من المهم والضروري ان تسعى كل دولة عربية الى
استغلال امكاناتها الزراعية الى ابعد مدى ممكن
وإلى زراعة كل شبر من اراضيها، ودون تعارض مع
التعاون العربي الجماعي، مع اعطاء درجة اعلى
من الاهتمام والتخطيط لتكوين احتياطي غذائي
جماعي عربي لصالح الدول العربية جميعها ووفق
اسس وضوابط يتم بحثها وبلورتها من جانب خبراء
عرب تأمينا للمستقبل وحفاظا على الاستقلال
وهروبا من ضغوط متزايدة كان وسيكون الغذاء احد
اسلحتها. والسؤال هو هل نمتلك الارادة
السياسية لتحقيق ذلك.؟
بالرغم من الحديث القديم والمتكرر حول
المجاعات التي تتعرض لها بعض الشعوب الافريقية،
وحول عدم تمكن نحو ثلث البشرية - نحو ملياري
نسمة على امتداد العالم - استكمال احتياجاتهم
الغذائية اليومية لانهم يعيشون تحت خط الفقر،
وبالرغم ايضا من الحديث المتكرر حول اثر
الفيضانات والكوارث الطبيعية بما فيها الجفاف
والتصحر على حجم انتاج الغذاء في العالم
وتذبذبه بشدة في السنوات الاخيرة، الا انه
يمكن القول بأن الحديث خلال الآونة الاخيرة
حول نقص كميات الغذاء المنتجة على الصعيد
الدولي وارتفاع اسعار المواد الغذائية بشكل
كبير في مختلف دول المنطقة، قد جذب الانتباه
وسلط الضوء بشكل اكبر على ازمة قديمة ومتجددة
في الوقت نفسه، وهي ازمة الغذاء وعدم كفاية
انتاجه على المستويين الاقليمي والدولي، وهو
ما دفع الى ظهور اهتمام اكبر بهذه المشكلة
التي ما كانت لتحظى بمثل هذا الاهتمام لولا
المخاطر والتحديات التي بدت مصاحبة لها هذه
المرة وانعكاساتها على استقرار عدد غير قليل
من الدول في المنطقة العربية وخارجها كذلك.
ولعله من الاهمية بمكان الاشارة باختصار شديد
الى عدد من العناصر ذات الصلة بهذه القضية ومن
اهمها مايلي :
∎∎ اولا : ان هاجس عدم كفاية انتاج العالم من
الغذاء هو هاجس تقليدي قديم شعر به واهتم به
كثيرون ومن ابرزهم «مالتوس» الذي تحدث قبل نحو
قرنين عن الفجوة بين معدلات النمو السكاني في
العالم والتي تسير وفق متوالية هندسية، وبين
معدلات نمو الغذاء التي تسير أو تنمو وفق
متوالية عددية، وهو ما يؤدي وفق تصوره الى
حدوث مجاعات وازمات يروح ضحيتها ملايين البشر
ليعود التوازن مرة اخرى بين السكان والغذاء
على هذا الكوكب.
غير ان نظرية مالتوس بتشاؤمها لم تتحقق على
النحو الذي بشر به او تصوره، لان التقدم
العلمي والتقني تكفل في الواقع بزيادة انتاج
الغذاء من ناحية وباستغلال موارد انسانية اخرى
لسد احتياجات متزايدة للبشر من ناحية ثانية.
ومع ان ازمة الغذاء في العالم ظلت تلقي
بظلالها في مناطق مختلفة من العالم بشكل يكاد
يكون مستمرا ومتواصلا، الا ان نظرة سريعة الى
مناطق الازمات او ما يطلق عليه احزمة الفقر في
العالم سنجد انها تتركز اساسا في الدول
النامية وفي المجتمعات الاكثر تخلفا منها على
وجه التحديد وهو ما يترافق بالضرورة من انتشار
الفساد وتدني وتخلف مستويات الانتاج وعدم
استغلال الموارد المتاحة استغلالا افضل، الى
جانب معدلات الهدر الكبيرة للموارد المتاحة
وبالتالي السقوط في دائرة التخلف والبقاء فيها
لاطول فترة ممكنة لعدم توفر الارادة السياسية
الكافية او الراغبة في انتشال هذه الشعوب من
الجب الذي سقطت فيه لاسباب عديدة محلية
وخارجية كذلك.
ومما له دلالة عميقة في هذا المجال انه
لاعلاقة مباشرة ولا طردية ابدا بين عدد السكان
ومشكلة نقص الغذاء كما قد يتصور البعض احيانا،
لان المسألة ليست عدد السكان ولكنها كيف يتم
ادارة الموارد المتاحة بما فيها السكان الذين
يمثلون او يمكن ان يمثلوا موردا له قيمته
الاقتصادية الكبيرة.
