قد يتم نشر هذه السطور في الوقت الذي تتجه فيه مشكلة
مديوينة «دبي العالمية» و«نخيل» التي هزت أسواق المال في
المنطقة والعالم الأيام الماضية إلى بداية طريق الحل لكن
ذلك يجب ألا يعني أن تتوقف المناقشات حول ما يجب استخلاصه
من عبر.
إن هناك من يعتقد أن دبي قد تعجلت في الإعلان عن طلب تأجيل
سداد الأقساط التي ستحل حتى مايو 2010، وكان يجب أولا ان
تبذل الجهد الكافي للحوار مع الدائنين اللهم إلا إذا كان
ذلك قد حدث دون إعلان ولم يكتب له النجاح – أي الحوار –
ومن ثم تم الاعلان عن المديوينة، وهناك من اعتبر أن
الإعلان تطبيق عملي لوعد الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم –
حاكم دبي ورئيس الوزراء ونائب رئيس دولة الامارات –
بالوضوح والتواصل المفتوح، ولكن رد الفعل العالمي من
المؤسسات المالية والمصارف والذي جاء حادا، ومبالغا فيه
جعل البعض يذهب إلى حد القول إن إعلان المديونية في ذلك
التوقيت كان مقصودا منه استجلاب هذا الرد كأداة ضغط لتسريع
التفاوض حول إعادة الجدولة.
إن أصول موانئ دبي وحدها وهي شركة تابعة لدبي العالمية
تساوي أكثر من 165% من المديونية ولا أحد من المنزعجين
فيما اعتقد يساوره أدنى شك في مستقبل دبي غير أن الرد
المبالغ فيه على الحدث لا بد أيضا أن يستوقفنا فجزء منه
طبيعي بالتأكيد لكن جانبا آخر منه سببه أن المضار الحقيقي
من الإعلان بشفافية عن المديونية هم المضاربون العقاريون
وحملة الأسهم ذات الصلة أو الباحثون عن فرص في اسواق المال
ضيعها عليهم ذلك الاعلان، وفي الحقيقة أيضا فإن عمليات
إعادة الهيكلة التي أعلنت عنها دبي للشركات التابعة
للحكومة ستنطوي بكل تأكيد على زيادة الإفصاح والانضباط
الإداري وتدقيق السياسات الاستثمارية وقد يكون هناك من
يؤذيه أيضا مثل تلك التوجهات، وكما قال لي صديق على اطلاع
إنه يستغرب لأن من يتابع ما يكتب في الصحافة العالمية،
ووكالات الأنباء ويقرأ التحليلات عن انهيار النموذج أو
بداية النهاية أو تداعي تجربة يتصور أن دبي قد أفلست وطويت
صفحتها، وكأن كل ما أقيم فيها من أصول عقارية وسياحية
وترفيهية ضخمة نراها بأعيننا سيتبدد هباء بفعل سحر شرير
اسمه المديونية والواقع كما يراه الصديق غير ذلك، مضيفا أن
من غير المعروف أن ديون دبي تستحق على 20 عاما من الآن وما
تم طلب تأجيله في حدود 5 مليارات بين ديسمبر 2009 ومايو
2010، إلا أن تشابك اقتصاد دبي مع العالم والعديد من دول
العالم غربا وشرقا، ساهم في اتساع حالة القلق. ومن متابعة
على أكثر من صعيد مع معنيين من اتجاهات ومواقع شتى فإن
السيناريو المقبل قد يجيء على النحو التالي :
* إعلان دبي في الفترة المقبلة عن بلورة صيغة توافقية مع
الدائنين الرئيسيين، على جدول سداد للديون المستحقة على
مدى زمني محدد، وربما يدور حول عام.
* الإعلان عن تجميد مشروعات بشكل طويل الأجل، أو ربما
عمليا وبوضوح إلغاء بعضها خاصة مشروعات شركة نخيل العقارية،
وهي المدين الأكبر ضمن دبي العالمية، والتي تستحوذ على ما
يزيد عن 70% من الديون.
* من الوارد ان يتم اللجوء إلى تسييل بعض الاستثمارات
الخارجية، وفق جدول يضمن عدم فقدان هذه الأصول لقيمها، على
أن يتم البيع دون خسائر اكتفاء بالتضحية بما كان يجب أن
يتحقق من أرباح.
* إجراء مزيد من التغييرات على إدارتي دبي العالمية ونخيل
في القلب منها، تشكيلا ومنهجا، اتساقا مع طلب من جهات في
دولة الامارات نفسها وطبقا لما كشفت عنه التجربة العملية
ذاتها.
