«لكي تواكب السلطنة آفاق تقنية النانو الرحبة
والإفادة من نتائجها لمصلحة رقي مجتمعها
وتقدمه، نرى ضرورة اعتماد برنامج وطني شامل
لإعداد كوادر تقنية متخصصة بهذه التقنية على
وجه السرعة، بالإفادة من علاقات التعاون
الوطيدة القائمة مع الكثير من بلدان العالم
المتقدمة في إطار تبادل المنافع المشتركة، ذلك
أن تقنية النانو تشهد تطورات سريعة جدا، الأمر
الذي يتطلب أن نحث الخطى لامتلاكها وتوطينها
في بيئتها المحلية وجني ثمارها لتحقيق التنمية
العلمية المنشودة ».
يقصد بتقنية النانو (النانوتكنولوجي) معالجة
واستعمال المواد والأجهزة الصغيرة التي يمكن
صنع ما هو اصغر منها، أي صنعها بحجم الذرات
والجزيئات. يكون حجم مواد النانو عادة بين 0,1
و100 نانومتر، يعادل النانو واحدا من البليون
من المتر. وهذا الحجم هو الحجم الذي تؤدي فيه
الكائنات الحية وظائفها الأساسية، وتعطي
المواد بهذا الحجم صفات فيزيائية وكيميائية
غير اعتيادية ناجمة عن زيادة المساحة السطحية
بالمقارنة بالحجم حيث تصغر الجسيمات. إذا كان
نانومتر واحد يعادل عرض رأس دبوس تقريبا، فإن
مترا واحدا بهذا المقياس، يمكن أن يمتد مسافة
1000كيلومتر، لكن رأس الدبوس هو في الحقيقة
بعرض مليون نانومتر.عرض معظم الذرات من 0,1
إلى 0,2 نانومتر، قطر كريات الدم الحمراء مثلا
قرابة 7000 نانومتر. استفاد الإنسان من خواص
المواد غير الاعتيادية بمقياس النانو منذ قرون
طويلة، جسيمات الذهب الصغيرة على سبيل المثال،
يمكن أن تظهر حمراء أو خضراء، وقد استخدمت هذه
الخاصية لصبغ زجاج النوافذ منذ أكثر من ألف
عام.
يعود تاريخ تقنية النانو إلى العام 1959 عندما
شرح العالم الأمريكي ريجراد فيمان فكرة بناء
الاشياء بالحجم الذري والجزيئي وذلك في إحدى
محاضراته. إلا أن هذه الفكرة لم تأخذ طريقها
للتطبيق حتى عام ،1981 عندما قام الباحثون في
شركة( أي.بي.أم) الأمريكية بمدينة زيورخ
السويسرية، ببناء أول مجهر ماسح عرف يتيح رؤية
الذرات المنفردة بمسح مسبار صغير فوق سطح
بلورة سيلكون. اكتشف علماء شركة أي. بي. أم في
عام 1990 كيفية استعمال المجهر الماسح لتحريك
ذرات أكسنيون المنفردة حول سطح نيكل في تجربة
أكونية بإيعاز عيني للتسويق. طورت تقنيات أخرى
للتصوير بالمقياس الذري كان أبرزها مجهر القوة
التلقائية وتصوير الرنين المغناطيسي. كما
استطاع باحثون آخرون من هذه الشركة عن طريق
برنامجها(إبطاء وتخزين ومعالجة الضوء)
الاقتراب أكثر من حلم استبدال الكهرباء بالضوء
في إيصال المعلومات بين أجزاء الدارات. وهو
أمر سيؤدي إلى تطورات جذرية في أداء الحاسب
الآلي وكل الأنظمة الإلكترونية الأخرى، إذ
استطاع الباحثون إبطاء سرعة الضوء إلى واحد
على 300 من سرعته المعتادة عن طريق تمريره في
قنوات من السليكون المصنع بعناية بالغة، بجهاز
يسمى موجه موجات الكريستل الفوتوني. تسمح هذه
الطريقة للقنوات بتغيير سرعة الضوء عن طريق
تمرير تيار كهربائي لموجه الموجات. إن إبطاء
سرعة الضوء ليس بالشيء الجديد، إنما الشيء
الجديد هنا هو التحكم في سرعة الضوء على شرائح
سليكونية باستخدام وسائل تصنيعية تعتمد على
تقنية النانو، مما يجعل بالإمكان تصنيع دارات
ضوئية في غاية الصغرمن الحجم، وعملية في آن
واحد لوضعها في الأدوات المنزلية.يتوقع أن
يسهم هذا التطور في صناعة أول حاسوب آلي ضوئي
إذا ما تم صنع جميع مكوناته بأسعار معتدلة.
