الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

أسباب رئيسية للأزمة
ممدوح الولي
خبير اقتصادي


«لم تفلت من العجز التجاري الزراعي عربيا سوى تونس والسودان وموريتانيا التي زادت قيمة صادراتها الزراعية عن قيمة وارداتها عام .2005 إلا أن ارتفاع أسعار الغذاء خلال العام الماضي والحالي لا شك زاد المشكلة تعقيدا وزاد أيضا من أهمية زيادة الإنتاج الزراعي كوسيلة أساسية للحل الجذري لمشكلة ارتفاع أسعار الغذاء».
تعددت أسباب الارتفاع الحاد لأسعار الحبوب على المستوى الدولي والذي نجم عنه تظاهرات شعبية في العديد من البلدان سقط خلالها بعض القتلى، وأسفرت عن سقوط الحكومة في هاييتي. وتراجع الاتجاه لخفض قيمة الدعم في عدد من البلدان ولجوء العديد من الدول لفرض قيود سعرية على بعض السلع الغذائية في حين فرضت دول اخرى قيودا على صادراتها من الحبوب مما أدى الى نقص المعروض منها للتجارة الدولية.
وكانت العوامل المناخية سببا مباشرا لنقص الكميات المنتجة من الحبوب خلال العام الماضي حيث أدى الجفاف - الذي استمر عامين في استراليا والتي تعد ثاني أكبر بلد مصدرة للقمح في العالم - الى نقص إنتاجها وتكرر السبب المناخي في نقص إنتاج دول أوروبية من الحبوب الأمر الذي تكرر في سوريا والمغرب وغيرهما. كما تسببت الفيضانات في تغطية مساحات من الأراضي بالمياه مما قلص من المساحات القابلة للزراعة. حتى ان الأمم المتحدة رصدت 14 نداء للمساعدة من دول بسبب الجفاف والفيضانات خلال العام الماضي.
وبينما كان الجفاف والفيضانات سببين في تقلص إنتاج بوليفيا من الحبوب فقد تسببت الصراعات المسلحة في تقلص المساحة المنزرعة في الصومال، وكان الصقيع سببا في تقلص إنتاج الأردن. كما تسبب تفاقم أزمة الائتمان الأمريكية في تزايد صعوبة حصول المزارعين على قروض في بلد يعد المصدر الأكبر للحبوب بالعالم.
ومن الأسباب الرئيسية الاخرى توسع الدول الصناعية في إنتاج الوقود الحيوي من خلال إنتاج الايثانول من الذرة وقصب السكر وفول الصويا. فإنتاج الايثانول من الذرة زاد ثلاثة أضعاف ما بين عامي 2001 الى 2006 حتى أصبح ربع الإنتاج الأمريكي من الذرة يتجه الى إنتاج الايثانول. حيث يسعى قانون للطاقة صدر هناك في ديسمبر الماضي الى إنتاج 9 مليارات جالون من مصادر الطاقة المتجددة بالعام الحالي مقابل 5 مليارات جالون عام 2005 وهي كمية مطلوب زيادتها الى 10 مليارات جالون بالعام القادم وإلى 36 مليار جالون خلال 14 عاما.
ونظرا لإعطاء الحكومة الأمريكية إعفاءات ضريبية لتحويل الايثانول كوقود للسيارات وفرض رسم جمركي على الايثانول المستورد فقد اتجه المزارعون لمزيد من زراعة الذرة على حساب فول الصويا والقمح. وتكرر نفس التشجيع للوقود الحيوي في أوروبا ومناطق اخرى سعيا نحو تقليل الاعتماد على النفط المستورد وخفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري.
ارتفاع أسعار النفط ساهم أيضا في زيادة أسعار الغذاء فالزراعات الحديثة تعتمد بشكل كبير على الطاقة وكذلك في تشغيل الجرارات ونقل المنتجات الحقلية الى المستهلكين كما أدى الى ارتفاع تكلفة عمليات الشحن ومن جانب آخر ارتفاع أسعار الأسمدة التي ترتبط صناعتها بالطاقة. مما زاد من تكلفة العمليات الزراعية.
