«إن سياسة الدول الملحقة بالغرب،خاصة العربية
منها، أدت، في الغالب،إلى تعميق الشرخ
الاجتماعي في داخلها،وأبقت المجتمع سجين
عصبياته السياسية وآليات الاستغلال الاقتصادي
والفساد الإداري التي همشت الغالبية الساحقة
من الناس ودفعتهم إلى أحضان الفقر،
والجوع،والمرض،والأمية».
لماذا يسيطر الغرب على العالم منذ عدة قرون
دون أن تنجح قوة من خارجه في كسر هذا الاحتكار؟
ذلك هو السؤال المنهجي الذي يكرره مئات
الباحثين كل يوم.
فقد تحدت اليابان الغرب،وأنزلت هزيمة كبيرة
بالأميركيين في معركة بيرل هاربر
إبان الحرب العالمية الثانية.لكنها سرعان ما
سقطت تحت الاحتلال الأميركي
منذ العام 1945 ،ولم تنجح حتى الآن في التخلص
من القواعد الأميركية المنتشرة على أراضيها
وفي مياهها الإقليمية منذ أكثر من ستين عاما.
وتحدى الاتحاد السوفيتي الغرب الأوروبي
والأميركي في عقر داره. فبنى حلف وارسو وكتلة
الدول الاشتراكية التي كانت تمتد غربا حتى
جدار برلين في قلب أوروبا.ودعم كوبا على بعد
كيلومترات من فلوريدا الأميركية.وكان شريكا
مباشرا في النظام العالمي الجديد طوال فترة
الحرب الباردة.لكنه هزم في نهاية تلك الحرب
عام ،1989 ودمر جدار برلين،وانهار الاتحاد
السوفيتي ومعه الكتلة الاشتراكية
السابقة،والتحقت دولها بالغرب،وتحولت روسيا
إلى دولة إقليمية تسعى لحماية نفسها من خطر
الدرع الصاروخية الغربية .
ووصفت الصين الشيوعية إبان ثورة ماوتسي تونغ
الثقافية الإمبريالية الأميركية بأنها نمر من
ورق. لكن الثورة انهارت. وتجاوزت الصين مرحلة
التصلب الإيديولوجي، وانفتحت على الغرب
بقوة.وباتت تفاخر بأنها وظفت قرابة خمسمائة
مليار دولار في سندات الخزانة الأميركية.وفتحت
أسواقها الواسعة أمام الرساميل الأميركية
واليابانية والأوروبية.وهي تعتمد سياسة الحذر
الشديد في مواجهة مناطق النفوذ الأميركي في
جميع بقاع العالم.
نخلص إلى القول أن نهضة الغرب شكلت القوة
المحركة لتاريخ العالم الحديث. فبدأ الغرب
الأوروبي نهضته مستندا إلى ثورات متلاحقة في
الصناعة، والمواصلات،
والتكنولوجيا،والفكر،وغيرها .وتحول إلى قوة
عالمية لم يعد بمقدور قوة أخرى أن توقف سيطرته
على العالم.وذلك يطرح تساؤلا معرفيا مسندا
بكثير من الوقائع التاريخية الدامغة.
تكمن أسباب غلبة الغرب في الثورات المستمرة في
داخله،والتي تشمل الثقافة،والبحث
العلمي،والسياسة،والاقتصاد،وطرائق التفكير ،والتخطيط
الطويل الأمد، ووضع التكتيك المرحلي في خدمة
أهداف إستراتيجية تبقي الغرب في موقع السيطرة
الدائمة،
وتمنع قيام أي قوة منافسة له ،في أي رقعة في
العالم. وتستند تلك الإستراتيجية إلى نزعة
واضحة للسيطرة على العالم،والتحكم بقواه
البشرية والاقتصادية، واستخدام العنف المباشر
ضد القوى التي تحاول تهديد ركائز سيطرة الغرب
على النظام جديد .
