الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

الملف الزراعي عقبة أمام تدفق حركة التجارة العالمية
أحمد السيد تركي

خلقت منظمة التجارة العالمية أزمة للبلدان النامية ومنها الدول العربية بسبب تحرير تجارة المنتجات الزراعية ولم تقدم أي حل مقبول، وعلى هذا الأساس سوف يفضي هذا التحرير إلى تفاقم المديونية الخارجية بسبب تزايد القروض الممنوحة من قبل صندوق النقد الدولي وإلى تزايد التبعية للإعانات الغذائية الخارجية.
ارتبط فشل محادثات جنيف للدورة الوزارية لمنظمة التجارة العالمية والتي عقدت في الأسبوع الأخير من يوليو الماضي بمشاركة وزراء ثلاثين دولة في محاولة للاتفاق على شروط لخفض الدعم الزراعي والتعريفات الجمركية على المنتجات الزراعية والصناعية ــــ وهو ما كان يتعين اتخاذ قرار بشأنه عام 2003 لإخراج جولة الدوحة من تأزم دام سبع سنوات ــــ بفشل الولايات المتحدة والصين والهند في التوصل لحل وسط حول إجراءات لمساعدة الدول الفقيرة في توفير حماية لمزارعيها لمواجهة الزيادة الكبيرة في الواردات.
ولئن كان بعض المحللين قد وصف ما دار في منظمة التجارة العالمية بالخلاف بين الشمال والجنوب، وهذا صحيح في معظمه، خصوصا فيما يتعلق بحرص الجنوب على تسوية مشكلة الدعم المقدم في المجال الزراعي ــــ سواء كدعم لفلاحي الدول المتقدمة أو للصادرات الزراعية ـــ يصر الشمال على مقايضة أية تنازلات بضرورة فتح الأسواق أكثر وتخفيض الرسوم الجمركية فيما يتعلق بالمنتجات الصناعية والخدمات، فإن المواقف داخل مجموعات الدول النامية نفسها ليست بالمتجانسة تماما.
وفي محاولة منه لإنقاذ مفاوضات منظمة التجارة العالمية في جنيف لإنهاء جولة مفاوضات الدوحة قام المدير العام للمنظمة باسكال لامي بتقديم عرض جديد بأرقام جديدة في ملف المفاوضات الزراعية وبالأخص ملف تخفيض الرسوم الجمركية على الصادرات الزراعية وتخفيض الدعم الذي تقدمه الدول المتقدمة لمزارعيها.
وقد تركزت فكرة العرض على أن تخفض دول الاتحاد الأوروبي مستوى دعمها بحوالي 80٪ لكي يستقر سقفها السنوي في حدود 22,06 مليار يورو بدل 110,3 مليار يورو الحالية. وأن تخفض اليابان والولايات المتحدة الأمريكية مستوى دعميهما بحوالي 70٪ لكي يستقر سقف الدعم الأمريكي في حدود 14,5 مليار دولار سنويا. وأن تلتزم باقي الدول الصناعية الأخرى بتخفيضات تتراوح ما بين 50 و60٪. وهي التخفيضات التي يجب أن تدخل حيز التطبيق في غضون خمسة أعوام.
أما الدعم المقدم للصادرات الزراعية فمن المفروض أن يتم إلغاؤه نهائيا في عام 2013 بعد أن تم الاتفاق بهذا لشأن في عام .2005 ولا تدخل في هذا الإطار باقي أنواع الدعم المقدمة للمزارعين على شكل دعم لحفاظ على البيئة أو الطبيعة.
أما فيما يتعلق بالرسوم الجمركية المفروضة على الواردات الزراعية، فقد اقترح مدير عام منظمة التجارة العالمية أن تلتزم الدول المتقدمة بتخفيض يقدر متوسطه بحوالي 54٪. فالدول المتقدمة التي تفرض حاليا رسوما على الواردات الزراعية تفوق 75٪، عليها تخفيضها بحوالي 70٪. أما التي تفرض رسوما بحوالي 100٪ فتلتزم بنسبة رسوم في حدود 30٪. أما الدول النامية فلن يتجاوز متوسط تخفيضها 36٪. ولن يُطلب من الدول الأقل نموا تقديم أية تنازلات في هذا المجال. في المقابل من حق الدول المتقدمة اختيار 4٪، والدول النامية 5,3٪ من المنتجات المستوردة على أنها منتجات »حساسة«. وحتى لا تغلق الباب كلية أمام الواردات من هذه المواد »الحساسة«، يتوجب عليها استيراد 4٪ من الاستهلاك الداخلي من تلك المواد.
