطي
صاعد من الأدنى إلى الأعلى، فليس هناك دليل
على ذلك ... فالتاريخ الإنساني قد يتقدم ولكنه
قد يتراجع، والأمثلة كثيرة تؤكد ذلك فالحتميات
انتهت ولن تنجح سوى فكرة الاعتراف بالآخر
والحوار معه واحترام تمايزه الثقافي والحضاري
.
وللإنصاف أن الكثير من الباحثين والأكاديميين
والسياسيين الغربيين ينتقدون بشدة تصعيد
العداء مع المسلمين، ويستنكرون مقولات
المواجهة القادمة، والصراع الحضاري بين
الإسلام والغرب، وأول هذه الأصوات محاضرة
الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا الشهيرة في
جامعة أكسفورد أواخر القرن الماضي، انتقد فيها
حملة الصحافة البريطانية على الإسلام، وأشاد
بدوره الحضاري في إثراء الحضارة الأوروبية
نفسها، وقيمة التسامح في الإسلام، ودعا في هذه
المحاضرة القيمة إلى الحوار والتفاهم بين
الحضارات لخير البشرية والإنسانية، وكانت لهذه
المحاضرة صدى واسع في العالم كله سيما العالم
الإسلامي . إدوارد جيريجيان مساعد وزير
الخارجية الأمريكية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى
وجنوب شرق آسيا قال عن هذه الحملة المحمومة
لاعتبار خطر الإسلام المقبل: «نحن على خلاف مع
هذا التصور الذي لا يرى في الإسلام إلا
أيديولوجية تحاول أن تصادم الغرب أو تهدد
السلام.. الحرب الباردة لا يجري استبداله
بمواجهة جديدة بين الإسلام والغرب، ذلك أن
الحملات الصليبية انتهت من وقت طويل، كما أن
الأمريكيين يعترفون بالإسلام على أنه أحد أعظم
الأديان الذي له أتباعه في كافة قارات الأرض،
ونحن كغربيين نعترف بالإسلام بصفته قوة حضارية
تاريخية من بين الكثير من القوى التي أثرت في
ثقافتنا وأثرتها .
إن تراث الثقافة الإسلامية الذي وصل إلى شبه
الجزيرة الأيبيرية ـ الأندلس ـ في القرن
الثامن الميلادي هو تراث غني بالعلوم والآداب
والثقافة والتسامح،حيال اليهودية والمسيحية
ويوقر الأنبياء الثلاثة إبراهيم وموسى وعيسى .
المستشرق الفرنسي الراحل جاك بيرك قال في هذا
الصدد : يعتبر الغرب اليوم ويا للأسف إن
الإسلام عموماً هو مصدر مباشر موجه ضده .. فقد
قرأت أخيراً كلاماً عن تهديد موجه إلى أوروبا
من طرف سلسلة من البلدان الإسلامية .. والغرب
يوجه احتياطيه الاستراتيجي نحو الجنوب بعدما
كان موجهاً لوقت طويل نحو الشرق، وأن العرب
والإسلام هو العدو الواجب قهره .. مثل هذا
الكلام مبالغ فيه ويحتاج إلى دليل . صحيح ـ
كما يقول جاك بيرك ـ الإسلام قوة حضارية تدعو
إلى الاحترام .. إنه دين حي جداً وربما أكثر
من الأديان الأخرى . لي هاملتون رئيس لجنة
الشؤون الخارجية في الكونجرس الأمريكي الأسبق
قال في إحدى الندوات التي عقدت في مبنى
الكونجرس منذ فترة، وحضرها باحثون ومفكرون من
بلدان مختلفة: إنني أرفض بعض الطروحات
الأكاديميين والتنبؤات التي تتحدث عن صراع بين
الحضارات، وأعتقد بأن هناك مصلحة مشتركة في
الإصلاح السياسي وليس بالضرورة أن يكون على
النمط الأمريكي . المفكر الأمريكي المعروف
البروفيسور جون اسبوزيتو رئيس مركز التفاهم
الإسلامي المسيحي في جامعة جورج تاون، وصاحب
الكتاب المعروف « التهديد الإسلامي .. حقيقة
أم خيال قال عن قضية الصراع المقبل مع الإسلام
المثارة في الغرب أحداث الحادي عشر من سبتمبر
2001ـ والشعارات التي رفعت آنذاك، وأصبح البعض
في الغرب، يتلقف منها كل ما يثار عن التهديد
البديل بعد انتهاء الحرب الباردة، أي أنهم
شعروا بفراغ تهديدي في غياب خطر كبير مثل
الاتحاد السوفييتي، وكان لما كتبه صمويل
هنتنجتون « عن (صراع الحضارات) دور كبير في
ذلك علاوة على تسليط قوي من وسائل الإعلام على
هذه الجوانب على التهديد الأصولي، والتحذير من
الخطر الإسلامي القادم . وأنا اعترف ـ كما قال
ـ بوجود إعلاميين ومحللين سياسيين وكتاب أعمدة
بارزة في الصحف الأمريكية، يزيدون من التوتر
بين الإسلام والغرب، ويبرزون الإسلام على أنه
تهديد للغرب، لكن مع ذلك يوجد منصفون ومعتدلون،
لكن للأسف المسلمين لا يسمعون إلا الأصوات
المتطرفة التي تعادي الإسلام وتشوه صورته ..وهؤلاء
رغم أن معظمهم من اليهود إلا أننا لا نريد أن
نركز على أن اليهود هم الذين يثيرون العداء
بين الإسلام والغرب وحدهم، وإنما يوجد غيرهم
أيضاً . غير اليهود وهم من الكتاب الكبار في
الصحف الغربية ويدور محور هؤلاء في إشعال
العداوة بين الإسلام والغرب، على أن الإسلام
دين لا يقبل بالحوار بين الحضارات وأنه قائم
على العداوة للأديان والحضارات الأخرى وأنه
يعمل على إبادتها .
أيضاً البروفيسور الأمريكي جون فول أستاذ
التاريخ بجامعة «نيوهامبشير» ورئيس رابطة
دراسات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة
الأمريكية، وأبرز المفكرين الغربيين المنصفين
والمهتمين بالفكر الإسلامي قال منذ فترة: إن
هناك تحاملاً غربياً ضد الإسلام دون شك، لكن
الأمريكيين بدأوا يدركون وبصورة متزايدة أن
هناك مسلمين أمريكيين مخلصين، وهذه من وجهة
نظري شيء إيجابي وبالطبع فأنا هنا أضع وجهاً
إيجابياً جداً على شيء سلبي جداً، وهو حادث
تفجيرات نيويورك وواشنطن، لكن التغطية
الإعلامية الغربية والمعادية للإسلام والتي
ربطت الإسلام بالإرهاب هي جزء من تحيز وتحامل
قديم في الحضارة الغربية التي ما زالت تتعامل
مع الإسلام والعالم الإسلامي بالعقلية
الصليبية التي ما زال الغرب ينظر بها إلى
الإسلام والمسلمين .
هذه الآراء المنصفة والمنطقية في الغرب لا بد
وأن تجد لها أصواتاً ترتفع تطالب بالتفاهم
والحوار بين الحضارات، ونبذ مسلك الإقصاء
والهيمنة وإلغاء الآخر إذا أريد للإنسانية أن
تتعايش في سلام، وتتقارب في ثقة واطمئنان
بعيداً عن الأفكار العدائية للثقافات الأخرى،
لضمان نظام كوني يسوده العدل والحرية والوئام
يشارك العرب والمسلمون والحضارات الأخرى في
هذا البناء الجديد.