ليس من المبالغة في شيء القول بأن العلاقات
بين الاشقاء على امتداد المنطقة العربية تمر
خلال السنوات الأخيرة بواحدة من اسوأ مراحلها،
ان لم تكن أكثرها سوءا. صحيح ان الخلافات بين
الاشقاء العرب هي خلافات قديمة ومستمرة بدرجات
وظلال مختلفة ومتفاوتة، ولكن الصحيح والمؤسف
أيضا انها لم تصل إلى المستوى الذي وصلته الآن،
لا من حيث هشاشة العلاقات التي يمكن ان تبددها
وتنسفها ركلة كرة، او هدف يسجله فريق عربي في
شباك فريق عربي آخر منافس له، ولا من حيث تدني
مستوى التعامل والخطاب بين الاشقاء، سواء في
الشوارع والازقة، او أمام آلات تصوير ومكبرات
الصوت في القنوات والاذاعات واجهزة الاعلام
العربية التي استخدمت اسوأ استخدام للاضرار
بالعلاقات بين الاشقاء. ويكفي ان ننتقل بين
القنوات والمحطات الاذاعية والمدونات
الالكترونية والمطبوعات العربية لنكتشف حجم
المأساة التي تعيشها العلاقات بين الاشقاء،
ليس فقط على صعيد العلاقات المصرية -
الجزائرية وما حدث مؤخرا بين مشجعي الفريقين،
والجميع يعلمه، ولكن أيضا على مستوى العلاقات
بين دول عربية عديدة، وبين جماعات وقوى وأطراف
سياسية داخل هذه الدولة العربية او تلك.
وإذا كان من المهم والضروري التأكيد على ان
تناول ملف الخلافات بين الاشقاء ينطلق فقط من
الشعور العميق بالمأساة التي يعيشها المواطن
العربي الذي يكاد لا يصدق ما يجري أمامه من
ممارسات من جانب الشقيق في حق اخيه من ناحية،
ومن الرغبة في دق ناقوس الخطر بالنسبة
لممارسات ينجرف اليها كثيرون لحسابات او من
منطلقات مختلفة، وربما تبدو سهلة لدى البعض،
من ناحية ثانية، الا انها تضر ضررا بليغا
بحاضر ومستقبل العلاقات العربية وبفرص العرب
كذلك على المستويين الفردي والجماعي ومتعدد
الاطراف ايضا في التعامل مع الدول او القوى
الدولية الأخرى، ليس فقط بالنسبة للقضايا
السياسية، ولكن أيضا في كل جوانب العلاقات،
وذلك بسبب ما تحمله الخلافات العربية من تمزيق
لاواصر الاخوة، ولامكانيات العمل العربي
المشترك على كافة المستويات.
وإذا كان من غير المطروح، ومن غير الممكن أيضا
صب الزيت على نار الخلافات العربية على أي نحو،
خاصة وأن ذلك يتنافى ومسؤوليات الاعلام الواعي،
فقد بادرني احد الاخوة بالقول ان العلاقات
العربية هي على امتداد العقود السبعة الأخيرة،
أي منذ اوائل اربعينات القرن الماضي، تعاني من
كثير من صنوف ومستويات الخلافات بين الاشقاء،
ومن ثم فإن الأمر ليس جديدا تماما، كما أشار
إلى عدد من الدراسات السياسية والاجتماعية
التي تناولت بالتحليل طبيعة العلاقات بين
الاشقاء العرب، وكيف ان الخلافات العربية تتسم
بالمرارة واللدد عندما تكون مع الشقيق، حتى
ولو كانت حول امور بسيطة !!
