الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

ثمن الهزيمة الرهيب!

إن القول بأن حرب العراق كانت فكرة سيئة وكان تنفيذها أكثر سوءا يذكرني بقول الدبلوماسي الفرنسي الملقب بأمير الدبلوماسيين شارل موريس دي تاليران الساخر بشأن أسرة آل بوربون لدى عودتهم إلى السلطة في فرنسا في عام .1814 قال الداهية تاليران الذي كان وزيرا لخارجية فرنسا في زمن نابليون، وكان ذكياً، حاضر البديهة، مراوغاً، متطرفاً في آرائه: «إنهم لم يتعلموا شيئا ولم ينسوا شيئا«. إن الاقتباس العشوائي من كلام منتقدي حرب العراق مثل زبجنيو برجنسكي، وتشوك هاجل، أو ديفيد كلكولين لا يفيد في دعم هذه المناقشة، شأنه شأن الانتقاد الشديد لإدارة الرئيس بوش والملاحظات حول تدني التأييد للحرب.
إن كل حرب طويلة في التاريخ الأمريكي، لاسيما الحرب الثورية والحرب الأهلية كانتا غير محببتين. حتى أبراهام لينكولن كان مقتنعا بأن الحرب الأهلية يمكن أن تتسبب في خسارته لانتخابات عام .1864 وعلى الرغم من ذلك، قرر لينكولن مواصلة الحرب معتقدا أن إنقاذ الاتحاد كان أكثر أهمية من حظوظه السياسية.
أنت تصر على مناقشة ما إذا كانت حرب العراق فكرة جيدة حتى وإن كان هذا السؤال لا يحدد بالضرورة ما إذا كان الانتصار في هذه الحرب يبرر تكلفتها. لكن ليكن ذلك، ففي ضوء الحقائق الاستراتيجية التي واجهت صناع القرار الأمريكيون في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كان هناك ما يكفي من مبررات لقرار الإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين.
وعلى الرغم من أنه اتضح أن عراق صدام حسين لم يكن يمتلك أي مخزون من أسلحة الدمار الشامل، على عكس المعلومات الاستخبارية التي كانت متوفرة لإدارتي الرئيس بيل كلينتون والرئيس بوش، ولكل الحكومات الأخرى في العالم تقريبا ــــ كان لدى صدام حسين برنامج متقدم لإنتاج أسلحة الدمار الشامل، فضلا عن وجود عنصر نووي قوي اكتشفه مفتشو الأمم المتحدة للأسلحة في أعقاب حرب الخليج الأولى عام .1991 وكان هناك سجل كبير يفيد بأن الرئيس صدام حسين قد استخدم الأسلحة الكيماوية ضد شعبه وجيرانه. كما كان صدام حسين يعتبر نفسه صلاح الدين الجديد وكان واثقا من إعادة بناء قدرات إنتاج أسلحة الدمار الشامل بمجرد انهيار نظام العقوبات المفروض عليه من الأمم المتحدة. وكان صدام في ذلك الوقت يستمتع بمكانة قوية في العالم العربي بأنه هزم الأمريكيين. علاوة على ذلك، كان نظام العقوبات على وشك الانهيار خلال الفترة من 2001ــــ2002 حيث عمل الروس والصينيون، حتى الأوروبيون من ذوي المصالح على تقويض هذا النظام وإنهائه.
لقد كانت العلاقة بين صدام حسين والإرهاب حقيقية وموثقة بما يكفي. وكما أشار ستيفن هايس في صحيفة ويكلي ستاتدارد، «قدم نظام صدام حسين الدعم للعديد من المنظمات الإرهابية بما فيها تنظيم القاعدة». وقد يكون صحيحا أن صدام حسين لم يكن متورطا في التخطيط العملي لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، لكن هذه النقطة ليست ذات صلة بالموضوع. على سبيل المثال، ليس هناك أي دليل على أن هتلر كان على علم بأن الجنرال الياباني هيديكي توجو يخطط للهجوم على بيرل هاربر، وقد اختلفت قوى المحور بشأن العديد من الأمور الأيديولوجية والاستراتيجية. بيد أن هذا لم يمنع فرانكلين روزفلت من اعتبار هتلر وتوجو عضوين في تحالف من الأعداء. وبالمثل، أعطى روزفلت مصداقية للقول أنه كان ينبغي على الولايات المتحدة أن تركز على هزيمة اليابان لأنها كانت عدوا لنا عندما اعتدت على بيرل هاربر. وبالتالي قرر روزفلت التركيز أولا على هزيمة ألمانيا، التي اعتبرها أكثر الأعداء خطورة على المدى الطويل وكان محقا في ذلك.