ومن العوامل الرئيسية أيضا عمليات المضاربة التي زاد أثرها بسوق الحبوب. فمنذ عام 2002 بدأت صناديق الاستثمار في دخول سوق النفط ثم أسواق المعادن ثم تبعتها بدخول أسواق الحبوب. خصوصا في ظل انخفاض أسعار الفائدة وضعف الدولار مما رفع الاستثمارات المقومة بالدولار. وعندما يدور الحديث عن كساد متوقع بالاقتصاد الأمريكي فإن التوقعات لن تكون مبشرة بالنسبة للأسهم والسندات بقدر ما هي مبشرة بالنسبة للسلع الأولية خصوصا الحبوب في ظل نقص المخزون العالمي منها.
ومن أبرز أسباب ارتفاع أسعار السلع الغذائية ارتفاع مستوى المعيشة في بعض الدول النامية وأبرزها الصين والهند مما زاد من الطلب من خلال الطبقة المتوسطة بهما على الذرة وفول الصويا واللحوم والألبان وغيرها. وأن الصين والهند وحدهما تمثلان نحو 38٪ من سكان العالم. ويضاف الى ذلك نمو السكان عالميا حيث يزيد العالم بنحو 73 مليون شخص سنويا، يقابل ذلك نقص في إنتاج الحبوب بالعام الماضي. ونقص في قيمة المعونات الخارجية التي تقدمها الدول الغنية بنسبة أكثر من 8٪ بالعام الماضي بالمقارنة بما كانت عليه بالعام الأسبق. وارتفاع أسعار الأعلاف مما زاد من أسعار اللحوم والدواجن.
وزاد من أثر الإحساس بحجم المشكلة أن نسبة الإنفاق على الغذاء تمثل النسبة الأكبر من قيمة الإنفاق بالنسبة لسكان الدول النامية حيث تتراوح النسبة ما بين 60 الى 80٪ من إجمالي الإنفاق مقابل نسبة تتراوح ما بين 10 الى 20 ٪ بالبلدان الصناعية. ويبدو أثر المضاربات بسوق الحبوب بالنظر الى ضخامة حجم تلك الأموال التي يصعب على أسواق الحبوب تحملها. فالقيمة الإجمالية لمحاصيل الذرة وفول الصويا والقمح الأمريكية بالعام الماضي بلغت 92 مليار دولار ونصف المليار. بينما يبلغ حجم التداول اليومي بسوق الصرف الأجنبي 3 تريليونات دولار. كما تبلغ قيمة سندات الخزانة الأمريكية التي لم تستحق بعد 4 تريليونات و600 مليار دولار. كذلك تبلغ قيمة أسواق الأسهم الأمريكية 16 تريليون دولار. ويضاف الى ذلك حجم الأموال الضخمة التي تحققت لمنتجي النفط في ظل ارتفاع أسعاره والتي يمكنها دخول أسواق الحبوب للمضاربة.
- ومن أسباب ارتفاع أسعار الحبوب أيضا نقص المخزون العالمي منها الى مستويات تعود الى عام .1982 وزاد من مشكلة نقص المعروض الدولي من الحبوب نتيجة قيام العديد من الدول بفرض قيود على صادراتها من أنواع الحبوب حماية للاستهلاك المحلي منها. مثلما فعلت روسيا وكازاخستان لصادراتهما من القمح ومثلما فعلت مصر والهند وفيتنام وتايلاند واندونيسيا بالنسبة لصادراتها من الأرز وما قامت به الأرجنتين من فرض ضرائب على صادراتها من فول الصويا. وتوقف الهند عن تصدير مسحوق الحليب.
وهو ما أدى الى ارتفاع أسعار الحبوب بالدول المستوردة. فالأردن التي كانت تعتمد على الأرز المصري زادت أسعاره المحلية بها. والفلبين التي كانت تعتمد على الأرز التايلاندي زادت أسعاره المحلية بها وهكذا.
وتعاملت الدول العربية مع أزمة ارتفاع أسعار الغذاء وفق عدد من الإجراءات أهمها : خفض وإلغاء الجمارك على عدد من السلع حيث قامت السعودية بخفض الجمارك على نحو 180 سلعة بالإضافة الى كون 664 سلعة اخرى معفاة أصلا وفق الاتفاقات مع دول التعاون الخليجي. وقامت مصر بخفض الجمارك أو إلغائها على نحو 111 سلعة وقامت الأردن بخفض الجمارك على 13 سلعة أساسية. كما قامت موريتانيا بإلغاء الجمارك على الأرز وكانت المغرب قد خفضت الجمارك على القمح خلال العام الماضي.
