الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

مواجهة مع الجوع ..!
جمال امام
كاتب ومحلل سياسي ..


«إن روشتة الإصلاح والعلاج لا بد أن تبدأ من ملف تحرير التجارة العالمية والوصول إلى صيغة تحفظ حقوق دول الجنوب الفقير بعد استمرار تعنت دول الشمال حول المسألة الزراعية التي تحسم حتى الآن. أيضا مسألة فرض حظر تام علي الوقود الحيوي الذي يعتبر احد أسباب ارتفاع اسعار المنتجات الزراعية ينبغي أن يكون أمرا مفروغا منه لأنه موضوع يهدد غذاء الإنسان ويحوله إلى وقود لصالح الأغنياء».
لن يموت أحد من الجوع.. هذا المثل القديم برمزيته ودلالاته في أهمية التكافل الاجتماعي سواء على مستوى الفرد أو الجماعة والمقصود بها هنا المجتمع الدولي يتعرض اليوم لشكوك كثيرة يكاد يختفي معها من قاموس النظام الدولي الذي يسمح لقيم العولمة أن تقول فيما يتصل بملف الغذاء وبصريح العبارة ادفع تأكل..!
ولكن من الذي يستطيع من خارج نادي الأغنياء أن يسدد فاتورة غذائه هذا إذا نحينا جانبا شعارات كثيرة تحدث عنها هؤلاء الأغنياء في منتدياتهم ومؤتمراتهم الدورية والفصلية والطارئة وكل قراراتها وتوصياتها تتحدث عن دعم الفقراء من دول العالم الثالث أو النامي (بحسب الحالة المزاجية) صحيح هناك مساعدات من حين لآخر ولكنها ليست في صلب حل أزمة الغذاء التي تفاقمت وتجاوزت كل الخطوط مع ارتفاع أسعار المحاصيل الرئيسية التي تعتمد عليها الشعوب في غذائها وفي مقدمتها القمح والذرة والأرز حيث لم تكتف الدول المنتجة للغذاء بربط الفقراء وتكبيلهم بالقيود المختلفة السياسية منها والاقتصادية التي تمنعهم من إنتاج غذائهم وبالتالي تحرير قرارهم الوطني فحسب بل بدأت في توجيه الشركات متعددة الجنسيات نحو الاستثمار في إنتاج الوقود الحيوي ليكون بديلا عن النفط الذي باتت أسعاره مرشحة لمزيد من الارتفاع بعد أن أصبح الثبات عند حاجز المائة دولار مطلبا ملحا لأن كثيرين يربطون أيضا بين الأزمتين ارتفاع أسعار النفط والغذاء والأخيرة باتت تهدد مخاطرها 37 دولة منها 21 دولة في افريقيا و10 في آسيا حيث زادت أسعار المواد الغذائية بنسبة 60٪ خلال الفترة من أول يناير عام 2006 إلى مطلع عام 2007 كما ارتفعت أسعار القمح والذرة بنسبة 150٪ وأسعار الذرة بنسبة 80٪..
وإذا كان ملف الزراعة في العالم دخل مرحلة جديدة وخطيرة بهذه الأسعار المرتفعة للحاصلات الرئيسية لا يمكن تحملها سياسيا بحسب مجلة إيكونومست« الاقتصادية البريطانية نقلا عن يواكيم فون براون رئيس المعهد الدولي لأبحاث سياسات الغذاء في واشنطن فإن الزيادات الجديدة للأرز مثلا بنسبة 141٪ منذ بداية العام الجاري 2008 والزيادة التي طرأت على نوعية من القمح بنسبة كبيرة بلغت 25٪ قد تدفع بنحو 100 مليون شخص إلى الفقر ومحو جميع المكاسب التي تحققت لأفقر مليار شخص في السنوات الماضية..
والواقع أن إفريقيا تحديدا تعتبر من بين أكثر المناطق تضررا من الأزمة فتقارير البنك الإفريقي للتنمية تؤكد أن حوالي 135 مليون إفريقي يتعرضون لمخاطر جدية في اثنتي عشرة دولة نتيجة ارتفاع أسعار المنتجات الغذائية وأن العجز الغذائي في إفريقيا يقدر بحوالي 36 مليون طن من الحبوب..
ومن بين أكثر هذه الدول تأثرا بالأزمة هي تلك التي تعتمد كثيرا علي استيراد المنتجات الغذائية وتلك التي خرجت لتوها من نزاعات وتشمل قائمة هذه الدول غينيا وجامبيا وجيبوتي والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية وتشاد ..
وفي ظل هذه الأزمة هل يبدو السؤال الذي طرحته الإيكونومست حول انتهاء عصر الغذاء الرخيص منطقيا ..
أتصور أن الإجابة صحيحة إلى حد كبير وذلك لأسباب عديدة في مقدمتها التحول الذي طرأ على استراتيجية الدول الصناعية الكبرى التي تحاول بطرق بديلة كسر احتكار ما تعتقده بالخطأ مسؤولية الدول المنتجة للنفط عن الزيادة المستمرة في أسعار النفط والبديل هو الاستثمار في إنتاج الوقود الحيوي والذي يعتبره البعض يدخل ضمن الأهداف غير الواقعية وغير المسؤولة حيث ذهبت حصة محصول الذرة بالولايات المتحدة لهذا العام إلى إنتاج الإيثانول (الوقود الحيوي) في حين بدأ الاتحاد الأوروبي تنفيذ أهدافه بشأن إنتاج الوقود الحيوي التي تستهدف رفع نسبته إلى 10٪ بحلول عام ..2020
