«أعلنت مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية
للشؤون الإفريقية جينداي فريزر أن سياسة
حكومتها تؤكد على دعم كل الجماعات التي تعمل
للحيلولة دون أن يصبح الصومال ملاذا لتنظيم
القاعدة، وذلك في إشارة إلى دعم واشنطن لتحالف
أمراء الحرب الذي أطلقت عليه «التحالف لإرساء
السلم ومكافحة الإرهاب»،
إذا كانت ظاهرة الحرب بالوكالة قد شاعت خلال
سنوات ما كان يعرف بالحرب الباردة بين
الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد
السوفييتي السابق خلال الفترة من 1946 وحتى
العام ،1990 فإنه يصعب الجزم بأن تلك الظاهرة
أو الإستراتيجية، التي كانت القوى العظمى تلجأ
إليها في مواجهة بعضها البعض أو ضد خصومها
تلافيا للصدام المباشر عالى التكلفة، قد توارت
عن عالمنا بمجرد أن وضعت تلك الحرب الباردة
أوزارها، إذ لا تزال بؤر عديدة حول العالم
تعاني ويلات تلك الحروب حتى يومنا هذا، سواء
كانت طرفا فيها، أو أداة لقوى كبرى تحركها
وتمولها وتختلق لها الأسباب والمبررات، أو
كانت أراضيها مسرحا لتلك الحروب.
ولقد كان القرن الإفريقي إحدى البؤر العالمية
التي قدر لها أن تكون في آن ساحة وأداة ومقصدا
لتلك الحروب بالوكالة، التي توخت واشنطن من
خلالها تحقيق أهداف استراتيجية عديدة في
الصومال والقرن الإفريقي وربما القارة
الإفريقية برمتها ولكن من خلال الاعتماد على
وكلاء إقليميين لها في المنطقة أهمهم إثيوبيا
وتحالف أمراء الحرب الصوماليين، الذين أشعلوا
نيران الحرب الأهلية المباشرة مجددا في
الصومال منذ نهاية العام 2006 بين ميليشيات
متنافسة تمثل المحاكم الإسلامية جبهتها الأولى،
فيما تمثلت الجبهة الثانية في مسلحي تحالف
أمراء الحرب، الذي تدعمه واشنطن، والذي أعلنت
مصادر الحكومة الصومالية أنه هو الذي بدأ
الاشتباكات بعد أن هاجم مسلحوه مركبة تابعة
لمقاتلي المحاكم الإسلامية .
وبدوره، لم يتردد الرئيس الصومالي عبدالله
يوسف في تحميل الولايات المتحدة مسؤولية ما
لحق بالصومال من دمار ومآس إنسانية على خلفية
تجدد الحرب الأهلية التي تديرها عن بعد فيما
يقوم بها وكلاء لها، متهما إياها بتمويل تحالف
أمراء الحرب والقوات الإثيوبية توخيا لتحقيق
عدة أهداف:أولها،الحيلولة دون جعل الصومال
ملاذا آمنا لتنظيم القاعدة، الذي تعتقد واشنطن
بأن قوات المحاكم تأوي عناصر تابعة له، حيث
تنظر الولايات المتحدة إلى الصومال كهدف رئيس
في حربها ضد ما تسميه بالإرهاب، خصوصا أن رئيس
شورى المحاكم الإسلامية حسن ضاهر عويس متهم
لدى الأجهزة الأمريكية بالمشاركة في تفجير
سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار
السلام عام 1998 وفندق مومباسا في كينيا.
وتخشى واشنطن قيام نظام إسلامي مستقر في
الصومال يكون نموذجاً منافساً للنموذج
الأمريكي الذي يتم الترويج له أفريقيا، وحالة
نجاح النموذج الإسلامي في الصومال فإنه يمكن
أن يحدث خللاً في المعادلات الأمريكية بالقرن
الأفريقي. وهكذا فمنذ صعود المحاكم الإسلامية
ونجاحها في القضاء على أمراء الحرب، وتحقيق
الأمن والاستقرار وسيطرتها على معظم أراضي
الصومال، فإن الولايات المتحدة تبحث عن طريقة
للقضاء على هذه القوة الصاعدة وإن اضطرت
لإعادة الصومال إلى الفوضى. وفي هذا السياق،
تشير تقارير إلى أن عملاء بوكالة الاستخبارات
المركزية الأمريكية زاروا الصومال أكثر من مرة
أخيرا، كما أن أمريكا قامت بتأجير ميليشيات
محلية لخطف المشتبه في أنهم من عناصر القاعدة
وتسليمهم لأجهزة أمريكية.
وثانيها،الانتقام من الصوماليين جراء تجربة
التدخل العسكري الأمريكي الفاشل هناك عام 1993
والتي انتهت بتصوير المسلحين الصوماليين وهم
يجرون أجساد الجنود الأمريكيين في شوارع
مقديشيو، فاستحضار الأمريكيين لتجربتهم
السابقة للتدخل العسكري في الصومال، والتي
منيت القوات الأمريكية خلالها بفشل ذريع جعل
منها تجربة مريرة ومن شأن أي تدخل أمريكي جديد
في الصومال أن يذكر الأمريكيين بآلام تجربتهم
الفاشلة والمروعة هناك. كذلك، شكل الإخفاق
العسكري الأمريكي في كل من أفغانستان والعراق
بعد ذلك عامي 2001 و2003 مصدر ضغط جديد على
إدارة بوش لحملها على تجنب التدخل العسكري
المباشر في الصومال. ويبدو أن رغبة الانتقام
قد بلغت بواشنطن حد أنها لا تريد استقرارا في
الصومال، فهي لا تقبل إلا بواحد من خيارين
هناك: إما أن تسعى لأن تكون هناك حكومة عميلة
للولايات المتحدة، وإما ترك الصومال في غياهب
الفوضى. ويروي الرئيس الانتقالي الصومالي
السابق عبدالقادر صلاد أن مندوباً من السفارة
الأمريكية في نيروبي أكد له إن أمريكا تساند
الفوضى في الصومال، ولذا لا عجب في أن أمريكا
دعمت كل أنواع أمراء الحرب على اختلاف مشاربهم.