إن المفهوم القائل بأن العراق يشكل مسرحا رئيسيا للحرب على الإرهاب ليس من اختراع إدارة الرئيس بوش، فهذه الرؤية تكررت كثيرا على لسان كبار زعماء تنظيم القاعدة بمن فيهم أسامة بن لادن. وبالمثل، يا جو إن قولك بأن حكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي متحالفة مع إيران هو أمر بعيد كل البعد عن الوضوح. فعلى الرغم من العلاقات الدبلوماسية، ينبغي القول ان حكومة المالكي تخشى من طهران وأنها نجحت مؤخرا في شل حركة جيش المهدي الصدري.
هذا يعود بنا إلى السؤال حول ما إذا كان الانتصار في العراق يساوي التكلفة الفعلية والتضحية بالدم والغالي. والإجابة هي نعم، وأفضل طريقة لتأكيد هذا الكلام هي النظر إلى عواقب الهزيمة. إن بديل الانتصار ليس الانسحاب بكرامة من العراق أو إعادة الانتشار. البديل هو أن ينظر إليك الجميع وأنت تفر وتعجل بالخروج، وأن تكون مسؤولا عن كابوس إنساني واستراتيجي كبير سوف يحل على المنطقة. إن هزيمة الولايات المتحدة الأمريكية في العراق يمكن أن تؤدي إلى إنشاء معقل للقاعدة في قلب العالم العربي، وإفساح المجال لإيران لكي تصبح القوة الإقليمية الحقيقية. كما أن الدول العربية الأخرى المتحالفة مع الولايات المتحدة سوف تهرول من أجل استرضاء إيران في أعقاب الانسحاب الأمريكي. أما مجرد التفكير في أننا سنركز بعد ذلك على محاربة القاعدة في أفغانستان وباكستان فهو أمر لا يستند إلى أي أرضية استراتيجية. إننا إما أن نهزم القاعدة والمتطرفين المرتبطين في كل مكان ونختار مواصلة القتال أو أن نتعرض إلى الهزيمة في كل مكان. أما القول بغير ذلك، فهو يعادل القول بأنه كان ينبغي علينا خلال الحرب العالمية الثانية أن نحارب ألمانيا في أوروبا، وأن نترك الجنرال روميل يغزو شمال إفريقيا.
وبقدر سوء هذه العواقب المتشابكة، ربما تكون العواقب الرمزية أكثر سوءا. لا شك أن للمفاهيم والأفكار أهمية كبيرة في المواجهة الدائمة مع المتطرفين. إن الفكرة القائلة بأن الولايات المتحدة، أصبحت كما يقول ابن لادن «حصانا ضعيفا» بسبب تعرضها لسلسلة من الهزائم المذلة في فيتنام والصومال، ولأنها لم تفلح في الرد بقوة على التفجيرات التي نفذها تنظيم القاعدة في سفارتيها في عام ،2000 والهجوم على المدمرة كول هي التي دفعت القاعدة لتنفيذ هجمات مباشرة داخل الولايات المتحدة. كما أن الفكرة نفسها هي التي تسببت في زيادة شعبية ابن لادن في العالم الإسلامي. إن انسحاب القوات الأمريكية من العراق بسبب تعرضها لهجمات منظمة من الجماعات المسلحة التي تتلقى الدعم من القاعدة سوف يثبت أن ابن لادن كان على صواب، وأنه من المتوقع منه أن ينفذ هجمات جديدة ضد أهداف أمريكية في الداخل والخارج.
* شريك في مكتب بيكر هوستيتلر في واشنطن، ومحرر مساهم في مجلتي ناشيونال ريفيو، وناشيونال انترست. وقد خدم في العديد من المناصب السياسية والقانونية في إدارتي الرئيسين رونالد ريجان وجورج بوش الأب.

ديفيد ريفكين
لوس أنجلوس تايمز

  رجوع