تجدر الإشارة إلى أن مفهوم الغرب المعولم لا
يتضمن المساحة الجغرافية التي انطلق منها، أي
أوروبا الغربية تحديدا، بل الغرب المندفع
باتجاه مناطق جغرافية أخرى باتت تنتسب إلى
الغرب. فالقارة الأميركية بكاملها أصبحت إحدى
قلاع الغرب.
واليابان التي تقع في أقصى الشرق ،تحسب اليوم
في خانة الغرب بعد أن ساهم في نهضتها الأولى .
ورغم الهزيمة التي منيت بها يعد الحرب
العالمية الثانية على يد الغرب ،ما زالت تصنف
في الكتلة الغربية،وتتبع سياستها الإيقاع
الأميركي على المستوى الكوني حفاظا على
مصالحها الكبيرة في عصر العولمة. وقد تعاطى
اليابانيون مع هزيمتهم العسكرية في الحرب
العالمية الثانية كهزيمة سياسية فقط دون
إعطائها أي بعد حضاري أو ثقافي . فشرعوا
أبوابهم لرساميل الغرب ،وتقنياته
الحديثة،وعلومه العصرية،من أجل تحويل الهزيمة
العسكرية إلى معجزة اقتصادية جعلت اليابانيين
اليوم إلى جانب الغرب الذي هزمهم.فهم في
المعادلة الدولية القائمة اليوم ،ينتسبون إلى
الغرب أكثر من انتسابهم إلى محيطهم الآسيوي
الذي ما زال يحاصرهم بدعوات الاعتذار عن
المجازر التي ارتكبها الجيش الياباني ضد دول
الجوار الآسيوية إبان فترة ما بين الحربين
العالميتين.
لا تنبع قوة الغرب فقط من تجربته التاريخية
الخاصة بشعوبه بل أيضا من جهدهم المتواصل في
نشر معارفهم العصرية على امتداد العالم كله.
وهنا يكمن سر نجاح الغرب الحقيقي في الانتقال
من الغرب الجغرافي إلى الغرب الثقافي أو
المعرفي المعولم. فتعريف الإنسان الغربي اليوم
يتضمن سمات عدة أبرزها المواطن الحر، والسكن
في بلد رأسمالي،اقتصاده ليبرالي ،ونظامه
السياسي ديموقراطي تحكمه دولة القانون
والمؤسسات،ولديه مجتمع مدني قوي،ونزعة ثابتة
باتجاه العلمانية.
واستبدلت التضاريس الجغرافية القديمة بفوارق
ذهنية ومعرفية وسياسية .فلم يعد الغرب يعتمد
اليوم على السيطرة العسكرية وحدها ولا حتى على
السيطرة العسكرية والاقتصادية معا،بل أيضا على
المحرك المعرفي. وهو لم يأبه بثقافة المجتمعات
المتخلفة التي سيطر عليها،بل دعا شعوبها إلى
تجاوز أحلامها الرومانسية ودفعها
إلى الالتحاق،طوعا أو قسرا،بمصادر المعرفة
الجديدة التي كانت من صنع علماء الغرب بالدرجة
الأولى .
الأخطر من ذلك أن الغرب بات مكتفيا بالغرب دون
غيره من مناطق العالم. فقد جعل مصادر قوته
تتزايد باستمرار . وهو لم يكن يوما داعية سلام
بل صاحب مشروع للهيمنة،وتدمير جميع القوى
المعارضة له على المستوى الكوني. وهو يعيد
تجديد سيطرته بأشكال متعددة وصولا إلى عولمة
غربية الصيغة للسيطرة والتفوق .
أما العلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة
فهما حجر الزاوية المعرفي في مشروع السيطرة
الغربية. وهما على علاقة مباشرة بإستراتيجية
الحرب والتفوق،وإعادة تنظيم المجتمعات البشرية
بما يضمن استمرار السيطرة الغربية عليها . في
حين أن الربح المتزايد يشكل هاجس الغرب الثابت
في إستراتيجيته الكونية.