اكتشف الكيميائيون في عام 1985 كيفية ايجاد
جزيء من 60 ذرة كاربون على شكل كرة قدم،
أطلقوا عليه اسم الكرة الكبيرة. تم صنع لفة
فائقة القوة من ذرات الكاربون في عام ،1991
عرفت باسم نانو انابيب الكاربون، تمتاز هذه
اللفة بأنها أخف ست مرات وأقوى 100 مرة من
الحديد. استعملت نانو الأنابيب في صناعة
الألياف والبلاستك الصلد ورقائق الحاسوب
ومتحسسات الغازات السامة.
نجح العلماء بصناعة أجهزة ومعدات بمقياس
النانو منها على سبيل المثال: الترانزسترات
الصغيرة، وصمامات النانو الثنائية، ومتحسسات
النانو، والمكابس الجزيئية والمحركات
الكيميائية ومحارير النانو، وحاويات النانو
وغيرها. كما نجح الباحثون بإيجاد الوسائل
المناسبة بوضع البروتينات والحمض النووي (دي.
أن. أي) والفيروسات والبكتيريا والأحياء
المهجرية الأخرى للعمل لبناء مواد نانوية.
ويتوقع تحقيق نجاحات عظيمة باستخدام تقنية
النانو في العمليات الجراحية والأجهزة الطبية،
إذ فتحت هذه التقنية آفاقا رحبة في الطب
والجراحة حيث تبذل حاليا جهودا حثيثة لبناء
أوعية دموية جديدة بجسم الإنسان لعلاج تصلب
وإنسداد الشرايين، وتطوير روبوتات نانوية يتم
إدخالها إلى جسم ألإنسان لتحري الخلايا
المريضة ومعالجتها. وتجرى بحوث أخرى لمحاكاة
الأعصاب البشرية في الأجهزة الذكية حيث يتوقع
البعض تكوين بدائل للأعصاب وأنسجة الدماغ
لتوضع في أجهزة الحواسيب، وبالعكس أي صنع
ألياف متطورة لتحل محل أعصاب الإنسان
التالفة.وتشير بعض البحوث إلى إمكانية استعمال
تقنية النانو لإصلاح التلف في الحبل الشوكي
وتمكين المصابين بالشلل من الحركة.
وفي مجال الأدوية توصل العلماء إلى إنتاج
عقاقير طبية لمكافحة البكتيريا المقاومة
للمضادات الحيوية، كما تجرى البحوث حاليا
لتوجيه أدوية السرطان بواسطة قنابل ذهبية ذكية
صغيرة أو إطلاقات نانوية لتدمير الأجزاء
السرطانية، وكذلك تشخيص أمراض أخرى مثل مرض
الزهايمر ومكافحة الأمراض بواسطة مسبار صغير.