وللسماح للدول النامية بمواجهة أزمة تأمين الأمن الغذائي، وتنمية المناطق الريفية، يُسمح لها بتحديد 12٪ من المنتجات »الخاصة» التي تُعفى 5٪ منها من أي تخفيض في الرسوم الجمركية بينما لا تتجاوز نسبة التخفيض بالنسبة للبقية 11٪.
لكن هذا الحل الوسط أدى إلى إثارة مطالب بعض الدول منفردة أو في مجموعات مما عرقل سير المفاوضات وفشلها ، الأمر الذي مثل مكسباً لصالح البعض ، وخسارة للبعض الآخر، ويرى مراقبون أن أبرز الأطراف التي حققت مكاسب من الفشل هي ثلاثة أولها الحكومات والأنظمة السياسية التي لن تواجه عواقب توقيع الاتفاق الذي يفتح المنافسة بقطاع الزراعة بالدول الغنية وقطاع الصناعة بالدول النامية. أما الطرف الثاني فهم المزارعون بالدول الغنية الذين يلقون دعما من دولهم. فالاتفاق الذي جرى التفاوض بشأنه ينص على خفض الدعم الداخلي المدفوع لهم بنسبة تتراوح بين 50٪ إلى 85٪. وكان ينص كذلك على إلغاء دعم الصادرات. أما الطرف الثالث والأخير فهو الدول التي تعتمد الحمائية في القطاع الزراعي وهي الدول المتطورة التي تفرض رسوما جمركية عالية جدا على استيراد المنتجات الزراعية لحماية الإنتاج الداخلي، مثل اليابان أو سويسرا.
ومن جهة أخرى فقد كان أبرز الخاسرين هو الاقتصاد العالمي الذي خسر خمسين مليار دولار سنويا كانت ستضخ فيه لو أبرم الاتفاق، ومائة مليار دولار في غضون عشر سنوات عبر تخفيض الرسوم الجمركية حسب ما قال المدير العام لمنظمة التجارة العالمية باسكال لامي. وينضم لقائمة الخاسرين أقل الدول تقدما التي لم يكن مطلوبا منها تقديم أي تنازل في إطار جولة الدوحة، في حين أنها كانت ستتمكن من إيصال 97٪ من صادراتها لأسواق الدول المتطورة دون دفع رسوم جمركية.وتأثرت الدول الصناعية التي كانت تنتظر الوصول لأسواق الدول الناشئة بعد تخفيض الرسوم الجمركية. وتضررت قطاعات الاتصالات والمصارف والتأمين في الدول الغنية التي تسعى لإيجاد منافذ جديدة في الاقتصادات الناشئة.
ومن الخاسرين كذلك منتجو القطن الأفارقة في أفريقيا الغربية (بنين وبوركينا فاسو ومالي وتشاد) الذين طالبوا بخفض دعم منتجي القطن بالولايات المتحدة ووقف دعم صادراتهم.
وبإمعان النظر في المبادئ والأسس التي ارتكز عليها نظام منظمة التجارة العالمية ، نجد أنه قائم على تحرير التجارة العالمية من القيود الكمية والرسوم الجمركية وفق مبدأين أساسيين هما: المبدأ الأول: الدول الأولى بالرعاية. ويعني أن الامتيازات الممنوحة من قبل دولة لبلد ما يجب أن تمنح أيضا للبلدان الأخرى. يهدف هذا المبدأ إذن إلى تحقيق المساواة بين جميع الدول. المبدأ الثاني: المعاملة الوطنية، ويقضي بأن السلع المستوردة يجب أن تعامل معاملة السلع المنتجة محليا. وتكمن أهمية هذا المبدأ في المساواة بين السلع بغض النظر عن الدولة المنتجة.