* دخول أبو ظبي إما كداعم، أو شريك في بعض المشروعات
المنتقاة، وفق شروط محددة، تضمن إدارة رشيدة للمشروعات في
دبي، وسياسة أكثر وضوحا بشأن الاستثمارات الخارجية، وإعادة
هيكلة المشروعات الجارية ويتوقع العارفون أن تشهد الأشهر
المقبلة العديد من الإجراءات من خلال لجنة السياسات
المالية في دبي، تتركز على إيجاد شركاء محليين من داخل
الإمارات، بالتعاون مع أبوظبي، وعدم اللجوء إلى بيع أصول
للاجانب إلا في حدود ضيقة جدا، على أن يكون هذا هو الخيار
الأخير. لقد دار حوار متحفظ في لغته حسبما اعتاد أهل
الإمارات بين أبو ظبي ودبي حول ما يمكن ان تسهم به الأولى
في حل ازمة الدين وسيصل الحوار مهما كان من تباين وجهات
النظر في البداية إلى محطة نهاية مقبولة وشيكا، وقد ظهرت
بواكير النهاية الطيبة حتى من قبل الاتفاق على أسس للحل
وتمثل ذلك في دخول مصرف الإمارات المركزي من خلال فتح خط
ائتمان جديد للبنوك الإماراتية وفروع البنوك الأجنبية
كخطوة مهمة، كانت لأزمة حتى لعدم تعريض بنوك أبوظبي
الدائنة لمؤسسات في دبي لمشاكل سيولة وهي خطوة أكدت تعاون
الدولة الاتحادية بما فيها أبوظبي على دعم دبي في هذه
المرحلة.
ان من يتابع مجريات الأمور في دبي خلال آخر شهرين، سيدرك
أن خطوة تأجيل الديون، تأتي ضمن خطوات أخرى، تمثلت في
إعادة هيكلة العديد من المؤسسات والشركات، واختيار كوادر
أخرى تنتمي إلى ما يمكن تسميتهم بالمحافظين او غير
المغامرين لإدارة كافة الشؤون المالية في دبي، بعيدا عن
الإعلام، واتباع سياسة الخطوة خطوة وتقديم رسائل طمأنة
عقلانية إلى العالم الخارجي وعلى لسان الشيخ محمد بن راشد
نفسه والشيء المطلوب والمهم في المرحلة الحالية اتباع
شفافية أعلى في التعامل مع المستجدات، وفي تعديل القوانين
والتشريعات بما يتواكب مع التفكير الجديد حتى لا تترك
الأمور للاجتهادات الشخصية، خصوصا ان اقتصاد دبي مرتبط
بعلاقات عضوية مع عوالم ومجالات بالغة التنوع، وله صلات
واسعة مالية واستثمارية مع العالم شرقا وغربا وفي قاراته
الخمس وكلنا يعرف الاصول التي اشترتها دبي – أو الحصص – في
المؤسسات العالمية الآسيوية والاوربية والأمريكية ويقتضي
الوصول إلى هذه المرحلة الكوكبية في التوسع الاستثماري
قواعد عمل مختلفة. بكل تأكيد قد يرى من خسر في البورصات
المضارة في دول الخليج ومصر وغيرها ان تلك نهاية العالم
خاصة المستثمرين الصغار وقد يرى آخرون أنها فرصة للشراء.
قد يشمت قوم أو يحزن آخرون لكن الذي سيتفق عليه الجميع هو
وجوب الالتزام بدرجة إفصاح أعلى تعين المستثمر على اتخاذ
قرارته وتجعل لأبحاث شركات بنوك الاستثمار التي لها أذرع
بحثية مصداقية إذ ليس من الصالح أن نرى أن كل البحوث
الصادرة عن أسواق الإمارات ودبي لم تستطع ان تتوقع من قبل
مثل تلك النتيجة (المديوينة) والأمر المريح أن متابعة حالة
البنوك مع أول يوم عمل يوم الاثنين الماضي كشفت أن حالة
السحب والإيداع عادية، وفي معدلاتها، بالرغم من حالة القلق
التي أثيرت خلال الأيام السابقة، ورافقتها توقعات بوجود
حالات سحب غير طبيعية (الودائع البنكية مضمونة من المصرف
المركزي)، وأحب هنا أن أوضح أن البنوك الاماراتية بشكل عام
لا تعتمد على ودائع الأفراد بالأساس في الحصول على ما
يلزمها من أموال بل تعتمد على ودائع قطاع الأعمال وعلى
الاقتراض من المؤسسات المالية. ورغم الهدوء الذي ساد سيظل
القلق عنوان الأيام المقبلة لكن القلق غير الذعر كما
تعلمون.