الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

محنة الدول الفقيرة
حيدر بن عبدالرضا اللواتي


دفعت أزمة الغذاء التي يمر بها العالم اليوم كبار المسؤولين في المنظمات الدولية الى أن يفيقوا من سباتهم ليدلوا بدلوهم في إشعار شعوب العالم وحكوماتهم بهذه القضية العالمية التي من المرشح أن تصبح أزمة فعلية تقلق مضاجع الدول، خاصة تلك التي تعتمد على وارداتها الغذائية من العالم الخارجي.
بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة خرج علينا مؤخرا ليشاركنا برأيه في هذه الأزمة مؤكدا أن الارتفاعات الحادة في أسعار الغذاء تتطور لتصبح أزمة عالمية حقيقية، وأن الأمم المتحدة قلقة للغاية مثل جميع أعضاء المجتمع الدولي، الأمر الذي يتطلب منه اتخاذ إجراء فوري.
بوادر هذه الأزمة دفعت حكومات بعض الدول المنتجة للغذاء في العالم بأن تتخلى عن سياسة تصدير بعض السلع الرئيسية للمواد الغذائية، حيث أصبحت تشعر بالقلق من نقص الإمدادات المحلية، واوقفت التصدير، الأمرالذى يزيد من قلق الأسواق العالمية، في الوقت الذي تؤكد بعض التقارير إلى انخفاض المخزونات العالمية من بعض السلع والمنتجات الضرورية.
من جانب آخر أصبح صندوق النقد الدولي من جانبه يدق الجرس منبهًا جميع حكومات العالم إلى أن أزمة الغذاء قادمة من حيث المعروض وأن الأسعار التي شهدت ارتفاعات تخطت 60٪ خلال الأشهر الماضية وفق البيانات الرسمية من المتوقع أن تتصاعد إلى أعلى. فقد أكد دومينيك شتراوس رئيس صندوق النقد الدولي متزامنا مع تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة أن القادم قد يكون الأسوأ بالنسبة لأزمة الغذاء في العالم في ظل الارتفاع الكبير لأسعاره، مضيفا في تصريحاته الأخيرة بأن تكون هذه الأزمة سيئة ولكن الاسوأ لم تأتِ بعد، وسيتأثر بها مئات الملايين من البشر.
الكل بدأ يشعر في العالم بأن أسعار العديد من السلع قد زادت بصورة كبيرة، فأسعار الأرز على سبيل المثال ازدادت في آسيا ثلاثة أضعاف، كما زادت أسعار الوقود وغيرها من المنتجات والسلع الأخرى، الأمر الذي من المتوقع أن يشهد المزيد من الاحتجاجات العالمية، وخاصة في الدول الفقيرة.
ويرى شتراوس أن إنتاج الوقود الإحيائي من منتجات زراعية غذائية كالذرة والسكر يطرح مشكلة أخلاقية حقيقية باعتبار أن الفقراء في العالم يشترون تلك المنتجات كمواد غذائية من الأسواق، مؤكدا أن هذه الأزمة يمكن أن تؤدي إلى الإطاحة بحكومات منتخبة ديمقراطيا حتى لو كانت تطبق سياسات صحيحة، أي أن لها مضاعفات على المستوى السياسي والعسكري للدول، مشيرا إلى احتمال اشتعال حروب إقليمية بسبب ارتفاع أسعار بعض المنتجات الغذائية مثل الذرة والأرز والقمح. ويضيف المسؤول الدولي إن التاريخ مليء بحروب بدأت بسبب أحداث من هذا النوع، كانت أسعار الغذاء المرتفعة قد أدت إلى اشتعال أعمال عنف في العديد من الدول، بينما يضع ارتفاع الأسعار المستهلكين في المدن في وضع صعب كما تدل على ذلك الاضطرابات التي جرت مؤخرا في مدن العديد من الدول.
لقد أصبح العديد من دول العالم تنظر إلى قضية نقص المواد الغذائية بصورة تشاؤمية، فإندونيسيا على سبيل المثال أصبحت أحدث دولة تفرض قيودا على تصدير الأرز لتنضم إلى الهند ومصر وفيتنام، وهي ثاني أكبر مصدر في العالم، وبلغ الاضطراب العالمي بشأن نقص المواد الغذائية أن حدا بوزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس لتقول إن الولايات المتحدة تأمل أن تعلن عن خطوات جديدة خلال الأسابيع المقبلة للمساعدة في تخفيف نقص الغذاء في أنحاء العالم.