غير ان ما يستوقف كل الغيورين على حاضر العرب
ومستقبلهم، وهو حاضر ومستقبل لا يمكن ان يبنى
على اساس التقوقع والانفصال وإثارة الخلافات
وتمزيق العلاقات والمصالح المشتركة بين
الاشقاء، ان الواقع العربي الراهن لا يخدم أية
مصلحة عربية بقدر ما يخدم مصلحة اعداء العرب،
وأنه ليس من مصلحة أي طرف عربي ان تستمر هذه
الخلافات او ان تتفاقم وتتسع رقعتها مهما كانت
الحسابات لدى هذا الجانب او ذاك لأن قانون
الخلافات العربية هو ان الجميع خاسر في
النهاية، سواء على مستوى الدولة والمجتمع
الواحد او على مستوى الامة بدولها وشعوبها.
على أية حال فإنه من المهم والضروري الإشارة
إلى بعض الجوانب ذات العلاقة ولعل من أهمها ما
يلي :
** أولا : انه مع الاعتراف بأن العلاقات
العربية عانت باستمرار من خلافات بين الاشقاء،
سواء داخل الدولة العربية الواحدة حينا، او
بين دولة عربية وأخرى حينا آخر، وهو أمر
امتلكت القيادات العربية دوما وفي كل او على
الأقل معظم الاحيان القدرة على الارتفاع على
الخلافات، والعودة إلى لم الصف وانقاذ المصالح
الجماعية العربية، والامثلة في هذا المجال
أكثر من ان تحصى. وقد بات معروفا على كل
المستويات ان استعادة التقارب وتجاوز الخلافات
يبدأ بوقف الحملات الاعلامية المتبادلة وتهيئة
الاجواء بين الاشقاء بجد وإخلاص وعلى أساس من
الاحترام المتبادل. غير ان خطورة الخلافات
العربية في هذه المرحلة المحزنة في التاريخ
العربي تتمثل في نقطتين اساسيتين :
- اولهما التوظيف المتعمد للخلافات بين
الاشقاء لخدمة اغراض سياسية أخرى، حتى ولو
كانت تفريغ شحنات الاحباط لدى هذا الجانب او
ذاك، او إيجاد هدف يتم توجيه الاهتمام الوطني
الجماعي اليه لاستعادة التماسك الوطني او
لإيجاد نقاط او أمور تلتقي عليها الجماهير
بشكل او بآخر في ظروف محددة، او لاسباب
وحسابات أخرى بعيدة عن السطح وغير معلومة سوى
لأوساط عليا في هذا الجانب او ذاك. وهنا
تحديدا لا تكون الخلافات أمرا يمكن مناقشته
وتناوله بشكل موضوعي وبحثه للخروج بنقاط
التقاء او باتفاق لحل تلك الخلافات واستعادة
الود والتفهم المتبادل للعلاقات بين الاشقاء،
ولكنها – أي الخلافات العربية – اداة وأسلوب
لتحقيق اهداف لا علاقة لها بالجوانب او
القضايا الخلافية. واذا كان ذلك يزيد بالقطع
من صعوبات تجاوز الخلافات، لأن المرجعيات
والاسباب تكون أبعد وأعمق، فإن الخطر يصبح
مضاعفا عندما تكون الخلافات المصنوعة مقدمة
للمساس بتوجهات استراتيجية في العلاقات
العربية مثل التشكيك في الرابطة القومية بين
الاشقاء او في التقليل المتعمد من قيمتها او
قطعها او القفز على حقائق من غير الممكن القفز
عليها مهما علت الاصوات او تشنجت الايدي لأن
تاريخ العلاقات العربية حافل بما يكفي لاظهار
تهافت تلك المحاولات. ومع ان عمليات التوظيف
المتعمد للخلافات العربية سيظل سمة لسنوات
طويلة قادمة، لأسباب كثيرة، فإن التعويل يظل
دوما على القيادات المسؤولة والواعية لمخاطر
ما يجري، ولأهمية العودة بالعلاقات العربية
إلى ما ينبغي ان تكون عليه من تقارب واستجماع
لكل عناصر القوة المتاحة لكل الاشقاء.