لكن قبضة الحديد التي يستخدمها للدفاع عن
مصالحه تستدعي السيطرة والتدخل المباشرة على
رقعة من العالم ،دون الأخذ بالاعتبار مفاهيم
سيادة الدول الوطنية، واستقلال الشعوب،وحقوقها
السياسية التي ضمنتها لها الأمم المتحدة. لذلك
بات الغرب مركز القرار العالمي في الحرب
والسلم. وهو مسؤول عن التقدم العاصف الذي
تشهده البشرية في مختلف المجالات بقدر
مسؤوليته عن تخلف المجتمعات
خارجه،والبؤس،والإفقار،والإذلال،والتجويع،والتصحر،والتلاعب
بالبيئة،والاحتباس الحراري وغيرها. والمجتمع
المعولم هو مجتمع لا حدود له ولا تخوم. وكل
دولة تعتمد خصائص الغرب النهضوية تصنف في
خانته. وذهنية الهيمنة الغربية هي ثمرة الحروب
التي يخوضها الغرب ضد الشعوب والدول ،وهي التي
طبعت مراحل التاريخ الحديث والمعاصر .وكانت
أبرز تجلياتها في الرقعة لجغرافية التي تعرف
اليوم باسم الغرب الأوروبي. فشهدت أراضيها
معارك طاحنة كان لها تأثير مباشر على التاريخ
الكوني منذ تدمير روما لقرطاجة حتى الحربين
العالميتين، وحروب البلقان الأخيرة.وشكلت تلك
الحروب حافزا لتطوير العلوم والتكنولوجيا من
جهة،إلى جانب نشر مباديء العقلانية ،والحداثة
،والفردانية،والديموقراطية،وحقوق الإنسان،
والليبرالية،والثقافة الكونية، من جهة أخرى .
هكذا اقترنت فكرة التفوق لدى الغربيين بنوع من
الشعور بالعنصرية،والفاشية، والنازية
والديكتاتورية. فبدأ الغرب سيطرته أولا على
الآخر غير الغربي ثم على الآخر الغربي نفسه من
خلال حربين عالميتين.وبات الغربي معتدا
بقدراته العسكرية والاقتصادية
والتكنولوجية.ولم يكن على استعداد للتنازل حتى
للغربي الآخر في مجال اقتسام المغانم أو
الهيمنة بالتساوي.و تؤكد الذاكرة الجماعية
الغربية على أن الغرب شكل القوة الاستعمارية
الأكثر شراسة في التاريخ الحديث والمعاصر،وما
زال لديه نزوع ثابت نحو ذلك الإرث الاستعماري.
ختاما،استغل الغرب تفوقه العلمي والتكنولوجي
لبسط سيطرته على العالم وليس لإنقاذه. وفي ظل
هيمنة الغرب أصبحت الحرب ثابتا من ثوابت
العلاقات الدولية.
وباتت الإستراتيجية التوسعية الغربية،خاصة بعد
اقترانها بالمشروع الاقتصادي
الرأسمالي،الإستراتيجية العالمية الوحيدة التي
تتحكم بالبشرية كلها.أما سياسة الدول الملحقة
بالغرب،خاصة العربية منها، فأدت في الغالب،إلى
تعميق الشرخ الاجتماعي في داخلها،وأبقت
المجتمع سجين عصبياته السياسية وآليات
الاستغلال الاقتصادي والفساد الإداري التي
همشت الغالبية الساحقة من الناس ودفعتهم إلى
أحضان الفقر. والجوع،والمرض،والأمية. وهي تخضع
لسيطرة الغرب بصورة تامة بعد أن فقدت القدرة
على إطلاق مشروع تنموي شامل على المستوى
العربي.وما يدعو إلى الأسى أن القوى المناهضة
للغرب مازالت مفككة وعاجزة عن إطلاق عولمة
أكثر إنسانية.