لكن واقع الأمر أن ثمة عدة استثناءات على هذين المبدأين ومنها أنه تختلف استفادة الدول من هذا النظام تبعا لدرجة تقدمها الاقتصادي وإمكانياتها المالية والتكنولوجية، كلما ارتفعت هذه الدرجة وهذه الإمكانيات زادت المكاسب، والعكس بالعكس، وعلى هذا الأساس لم يقم النظام على اعتبارات إنسانية تهتم بمعالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية للبلدان الفقيرة، بل على المنافسة الحادة في جميع الميادين التي قد تفضي إلى تعقيد هذه المشاكل، ولم يقم على المساواة بل على استمرار هيمنة الدول الصناعية الكبرى على الاقتصاد العالمي. ولما كان العالم العربي يتكون من بلدان نامية، تصبح مكاسبه ضعيفة مقارنة بتلك التي يحققها العالم الصناعي، ولما كانت هذه البلدان العربية مختلفة اختلافا كبيرا في ما بينها من حيث تقدمها الاقتصادي وإمكانياتها المالية، تصبح استفادتها وكذلك معاناتها متباينة.
ولم تستطع منظمة التجارة العالمية معالجة هذه الاختلالات بالرغم من أن الاتفاق متعدد الأطراف ــــ حول الإجراءات المتعلقة بالآثار السلبية لتحرير تجارة المنتجات الزراعية على البلدان النامية ـــ يدعو إلى ضرورة تقديم المساعدة اللازمة لمواجهة هذه المشكلة. ويرجع ذلك إلى أن المنظمة ليست مؤسسة تمويل فهي غير قادرة على منح مساعدات مالية، لأن اعتمادات ميزانيتها لا تتعدى 90 مليون دولار مخصصة لمرتبات موظفيها ومصاريفها الإدارية.
وهكذا خلقت منظمة التجارة العالمية أزمة للبلدان النامية ومنها الدول العربية بسبب تحرير تجارة المنتجات الزراعية ولم تقدم أي حل مقبول، وعلى هذا الأساس سوف يفضي هذا التحرير إلى تفاقم المديونية الخارجية بسبب تزايد القروض الممنوحة من قبل صندوق النقد الدولي وإلى تزايد التبعية للإعانات الغذائية الخارجية.
هذا الوضع يحتم ضرورة التعاون العربي المشترك، وبدلا من رصد مليارات الدولارات سنويا لشراء الحبوب من الدول الصناعية ، يمكن إيجاد صيغة مناسبة للعمل على إصلاح الأراضي القابلة للزراعة في عدة بلدان.
والأمر الذي لا شك فيه أن إعادة النظر بالاتفاق الخاص بالزراعة الذي يمنع الإعانات للصادرات الزراعية هو أمر محوري، كما أنه يجب أن تتخذ الحلول في إطار منظمة التجارة العالمية دون الاعتماد على صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، ويتعين في المقام الأول مراعاة الوضع التجاري للبلدان الأقل نموا. وطرح مشكلة ارتفاع أسعار الضرائب على استهلاك المنتجات النفطية التي تؤثر على البلدان المصدرة للخام، وسوف تواجه إثارة هذه المشكلة ردود فعل عنيفة من قبل جميع البلدان الصناعية وبعض الدول النامية لأسباب تتعلق بميزانيتها وبالاعتبارات البيئية، لكن هذه المقاومة تتناقض مع الأساس الذي يقوم عليه النظام الجديد وهو تحرير التجارة العالمية من شتى القيود. وتقليص سياسات مكافحة الإغراق إلى أقصى الحدود نظرا لتناقضها مع تحرير التجارة العالمية. وعدم الرضوخ للضغوط التي تمارسها الدول الصناعية والتي ترمي إلى الحد من القدرة التنافسية لسلع البلدان النامية في أسواق البلدان الصناعية، عندئذ ستعاني الأقطار العربية من تردي صادراتها وارتفاع معدلات البحث عن عمل، وليس هنالك ما يعوض هذه الخسارة.
وعلى أية حال يمكن القول أن الملف الزراعي يمثل حلقة مفصلية أمام تدفق حركة التجارة العالمية، فتقديم الحلول التي تناسب دول العالم النامي تعد دفعة قوية لمزيد من حركة التبادلات التجارية، في حين أن تكريس وجهة النظر الغربية وفرضها على بقية دول العالم يقلل من حركة التجارة ويدعم مسببات الأزمة الاقتصادية العالمية وبالأخص على المستوى الغذائي والزراعي.

  رجوع