أيضا لا يمكن تجاهل التغييرات في الطلب نتيجة ارتفاع مستوى المعيشة لدى دول كثيرة حققت نموا في الناتج المحلي وبالتالي فوائض مالية كبيرة في حين بقيت الإمدادات كما هي حيث زاد استهلاك الصينيين والهنود للحبوب واللحوم وكذلك الارتفاع لزيادة الطلب في منطقة الخليج العربية نتيجة العوائد الضخمة للنفط إضافة إلى زيادة استخدام أوروبا الغربية للوقود الحيوي المستخرج من الحبوب ..
هناك أسباب تعود كذلك إلى تأثير القدرة الشرائية في الأزمة خاصة لدى الطبقات الفقيرة حيث أحيانا ما يكون الغذاء متوافرا ولكن السكان لا يستطيعون شراءه ففي الوقت الراهن يواجه نحو مليار شخص ممن يعيشون على أقل من دولار يوميا وهو (حد الفقر المدقع ونحو 1,5 مليار آخرين يعيشون على ما بين دولار ودولارين يوميا وهو (حد الفقر) وفقا لمؤشرات البنك الدولي مشكلة حقيقية تقترب من حد المجاعة بسبب الأزمة الطاحنة غير المسبوقة ..
كما أن نقص المعروض من الحاصلات الزراعية نتيجة نقص المساحات المنزرعة في العالم وزحف المدن على المناطق الزراعية وانتشار ظاهرة الجفاف في مناطق كثيرة من العالم في مقدمتها الحزام الصحراوي في إفريقيا الذي يقع العالم العربي ضمن نطاقه وكذلك استراليا وآسيا ..
هناك أسباب أخرى لا يمكن تجاهلها فمساحة الأراضي القابلة للزراعة في العالم تقدر في حدود ثلاثة مليارات هكتار وهي مساحة تزيد على المستخدمة حاليا في إنتاج المحاصيل والأغذية الزيتية وغيرها ومع ذلك نجد يتم استغلال حوالي 70٪ من تلك الأراضي القابلة للزراعة في الدول المتقدمة و36٪ فقط من هذه الأراضي بالبلدان النامية والفقيرة ..
أيضا هناك خلل مسؤولة عنه الدول الصناعية الكبرى وبعض البلدان التي تحولت إلى الأنشطة الصناعية والتعدينية بكثافة زاد من تفاقم أزمة الغذاء العالمية ..
أما أحدث الأسباب المؤثرة في الأزمة فتلك المرتبطة بالمضاربات في بورصة الحبوب التي أدت إلى ارتفاع أسعار السلع الغذائية بنسبة 30 ٪ تماما كما حدث في سوق الذهب لجني الأرباح ولكن هذه المرة على حساب غذاء الفقراء ..
والنتيجة أن الأزمة ستظل تراوح مكانها بحثا عن مخرج وحلول دولية لأن التداعيات ستمتد من الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للأزمة إلى تهديد الاستثمارات التي ستتحول لدى بعض الدول إلى زيادة مخزون المواد الغذائية على حساب المشروعات العامة غير الملحة كما هو واضح في القرار الذي اتخذته ماليزيا بتجميد مشروعات بقيمة 1,3 مليار دولار لصالح الغذاء ..
الأمم المتحدة دخلت على الخطة وواضح أن معركتها القادمة ليست سياسية بقدر ما هي إنسانية لإنقاذ البشرية من خطر العولمة وغول الجوع الذي كشر عن أنيابه وذلك من خلال
اتفاقها مع منظمات دولية على تشكيل خلية أزمة لمواجهة الأزمة الغذائية العالمية ووضعها تحت السلطة المباشرة للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الذي شدد علي أن الأولوية الراهنة هي إطعام الجياع طالبا من الدول المانحة الاستجابة بشكل عاجل وكامل إلي الدعوات التي وجهت لجمع أموال الإغاثة..
وأعتقد أن روشتة الإصلاح والعلاج لا بد أن تبدأ من ملف تحرير التجارة العالمية والوصول إلى صيغة تحفظ حقوق دول الجنوب الفقير بعد استمرار تعنت دول الشمال حول المسألة الزراعية التي تحسم حتى الآن ..
أيضا مسألة فرض حظر تام على الوقود الحيوي الذي يعتبر احد أسباب ارتفاع اسعار المنتجات الزراعية ينبغي أن يكون أمرا مفروغا منه لأنه موضوع يهدد غذاء الإنسان ويحوله إلى وقود لصالح الأغنياء ..
الملف يحتمل كثيرا من التحليل في ظل العديد من المعطيات والمتغيرات التي ترتبط بالتطورات السياسة وانعكاساتها على الأزمة..
ولكن من المهم جدا أن ننبه ونشدد على أهمية أن ننتج في العالم العربي غذاءنا وأن نستثمر بشكل أفضل في مشروعات الزراعة الحديثة وأن نكافح من أجل الحصول على التقنية الزراعية المتطورة..
لنجعل التنمية الزراعية في أولويات أهداف الاستراتيجية العربية خاصة ونحن سنواجه خلال السنوات القادمة تحديات زيادة السكان وارتفاع تكاليف فاتورة الغذاء وربما منع تصديره إلينا..

  رجوع