دول اخرى قامت بزيادة الدعم للغذاء حيث قامت السعودية بزيادة دعم الأرز وحليب الأطفال والشعير وزادت قطر من دعم الدقيق كما زادت مصر من دعم الخبز. وزادت موريتانيا، دعم القمح والأعلاف وزادت الكويت من دعم الغذاء، واستمرت العراق في مقررات البطاقات التموينية المدعمة التي أصبح العراقيون يعتمدون عليها. وتوسعت عدة دول في استخدام آلية المجمعات والجمعيات الاستهلاكية لتوفير السلع بأسعار أقل من السوق مثلما حدث بالكويت والإمارات ومصر والأردن.
وقامت دول عربية بإصدار قوانين لحماية المستهلك مثلما فعلت مصر وسوريا ومثلما تسعى الى ذلك قطر والأردن الى جانب إصدار قوانين لحماية المنافسة ومنع الاحتكار مثلما فعلت مصر وتجهز سوريا. ومن ناحية اخرى قامت دول عربية بزيادة الأجور للموظفين منها : السعودية والكويت والإمارات والأردن والبحرين وموريتانيا.
اتجاه آخر لتثبيت الأسعار اتجهت إليه الإمارات بتثبيت أسعار 16 سلعة غذائية هذا العام مع تحملها فارق التكلفة وتحرير استيراد 27 سلعة من وكالات معينة كانت تتولى استيرادها ليصبح استيرادها متاحا للجميع أملا في انخفاض أسعارها. وقامت موريتانيا بتثبيت أسعار القمح وأعلاف الحيوان والماء والغاز والكهرباء. وتقوم مصر وتونس واليمن بتثبيت أسعار بعض السلع. كما قامت كل من الإمارات وقطر بوضع حد أقصى لارتفاع الإيجارات.
ومن الأساليب التي اتخذتها دول عربية رفع نسبة الاحتياطي بالبنوك مثلما فعلت السعودية وقطر لتقليل السيولة أمام البنوك لإقراضها. كما حدث تشدد على القروض المصرفية خصوصا للأفراد في الكويت بخفض النسبة التي يمكن الحصول عليها قياسا الى الراتب.
وإذا كانت مصر والإمارات وقطر قد أعلنت عن اتجاهها لزراعة مساحات من القمح بالسودان فان هذا السبيل هو الأكثر استدامة لحل مشكلة الغذاء عربيا في حين أن باقي الإجراءات التي اتخذتها تلك الدول يمكن أن يتم تصنيفها ضمن الحلول قصيرة الأجل التي تتم لتهدئة المشكلة وليس حلها حلا جذريا. وأن هناك فجوة غذائية عربية ضخمه ستنتقل معها عوامل التضخم الخارجي في ظل استمرار استيراد النسبة الأكبر من الغذاء وفي ظل استمرار ارتفاع أسعار هذا الغذاء المستورد.
وكانت بيانات الصندوق العربي قد أشارت الى أن نسبة قيمة الصادرات الزراعية العربية الى قيمة الواردات الزراعية العربية قد بلغت 30 ٪ عام .2005 وتنخفض تلك النسبة الى أربعة بالألف بالعراق وستة بالألف في ليبيا و3٪ بقطر و3,3٪ بالجزائر وأقل من 10٪ بالكويت و14٪ بالسعودية و18٪ باليمن و27٪ بالإمارات و28٪ بالبحرين و46٪ بالأردن و47٪ بالمغرب و79٪ بسوريا. وهكذا لم تفلت من العجز التجاري الزراعي عربيا سوى تونس والسودان وموريتانيا التي زادت قيمة صادراتها الزراعية عن قيمة وارداتها عام .2005 إلا أن ارتفاع أسعار الغذاء خلال العام الماضي والحالي لا شك قد غير تلك الأرقام بكل تلك الدول وزاد المشكلة تعقيدا وزاد أيضا من أهمية زيادة الإنتاج الزراعي كوسيلة أساسية للحل الجذري لمشكلة ارتفاع أسعار الغذاء.

  رجوع