«إن المشهد الإعلامي المغاربي قد عاش نقلة
نوعية كبيرة وأصبح يتطلع إلى مستقبل أكثر
حيوية مما كان عليه في منطقتنا ويمكن كذلك أن
نقول ان اهتمام الفضائيات العربية بمنطقة
المغرب العربي اضافة إلى بقية المسهلات
الاعلامية والتكنولوجية قد هيأ سوقا تناهز
ستين مليون مستهلك قابلة للزيادة».
لم يعد خافيا على الجميع ان عولمة المعلومة او
ما تم التواتر على تسميته بثورة المعلومات
والاتصالات قلبت المشهد والأنظمة والمفاهيم
التي طبعت عليها العقول في الفترات الماضية،
مما نتج عنه بروز مفاهيم وادوات وسائطية جديدة،
أبدعت عصرا رقميا متفاعلا أنتج بدوره فاعلين
جددا يتقدمهم العاملون في مجال تقنية المعلومة
والاعلاميون المهتمون بإنتاج الصورة وصناعة
المشهد الاعلامي.
وبهذه الافرازات ندخل العصر التكنولوجي
والتقني المتسارع الذي يخترق الحواجز بين
الدول والمجتمعات ويسعى إلى فتح الحدود على
مصراعيها بل ويحول الكرة الارضية إلى قرية
كونية صغيرة تحولت بدورها إلى سوق مفتوحة يلعب
فيها الاعلام بكل وسائطه الدور الابرز والفعال.
ولا شك انه من افرازات ومظاهر هذه التكنولوجيا
المعاصرة ان تغييرا كبيرا قد حصل في نمط
الانتاج والاتصال والتداول مما ترك أثره على
النشاط البشري في مجمله بما في ذلك البنية
الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وحتى
السياسية.
واذا كان الاعلام كما يقول احد المفكرين
الغربيين (جريجوري) بأنه التباين الذي يصنع
التباين؛ فلا غرو ان يكون أول المستفيدين من
العصر الرقمي وان تحظى صناعته بمزيد من
الاهتمام والمواكبة من طرف كل من يسعى الى
ولوج الصدارة؛وذلك باعتباره عنصرا أساسيا في
عملية التغيير وسبيلا استراتيجيا نحو كل هيمنة
سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وعسكرية،
لكن هذا الفهم بهذا الاسلوب ما زال في خطواته
الأولى وربما تم الاهتمام به مؤخرا حيث ظهر
الاهتمام بالفضاء السمعي البصري بالشكل الذي
يتجاوز الحدود في ابعاده الاستراتيجية منذ
بداية التسعينات عند بعض من المهتمين في
منطقتنا العربية وربما كان ذلك نتيجة تداعيات
كثيرة منها السياسي والاقتصادي والاجتماعي
وذلك بعد ان ظل اعلامنا العربي تقليديا في كل
شيء ومجرد بوق بيد الحكومات واداة يلعب بها
اكثر من لاعب ولغايات ذاتية وآنية. ولم يستطع
ان يستعيد استقلاليته لعقود طويلة لبعده عن
صوت الاغلبية في العالم العربي ولارتباطه
الدائم بالنخب المسيطرة على دواليب الدولة،
ولعدم مسايرته للتحولات التي تحدث هنا وهناك.
وانطلاقا من هذه الرؤية سنفرد حديثنا هذا حول
الإعلام المغاربي في خضم التحولات التكنولوجية
الهائلة، وبشكل أكثر تحديدا سأتناول الأنماط
المحتملة للتغيير في الإعلام المغاربي، وهنا
لا بد أنكم تدركون أن هذا الإعلام هو جزء من
المنظومة الإعلامية العربية التي تقع تحت
دائرة الضوء وهي الأكثر أهلية للتأثر بمجمل
الأنماط التي حاصرت إعلامنا العربي بما فيها
من إيجابيات وسلبيات وربما بما تحمله معها من
تبعات وغايات سياسية واقتصادية وحتى اجتماعية
وثقافية.
وبما أن التقانة الإعلامية العربية قد بدأت في
المشرق العربي والخليج قبل المغرب العربي إلا
أنها بدأت كذلك تلقي بظلالها على المنطقة
المغاربية مستخدمة ثورة المعلومات المعاصرة
وأخذت الفضائيات العربية تتسابق نحو منطقة
المغرب العربي وإن كانت هذه المنطقة تشكل حالة
استقطاب للفضاء السمعي الأوروبي والفرنسي منه
بشكل خاص والتي سلطت الأضواء في أكثر من مرة
على قضايا هذه المنطقة وما جرى بها من أحداث
وأزمات لكنه مع الظهور القوي للفضاء السمعي
البصري العربي المشرقي منه والخليجي أفضى إلى
التخفيف من وطأة الإعلام الأوروبي، وكانت أولى
القنوات العربية التي كان لها حضور قوي في
المنطقة قناة 1 cbmGd التي استهدفت الجمهور
المغاربي وتلت ذلك قنوات أخرى منها nbi لتي
خصصت نشرة مغاربية تماما كما فعلت cbl ودبي
المغاربية وقد تلت هذه المبادرات مبادرة قناة
الجزيرة التي فتحت مكتبا إقليميا لها في
المنطقة ومنه تنطلق النشرة المغاربية اليومية
التي تتتبع المشهد السياسي والاجتماعي.
