الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

عودة إلى مفهوم العدالة الكونية
عمر كوش

كان إنشاء محكمة الجزاء الدولية في لاهاي المختصة بمحاكمة مجرمي الحرب وإدانتهم قد جرى بالرغم من معارضة الولايات المتحدة الأمريكية. واستطاعت هذه المحكمة أن تتجاوز أنظمة الأمم المتحدة والمعارضات الدولية، وأن ترسي مفهوم التدخل الإنساني الذي كان مطلباً إنسانياً وأخلاقياً رفيع المستوى
ليست الصدفة وحدها فصلت ما بين توجيه «لويس مورينو اوكامبو» مدعي المحكمة الجنائية الدولية التهمة إلى الرئيس السوداني عمر البشير بارتكاب جرائم حرب في دارفور، وبين إلقاء القبض على مجرم الحرب الصربي «رادوفان كاراديتش». والأيام القليلة التي فصلت بين الحدثين، جعلت بعض المتابعين والمراقبين يتحدثون من جديد عن موضوع «العدالة الكونية»، وعن عودة الاهتمام إليه، بعد أن خفتت الأصوات المنادية بتفعيلها في إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر .2001 ولعل السنوات القليلة التي دشنت مرحلة ما بعد الحرب الباردة ما بين الاتحاد السوفييتي السابق ودول «العالم الرأسمالي»، شهدت نقاشاً واسعاً حول موضوع «عولمة العدالة»، وتزامن النقاش مع تفكك الاتحاد اليوغسلافي السابق والصراع الدامي الذي دار في دول البلقان.
ويبدو ان هذين الحدثين قد أيقظا دعاة تفكيك مفهوم السيادة، سيادة الدولة القومية، كي يتحدثوا عن شكلانية هذا المفهوم في ظل العولمة الجارفة، ويكسبوها معاني اخلاقية وقانونية، متناسين اختلاف تجلياتها وتجسيداتها باختلاف المعيارية والمشروطية، لتبدو مفاهيم حقوق الإنسان، التي تعاد عمليات صياغتها باستمرار في ظل المعيارية المهيمنة، والجريمة ضد الإنسانية التي يجري التأسيس القانوني لها، وكأنها أضحت تشكل الأفق الأخلاقي للعولمة، بالرغم من أن عالم اليوم لا يزال محكوماً بتراتبية القوة وقوى السيطرة والهيمنة والواحدية القطبية للولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يشكل ممانعة شديدة لتعميم مثل هذه المفاهيم وجعلها كونية الطابع والتوظيف.
ويثير الاتهام الذي وجهه مدعي عام المحكمة الجنائية الدولة ارتدادات وتوظيفات وارهاصات عديدة، إذ يعتبر بمثابة الزلزال السياسي والقانوني على المستوى الدولي، كونه يشكل سابقة، من جهة توجيه التهمة بارتكاب جرائم حرب لرئيس دولة مازال في الحكم، ويفتح الباب أمام مسألة تغيير الأنظمة السياسية في منطقة الشرق الأوسط من خلال ما يسميه البعض «الإرهاب القانوني»، وتكون المحكمة بذلك قد أقدمت على ما عجزت عنه الإدارة الأمريكية الحالية عن فعله في بعض الدول. وعليه فإن المحكمة رضخت لابتزاز الإدارة الأمريكية الحالية، وفقدت الصدقية القضائية التي كانت تتمتع بها، لتنضم بذلك إلى جملة المنظمات الدولية التي تخضع للهيمنة الأمريكية، كونها دخلت الصراع السياسي في المنطقة العربية لجهة خدمة الإستراتيجية الأمريكية، وليس لجهة خدمة الشعوب العربية التي ترتكب بحقها فظائع وجرائم عديدة، ليس من طرف بعض حكامها، بل من طرف الولايات المتحدة الأمريكية، التي غزت العراق على مرأى العالم، ودمرت الدولة العراقية، وتسبب غزوها في قتل أكثر من مليوني عراقي، وتهجير أكثر من خمسة من سكان العراق، فضلاً عن غزوها لأفغانستان وجرينادا وبنما وأماكن أخرى من العالم.