وليس ادل على ذلك من ان عددا من اكبر دول
العالم سكانا هي من بين اكبر الدول المصدرة
للغذاء في العالم وفي مقدمة هذه الدول
الولايات المتحدة والصين والهند والبرازيل
والارجنتين والمكسيك ومجموعة الاتحاد الاوروبي،
ولا يوجد بين هذه الدول من الدول الاسلامية
سوى اندونيسيا وماليزيا بنسبة تصل الى 6,1٪
و5,1٪ من حجم الصادرات العالمية لكل منهما.
والدولتان هما من اكبر الدول الاسلامية.
∎∎ ثانيا : انه مع الوضع في الاعتبار ان البعد
الدولي لازمة الغذاء الراهنة في المنطقة
والعالم قد وفرت طوق نجاة، ومبررا، او شماعة
سارعت العديد من الدول العربية في تلقفها
وإبرازها والعزف عليها، في محاولة واضحة
لابعاد المسؤولية عنها وإلقائها على عاتق ازمة
عالمية تضرب دولا اخرى، الا ان ذلك هو في
النهاية اقرب الى ان يكون حقا يراد به باطل
لسبب بسيط هو ان الكثير من الدول العربية تميل
الى عدم الاهتمام بالتخطيط الاستراتيجي خاصة
فيما يتصل بالامن الغذائي، ركونا منها الى ان
السوق الدولية مفتوحة والاموال قد يمكن او
سيتم توفيرها وعمليات الاستيراد متوفرة من هذا
الطرف او ذاك. غير انه من المهم والضروري
الانتباه الى حقيقة ان الغذاء بكل منتجاته هو
في النهاية مسألة استراتيجية.
وسبق المقارنة بين القمح والنفط، وبين النفط
والمياه، وكيف تعمد الدول الغنية المالكة
لفائض القمح والذرة الى رفع الاسعار - حتى لو
اضطرت الى القاء بعض انتاجها من القمح والذرة
في البحر عند الضرورة لحرمان الاسواق منه. فهل
هي مصادفة ان يترافق مع ارتفاع اسعار النفط في
الاسواق العالمية وانهيار سعر صرف الدولار ان
تشتعل اسعار الغذاء وخاصة القمح والذرة والارز
على نحو غير مسبوق؟ أليس ذلك في جانب منه ردا
على ارتفاع اسعار النفط ؟ قد يقول قائل ان
الازمة تطال الدول المتقدمة بشكل او بآخر، هذا
صحيح ولكن الصحيح كذلك ان الدول الاكثر تضررا
هي نحن في العالم الثالث والدول النامية.
اما استخدام المحاصيل من القمح والذرة وقصب
السكر والارز وغيرها من المحاصيل الغذائية
لانتاج الميثانول لاستخدامه كوقوة للحد من
الاعتماد على النفط، وهو ما يتسع نطاقه، فإنه
يعد قضية تحتاج الى مناقشة على المستوى الدولي
لانها كما قال «دومينيك ستروس» المدير العام
لصندوق النقد الدولي قبل ايام «مشكلة اخلاقية
حقيقية» خاصة في ظل معاناة الدول النامية.
على اية حال فانه في الوقت الذي فرضت فيه ازمة
الغذاء نفسها على جدول اعمال كل المنظمات
والهيئات الدولية وفي مقدمتها منظمة الامم
المتحدة للاغذية والزراعة - الفاو - التي
ناقشتها في اجتماعها في المؤتمر الثلاثين لها
في برازيليا في منتصف ابريل الماضي، وستناقشها
ايضا في قمتها القادمة في روما في يونيو
القادم، وبرنامج الغذاء العالمي، وصندوق النقد
الدولي، والاتحاد الاوروبي الذي سيناقشها في
قمته القادمة في يونيو، ومجموعة الدول الثماني
الصناعية التي ستناقش المسالة في اجتماعها
القادم في يوليو، والجمعية العامة للامم
المتحدة التي ستناقشها في سبتمبر القادم، فانه
من غير الممكن الركون من جانب الدول النامية،
وخاصة الدول العربية، الى هذا الجهد العالمي.
نعم سيكون لهذه الجهود العالمية اثارها على
نحو او اخر في رسم خطط على الصعيد الدولي
للتعامل مع الازمة والتخفيف من حدتها، ولكن
ذلك سيستغرق بالضرورة بعض الوقت لكي يحقق
اهدافه، فضلا عن ان طبيعة المشكلة على الصعيد
العربي تحتاج الى جهد عربي محلي، اي داخل كل
دولة عربية، وعلى الصعيد العربي الجماعي حتى
يمكن التوصل الى خطوات عملية ومؤثرة للحد من
الازمة.