يؤمل علماء الأحياء المهجرية استخدام
الفيروسات كآلات تصوير نانوية لتكوين فكرة
واضحة عما يجري داخل الخلايا. وفي مجال البيئة
يمكن أن توفر تقنية النانو وسائل فاعلة لكشف
البكتيريا والتخلص منها، وكذلك تنقية مصادر
المياه من المواد السامة والمعادن الثقيلة
والملوثات الكيميائية العضوية. وفي مجال صناعة
الحاسوب يتوقع أن تؤدي تقنية النانو إلى تصنيع
رقائق مجهرية اصغر حجما واكبر قدرة مما سيساعد
على اختزال حجم الأقراص الصلبة. أثبتت بعض
التجارب أن بالإمكان صنع أجزاء صغيرة لحواسيب
داخل البكتيريا. تصنع حاليا رقائق حاسوبية
بالإفادة من التقنيات بمقياس النانو. وقد
تتطور تقنية النانو إلى حد اقتباس تقنية عمل
الخلايا واستعمالها في تجديد مكونات الحاسوب.
وكذلك في صناعة مكونات الحاسوب لا سيما
الأجزاء الصغيرة منها.
يتوقع أن تحل صمامات البث الضوئي محل مصابيح
الأضوية الحالية، موفرة بذلك تخفيض كبير
باستهلاك الطاقة. وفي المجالات العسكرية تمت
الإفادة من تقنية النانو بصنع اسلحة ومعدات
عسكرية اخف وزناً وأكثر كفاءة، وكذلك التحري
عن المواد الكيميائية والحيوية. تعتبر
الولايات المتحدة في طليعة البلدان المتقدمة
في حقل تقنية النانو، إذ تنفق الحكومة
الأمريكية قرابة المليار دولار أمريكي على
بحوث تقنية النانو سنويا.
على الرغم من فوائد تقنية النانو، فإن هناك
شعوراً ببعض مخاطرها الصحية، إذ أثبتت بعض
التجارب على الفئران أن استخدام تقنية النانو
قد سبب أضرارا لها في الرئتين. يشير تقرير
نشره (مجلس البحوث الوطني الأمريكي إلى
المخاطر البيئية والصحية وسلامة الحياة) التي
بدأت تفرزها المنتجات ذات الأحجام الصغيرة،
حيث أشار إلى أن هناك بعض الأدلة التي تشير
إلى أن لجسيمات النانو المعالجة هندسيا،
تأثيرات سلبية على صحة الحيوانات المختبرية،
وأنه من باب الاحتراز،يجب اتخاذ بعض الإجراءات
الاحترازية لحماية سلامة وصحة العاملين في
مجال هذه التقنية. تبلغ مقاييس المواد
المستخدمة في هذه الصناعة أصغر من 1 بالمليون
متر. وفي هذا القياس تبدأ حتى المواد
التقليدية تتصرف بطريقة غير تقليدية. وبعض
المواد التي لا تدير الكهرباء في حجومها
الطبيعية تصبح محركة للكهرباء بشكل ممتاز،
حينما تصغر حجومها كثيرا. لكن جسيمات النانو «التي
هي أصغر بكثير عما هي عليه في الوضع العادي»
قابلة للدخول إلى الخلايا البشرية وتثير ردود
فعل كيميائية في التربة، وتتدخل في العمليات
البيولوجية والبيئية. تشير التقارير إلى أن
هناك حاليا ما يقرب من 300 من المنتجات
الاستهلاكية موجودة ضمن مقاييس النانو، وهذا
يشمل أطعمة والكثير من مواد التجميل مع غياب
أي وثيقة تبين أية إجراءات تتعلق بالسلامة.
ولكي تواكب السلطنة آفاق تقنية النانو الرحبة
والإفادة من نتائجها لمصلحة رقي مجتمعها
وتقدمه، نرى ضرورة اعتماد برنامج وطني شامل
لإعداد كوادر تقنية متخصصة بهذه التقنية على
وجه السرعة، بالإفادة من علاقات التعاون
الوطيدة القائمة مع الكثير من بلدان العالم
المتقدمة في إطار تبادل المنافع المشتركة، ذلك
أن تقنية النانو تشهد تطورات سريعة جدا، الأمر
الذي يتطلب أن نحث الخطى لامتلاكها وتوطينها
في بيئتها المحلية وجني ثمارها لتحقيق التنمية
العلمية المنشودة.