وكان إنشاء محكمة الجزاء الدولية في لاهاي المختصة بمحاكمة مجرمي الحرب وإدانتهم قد جرى بالرغم من معارضة الولايات المتحدة الأمريكية. واستطاعت هذه المحكمة أن تتجاوز أنظمة الأمم المتحدة والمعارضات الدولية، وأن ترسي مفهوم التدخل الإنساني الذي كان مطلباً إنسانياً وأخلاقياً رفيع المستوى، مما عزز الأمل في عولمة الحقوق وإضفاء الطابع الإنساني للعولمة الذي تطالب بتحقيقه أغلبية البشر على كوكب الأرض.
وكان الأمل معقوداً على أن مثل هذه المواجهة لمفهوم السيادة التي تعني الحدّ من سلطة الدولة القومية ووهمها في السيادة المطلقة على شعوبها، قد تسهم في جعل مفاهيم حقوق الإنسان أكثر عالمية، بمعنى أن تتجاوز مفهوم المواطنة والدولة القومية وسطوة الدول الكبرى. وشكّل توقيف حاكم تشيلي «بينوشيه» وفتح ملفاته بداية لمحاكمة مرتكب أبشع المجازر بحق أبناء الشعب التشيلي، لكن مجريات محاكمته أجهضت بفعل معيارية قوى الهيمنة وسطوة تراتبية القوة في العالم. ثم جاء اعتقال «سلوبودان ميلوسيفتش»، كي يجدد الأمل في عولمة العدالة، والاقتراب أكثر من عالمية تمنع أي متهم آخر بحق الإنسانية من التصرف كما يحلو له في شعبه أو في الحروب ضد الشعوب الأخرى. لكن المحكمة الجنائية الدولية لم يكن لها كلمة في العديد من الجرائم التي ارتكبت بعد أحداث 11 من سبتمبر .2001 ومع ذلك فإن محاكمة ميلوسيفيتش أمام محكمة الجزاء الدولية كان لها معنى عالمي، تجسد في ملاحقة مجرمي الحرب في العالم، سواء تعلق الأمر بجرائم قديمة أو بجرائم الأمس القريب، والعبودية، والتمييز العنصري، ومجازر الاستعمار والصهيونية، مما يؤسس مساراً كونياً للجريمة ضد الإنسانية، وللتوبة والاعتراف بالذنب والتكفير عن الخطيئة وطلب العفو والتسامح.
ويشكل ما جرى ــــ وما زال يجري ــــ في التاريخ الطويل والمديد للقضية الفلسطينية معلماً بارزاً على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها ويرتكبها جنرالات الحرب الصهاينة في إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني. ويكشف التستر على هذه الجرائم بصورة واضحة مدى التواطؤ الذي تعقده قوى الهيمنة والسيطرة في العالم مع الجرائم الإسرائيلية، ويفضح معيارية حقوق الإنسان والجريمة ضد الإنسانية التي تنادي بها. والأخطر من ذلك هو أن هذه المحكمة رفضت سابقاً قبول دعاوى تتعلق بالإرهاب الإسرائيلي وأخرى تتعلق بحروب الولايات المتحدة الأمريكية، بحجة أن الدولتين لم توقعا ميثاق إنشائها، مع أن السودان لم عليه يوقع أيضاً. كما أن المحكمة لم تهتم بتقرير مندوب الاتحاد الأوروبي في كينيا «إريك دير ليندن»، الذي اتهم فيه القوات الإثيوبية بشكل واضح بالاشتراك مع قوات الحكومة الصومالية بارتكاب »جريمة إبادة« بحق الشعب الصومالي.
وبالرغم من ذلك كله ستبقى ملفات مجرمي الحرب أمثال شارون وشامير ورابين وسواهم محفوظة، وإن كانت تراتبية القوة في عالم اليوم لا تسمح بفتحها، فإن أفق العدالة ومستقبلها لابد أنه سيتناول هذه الملفات في يوم ما.

  رجوع