اما استخدام او استغلال الازمة الدولية لتبرير
سياسات اثبتت فشلها فإن ذلك سيزيد من الازمة
ومن الاحتقانات التي يمكن ان تصاحبها مع كل ما
يمكن ان يترتب على ذلك من نتائج اجتماعية
واقتصادية وأمنية ومن ثم سياسية بالضرورة. وكل
الدول العربية في غنى عن ذلك بالتأكيد.
∎∎ ثالثا : على الصعيد العربي فإنه ليس من
المبالغة في شيء القول بأن ازمة نقص الغذاء
وارتفاع اسعاره بشكل كبير قد سلطت الضوء على
اهمية وضرورة السير نحو تنسيق وتعاون اقتصادي
عربي خاصة في مجال انتاج وتأمين الغذاء من
ناحية، والاعتماد على الذات، محليا وعربيا، في
المقام الاول لانتاجه وزيادة حجم الاحتياطي
الاستراتيجي منه من ناحية ثانية.
ومع الوضع في الاعتبار الاجراءات السريعة التي
اتخذتها هذه الدولة العربية او تلك للتصدي
لهذه المشكلة، الا ان عملية رفع الاجور
والمرتبات، وان كانت ضرورية على الاجل القصير
لتعويض جانب من الزيادة الكبيرة في الاسعار،
الا انها لايمكن ان تكون حلا عمليا او نهائيا
لسببين اساسيين:
اولهما ان الزيادة في اسعار المواد الغذائية
قد لا تتوقف تماما، خاصة وان جزءا كبيرا منها
يأتي من الخارج لان الجزء الاكبر من السلع
الغذائية ومن احتياجاتنا نستورده من الخارج
وهناك عوامل كثيرة تدفع الاسعار العالمية الى
الارتفاع منها بالقطع ارتفاع اسعار النفط.
وثانيهما ان الحكومات لن تتمكن بالتأكيد من
الاستمرار في زيادة المرتبات والاجور، حتى لو
ارادت ذلك. لانه من المعروف ان زيادة المرتبات
دون زيادة الانتاج يزيد من معدلات التضخم.
ومن ثم فإن المسألة ليست نقودا لدى الافراد
بقدر ما هي سلع متوفرة يمكن شراؤها بالنقود.
ولعل ما يزيد من اهمية ذلك ان اسواق الاستيراد
للسلع الغذائية وفي مقدمتها الارز والقمح
تتقلص بشدة سواء لنقص الانتاج في الدول
المصدرة لها، او لقرار تلك الدول بوقف
صادراتها لسد احتياجاتها اولا منها وهو حق
طبيعي لها ومن ثم يقل المعروض وترتفع الاسعار.
وهنا تحديدا تزداد اهمية الدور الذي يمكن ان
تقوم به منظمة التجارة العالمية ومنظمة الفاو
وبرنامج الغذاء العالمي والدول الغنية التي
عليها ان توقف استخدام المحاصيل الغذائية
لاستخراج الميثانول واستخدامه كوقود.
اما بالنسبة لنا كدول عربية فإن عوامل كثيرة
تفرض ضرورة السعى الى التعاون لاستثمار
الاراضي العربية القابلة للزراعة وتوفير ادوات
الانتاج اللازمة لذلك من رؤوس اموال وأيد
عاملة ومعدات والنظر في تكوين هيئة او مجموعة
عربية للعمل في هذا المجال تحديدا وبمنظور
عربي قومي تلتقي وتنصهر فيه مصالح كل الدول
العربية دون تمايز من اجل تحقيق مصلحة جماعية
عربية ملحة.
ولعل ذلك يكون مدخلا مناسبا لتجاوز خلافات
واحن عطلت وتعطل المصالح العربية المشتركة
والمتبادلة.
وفي هذا المجال نحتاج عربيا الى توفر ارادة
سياسية ووعيا وبعد نظر يتجاوز ماهو قائم من
خلافات من اجل ما هو اهم من مصالح للجميع.
من جانب اخر فإنه من المهم والضروري ان تسعى
كل دولة عربية الى استغلال امكاناتها الزراعية
الى ابعد مدى ممكن وإلى زراعة كل شبر من
اراضيها، ودون تعارض مع التعاون العربي
الجماعي، مع اعطاء درجة اعلى من الاهتمام
والتخطيط لتكوين احتياطي غذائي جماعي عربي
لصالح الدول العربية جميعها ووفق اسس وضوابط
يتم بحثها وبلورتها من جانب خبراء عرب تأمينا
للمستقبل وحفاظا على الاستقلال وهروبا من ضغوط
متزايدة كان وسيكون الغذاء احد اسلحتها.
والسؤال هو هل نمتلك الارادة السياسية لتحقيق
ذلك.؟