- اما النقطة الثانية فإنها تتمثل في الدور
المدمر – دون أية مبالغة – للاعلام عندما يتم
توجيهه او استخدام آلته الضخمة لحشد الجماهير
وتوجيه نقمتها ضد بعضنا البعض. وليس من
المبالغة في شيء القول بأنه اذا كان تطور
وسائل الاعلام والاتصال قد اتاح لوسائل
الاعلام القدرة على الوصول السهل إلى كل فئات
وشرائح الجماهير وتوجيه اهتمامها في اوقات
محددة إلى قضايا او موضوعات او اهتمامات معينة،
فإن من الخطر استخدام هذه الطاقة المؤثرة لضرب
العلاقات بين الاشقاء او لزيادة تعقيداتها او
مشكلاتها.
واذا كان من المهم والضروري ان تعي وسائل
الاعلام العربية مسؤولياتها وادوارها، خاصة
فيما يتصل بتعزيز اللحمة بين الاشقاء وفي
تهيئة الاجواء لتجاوز أية خلافات قد تنشأ لسبب
او لآخر، فإن الدور والتأثير الاعلامي الكبير
أهم واخطر بكثير من ان تترك ادواته لهواة او
لأشخاص لا يملكون القدرة على التعامل مع
القضايا ذات المساس بالعلاقات بين الاشقاء،
ولا خطورة تأثير الاعلام على المستوى
الجماهيري خاصة في ظل مناخ الحشد او الاستقطاب
او التغذية الملتهبة للمشاعر الوطنية.
- ** ثانيا: انه في الوقت الذي تحتاج فيه كل
دولة عربية إلى استجماع وتكتيل قواها
وامكانياتها لتحقيق حياة افضل لابنائها،
وتحتاج فيه الدول العربية إلى دفع العمل
المشترك والتعاون فيما بينها، سواء في اطار
جامعة الدول العربية، او في إطار التعاون
متعدد الاطراف مثل مجلس التعاون لدول الخليج
العربية، او على المستوى الثنائي من اجل تنمية
الاستثمارات المشتركة ودفع منطقة التجارة
الحرة العربية والاقتراب من السوق العربية
المشتركة، فإنه من الخطأ، بل والخطيئة ان تكون
الاستثمارات العربية المشتركة، او مشروعات
العمل العربي المشترك، او التعاون التعليمي
والفني وغيره، بما في ذلك القوى العاملة
العربية ضحايا للخلافات بين الدول العربية على
أي مستوى من المستويات. وما زلت اذكر كيف تحدث
الامين العام الاسبق لجامعة الدول العربية
المرحوم محمود رياض في لقاء معه خلال زيارته
إلى مسقط قبل أكثر من عقدين من الزمن عن جهوده
التي بذلها بشكل شخصي من أجل ان يحصل على
موافقة القادة العرب على تأمين الاستثمارات
العربية وعلى عدم مصادرتها او الاضرار بها كما
كان يحدث من قبل.
وقد اعتبر الامين العام الاسبق لجامعة الدول
العربية ذلك انجازا كبيرا له شخصيا خدمة
للعلاقات العربية باعتبارها مدخلا ضروريا
لتعزيز التعاون العربي.
نعم قد تحدث خلافات بين الاشقاء لسبب او لآخر،
ولكن متى نرتفع على الخلافات ونعزل المواطن
العربي العادي والتعاون في المجالات غير
السياسية عن عواصف خلافاتنا ورياحها التي لا
تهدأ.
لقد بحت الاصوات من أجل ذلك ومن اجل اتباع
أنموذج الاتحاد الاوروبي في مجال تعزيز
التعاون في المجالات غير السياسية، ولكن طبيعة
الشخصية العربية فشلت حتى الآن في ذلك
والاسباب ليست فقط سياسية ولكنها اجتماعية
وثقافية وتاريخية أيضا. فإلى متى نمارس
الانتحار السياسي، ولصالح من ؟