لقد بدأ التحرك العالمي تجاه أزمة الغذاء بصورة فعلية ليس على المستوى المنظمات الدولية فحسب، بل أصبح رؤساء الدول يتحدثون عن هذه القضية، وهذا أمر جميل بأن نرى تلك الشخصيات تنخرط في الحديث عن هذه الأزمة. فالرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي تحدث حول ذلك مبيناً أن فرنسا ستضاعف المساعدات الغذائية التي تقدمها للدول الفقيرة لتصل قيمتها إلى 95 مليون دولار خلال العام الجاري، وسبقه في هذا الأمر الرئيس الأمريكي جورج بوش مطالبا الصناديق بضرورة توفير المزيد من المساعدات الغذائية للدول الفقيرة، في حين حذر هنري روييه دورفوي رئيس منظمة التنسيق التي تتولى التنسيق بين المنظمات غير الحكومية الفرنسية للتضامن الدولي من أن العالم يتجه نحو أزمات غذائية وعلى الأرجح نحو مجاعات في بعض المناطق، مؤكدا أن إلغاء الديون التي تم التفاوض بشأنها أخيرا لنحو 30 دولة قد لا يكون له أي مفعول أمام ارتفاع فاتورة الطاقة والغذاء، وأن ارتفاع الأسعار اليوم يضع المستهلكين في المدن في وضع اكثر صعوبة.
إن الأزمة الحالية في قطاع المواد الغذائية دفعت الكثير من الخبراء الدوليين لدراسة تداعياتها وأبعادها على مصير البشرية، فالإحصائيات تشير إلى انخفاض حقيقي بحيث تكون هذه الأزمة أكثر سوءا من الأزمة التي مر به العالم عام 1950 عندما تراجع مخزون القمح في أمريكا التي تعتبر البلد الأول المنتج والمصدر للقمح في العالم، خاصة وأن هذه الأزمة تأتي في الوقت الذي يمر بها العالم بتكرار الحوادث المناخية، والجفاف والفيضانات والصقيع وغيرها من الأنواء المناخية الأخرى. كما تأتي في وقت تحولت فيه بعض الدول النامية والصين وغيرها إلى سوق ضخمة تبتلع كل شيء في طريقها مثلها مثل البلدان الصناعية.
وبالنظر إلى أسعار معظم المواد الخام الزراعية نجد أنها ارتفعت بصورة حادة في الأسواق العالمية في الفترة الممتدة من عام 2006م، وبمعدل متسارع في عامي 2007 و،2008 فأسعار القمح تضاعفت في أقل من عام واحد، في حين أن الذرة وفول الصويا يتم تداولهما بأسعار أعلى بكثير من متوسط الأسعار المسجلة خلال العقد السابق. أما سعر الأرز والبن، فهما في ارتفاع مستمر منذ قرابة عشر سنوات، ويسجلان أعلى الأرقام في الأسواق العالمية. ويقدر البنك الدولي أن ارتفاع أسعار القمح وصلت إلى 181٪ في ثلاث سنوات وأسعار المواد الغذائية إلى 83٪ خلال الفترة نفسها، فهذا الارتفاع زاد من تفاقم الأزمة المالية، فالقمح (زاد 120٪ في سنة واحدة) والأرز (زاد 75٪ في شهرين)، وهي قيم ونسب أصبحت تستغل كذريعة يحتمي من خلالها التجار والمنتجون في الأسواق العالمية.
هناك اليوم مختلف التحليلات تجاه انفجار الأزمة الغذائية في العالم، فوفق تقرير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) الذى نشر في شهر فبراير من العام الحالي نجد أن المنظمة تربط الأزمة الغذائية مع التغيرات الهيكلية في الأسواق الزراعية، مشيرة الى انه منذ 30 عاما استقرت أسعار المواد الغذائية الأساسية نسبيا، فهي ليست مرتفعة جدا ولا منخفضة جدا، في حين كان الاتجاه العام نحو انخفاض الأسعار. ومنذ عام ،2000 نشهد نهاية هذا «العصر الذهبي»، فالأسعار يتم تعديلها بالنسبة إلى القيمة الحقيقية للمنتجات الزراعية. ويخشى الخبراء أن يبدأ عهد جديد، يتسم بتقلب الأسعار، لكن في إطار مرتفع دائما.
إن نتائج هذه الأزمة على الفقراء كبيرة جدا، خاصة الفئات التي تعاني أصلا من سوء التغذية. فقد بينّ جان زيجلر المقرر الخاص للأمم المتحدة منذ أيام أنه قبل ارتفاع أسعار المواد الغذائية كان يموت طفل تحت 10 سنوات كل 5 ثوان، أما الآن فهناك 854 مليون شخص يعانون من سوء التغذية بشكل خطير، مشددا على الخطر الذي يهدد الدول الفقيرة والمحتاجة ذات الكثافة السكانية العالية منوها إلى ضرورة التدخل السريع للقوى والمنظمات الدولية المؤثرة قائلا: «ان ما يحدث كارثة ومجزرة معلنة، فالأسر في الدول الغربية تخصص من 10 إلى 20٪ من ميزانيتها للغذاء، في حين تخصص الأسر في الدول الفقيرة من 60 إلى 90٪ من ميزانيتها للغذاء». والسؤال المطروح هو كيف تستطيع الدول الفقيرة مواجهة هذه الأزمة القادمة، والتي من المتوقع أن تتحول إلى كارثة إن لم يتم إيجاد الحلول الجذرية لها خلال الأشهر المقبلة قبل دخول الشتاء القارس.؟

  رجوع