لقد أحدثت كل هذه التجارب أنماطا جديدة من
التعاطي واوجدت أبعادا تعددية في الذهنية
المغاربية، بل فتحت مدرسة إعلامية جديدة ووضعت
حدا لتبعيتنا للمدرسة الفرانكوفونية التي كانت
تخلو من أية لمسة إبداعية مغاربية، وشكل ظهور
هذه التجارب حالة استقطاب للإعلاميين المغاربة
بل بدأ متغير إعلامي جديد يلوح في الأفق ويلقي
بظلاله على مستقبل المشهد الإعلامي المغاربي
الذي أصبح أكثر تعاطيا وأكثر حضورا من ذي قبل
ليكون منافسا قويا للحضور الإعلامي من بقية
الأقاليم ولا شك أن المعطى التكنولوجي
بالإضافة إلى التنميط والتعددية قد أعطيا
مجتمعين دفعا لم يكن في متناول إعلامنا
المغاربي، كما أن قوة التنافس المشرقية
والخليجية على المنطقة وجهوزية السوق
المغاربية لذلك أوجد بدوره روحا من الحيوية
والاستعداد الإيجابي بعد فترة طويلة من الجمود
والانشغال بالدائرة الضيقة.
إنه من الممكن أن نصنف مستقبل المشهد الإعلامي
المغاربي بأنه أكثر أهلية من ذي قبل وأن
الإصلاحات بدأت تلوح في الأفق معززة بنقلة
نوعية على مستوى استخدام التقانة المتطورة
وحتى على مستوى المادة الإعلامية التي أبدعت
فضاء مفتوحا للتحاور والتلاقي كان إلى وقت
قريب شبه معدوم، وأوجد هذا الانفتاح الإعلامي
ساحة خصبة للتنافس، بل حول الفضاء المغاربي
إلى سوق جاهزة لاستهلاك منتوج الفضائيات
العربية، وإذا كان هناك سؤال مازال مطروحا رغم
قوة التفاعل فهو: ما هي ردة فعل المشهد
الإعلامي الجديد؟ وإن سلمنا جدلا بأنه من ضمن
المنظومة من ما زال يغلق المجال السمعي البصري
أمام الإعلاميين الخواص، في وقت أشبعت فيه
الفضائيات العربية وكل افرازات التقانة الاخرى
من مدونات ومواقع الكترونية نهم المتلقي
المغاربي خصوصا في مجال المعلومة والخبر ووفرت
له مزيدا من المشاهدة والإفادة والاستهلاك،
وخففت من وطأة التجاهل والفراغ التي طالما
اشتكى منها المغاربيون خصوصا من الإعلام
المشرقي والخليجي.
إذا يمكن أن نقول: إن المشهد الإعلامي
المغاربي قد عاش نقلة نوعية كبيرة وأصبح يتطلع
إلى مستقبل أكثر حيوية مما كان عليه في
منطقتنا ويمكن كذلك أن نقول: إن اهتمام
الفضائيات العربية بمنطقة المغرب العربي اضافة
إلى بقية المسهلات الاعلامية والتكنولوجية قد
هيأ سوقا تناهز ستين مليون مستهلك قابلة
للزيادة، ويمكن أن نقول كذلك إن الفضاء
الإعلامي المغاربي قد بدأ يتعاطى في صناعته مع
إفرازات التكنولوجيا المعاصرة وأن هذه الأخيرة
قدمت من التسهيلات ما ترك أثره واضحا على هذا
الإعلام وعلى المتلقي كذلك. وقد أحدثت هذه
التكنولوجيا تغييرات جذرية كبيرة في الانماط
والممارسات وهيأت الإعلام المغاربي لأجل أن
يستفيد من بقية المشهد الإعلامي العربي خصوصا
منه ذلك الذي تهيأت له الفرص بأن يكون حاضرا
وفعالا بفعل هذه التكنولوجيا وبفعل فضاء
الحرية وهو ما فتح المجال أمام ظهور أنماط
أخرى من التداول الإعلامي لم تكن معروفة في
منطقتنا المغاربية كالمواقع الإلكترونية
والمدونات التي أصبحت تحظى باهتمام لا بأس به
وإن كان لا يزال يخطو خطواته الأولى لقوة الشد
والجذب الموجودة عند الفضائيات العربية.