وثالثها، إيجاد موطئ قدم أمريكي في منطقة
القرن الإفريقي ذات الأهمية الإستراتيجية
والحلول محل النفوذ الفرنسي والإيطالي هناك، و
جعلها منطقة نفوذ وقواعد عسكرية، فضلا عن حصار
مصر والسودان والشمال العربي والأفريقي،
والدول العربية المطلة على البحر الأحمر عموما،
حيث يعد القرن الإفريقي منطقة ربط للتجارة
الدولية، و يشرف على مناطق إنتاج ونقل النفط.
وقد كان للصومال أهمية إستراتيجية خاصة لدى
واشنطن، فهي التي تمتلك أكبر ساحل على المحيط
الهندي، وقد اعترف جوناثان هاو في مجلة
النيوزويك عام 1995 بوجود مشروع أمريكي
للتمركز في الصومال والاستيلاء على مواردها
على غرار المشروع العراقي فيما بعد، ولكن
فضيحة الإخفاق الأمريكي هناك جعلت الرئيس
السابق كلينتون يضطر إلى إعلان نيته الانسحاب
من الصومال. وتم تنفيذ هذا الانسحاب في نهاية
يناير 1994 مما جعل أمريكا تغير إستراتيجيتها
في الصومال باتجاه دفعها نحو الضعف والتفكك.
ورابعها، احتياج إدارة بوش لتحقيق نصر ملموس
على الإسلاميين في الصومال للتخفيف من غلواء
الغضب الأمريكي، فعقب الهزيمة التي مني بها
ائتلاف لوردات الحرب الأمريكية وتدعمه وكالة
الاستخبارات المركزية الأمريكية على أيدي
الإسلاميين بالصومال في منتصف عام ،2006 تعالت
الانتقادات من جانب وزارة الخارجية لإخفاق
وكالة الاستخبارات، والذي بدا أنه عزز التهديد
بدلا من القضاء عليه.
وبناء عليه،فقد لجأت واشنطن إلى إستراتيجية
الحرب بالوكالة حيث بحثت عن دولة إقليمية تحقق
الأهداف الأمريكية دونما تدخل مباشر من واشنطن،
فكانت إثيوبيا، التي دعمتها واشنطن في حربها
ضد إريتريا، وجعلت منها قاعدة وركيزة للمشاريع
الأمريكية والإسرائيلية في منطقة القرن
الأفريقى، كما باتت حليفا لواشنطن في حربها ضد
الإرهاب بعد 11 سبتمبر .2001 وفيما كان اختيار
إثيوبيا للقيام بهذا الدور مفيدا لواشنطن،
خصوصا أنه من غير المحتمل أن يثير التدخل
العسكري في الصومال من قبل أي قوة إقليمية
الغضب العالمي والانتقادات الدبلوماسية بالقدر
نفسه الذي كان سيثيره أي تدخل أمريكي مباشر،
فقد رحبت أثيوبيا من جانبها بأداء هذا الدور
لأنها تشاطر واشنطن مخاوفها من منظمة «الاتحاد»
الصومالية الإسلامية ، فضلا عن القلق من نجاح
المحاكم الإسلامية في السيطرة على الصومال
وتوحيدها ومن ثم تصبح قوة شابة صاعدة. وفي
إطار علاقتهما الأمنية المتنامية، أمدت واشنطن
أديس أبابا بمساعدات عسكرية وتدريبية ودعم
اقتصادي وسياسي.
واستنادا على هذا الدعم الأمريكي غير المحدود،
قامت القوات الإثيوبية بغزو الصومال علناً
وباعتراف حكومي إثيوبي كامل بعد أن كان الأمر
يتم سراً فيما مضى، حتى وصل حجم القوات
الغازية إلى 20 ألف جندي بدأوا معاركهم
بالطائرات والدبابات منذ 24/12/.2006 وبدورهم
رحب المسؤولون الأمريكيون بالتدخل العسكري
الإثيوبي وأشادوا بقدرة قوات أديس أبابا على
تنفيذ مهمتها بفاعلية. بل إن واشنطن قدمت
الدعم والتدريب للقوات الإثيوبية عن طريق قوة
العمل المشتركة بالقرن الإفريقي، التي يوجد
مقرها بمعسكر «ليمونيير» بجيبوتي، وتشكل أول
نقطة تمركز للقوات الأمريكية بمنطقة الصحراء
الكبرى الإفريقية في فترة ما بعد 11 سبتمبر
عام ،2001 ومحورا لجهود طموحة بذلها البنتاجون
لتعزيز قدرات المؤسسات العسكرية الإقليمية. و
لم تكتف الولايات المتحدة بالاعتماد على
القوات الإثيوبية في حربها ضد المحاكم الشرعية
الصومالية فحسب،وإنما حرصت على تقديم كل صور
الدعم الممكنة لها من خلال وكالة الاستخبارات
الأمريكية إلى جانب الخطط والأهداف والوسائل،
حيث كانت طريقة دخول القوات الإثيوبية العاصمة
الصومالية بالطريقة نفسها أو السيناريو
الأمريكي الذي تم في كابول وبغداد.
ورغم أن الولايات المتحدة لم تؤكد علنا دعمها
لتحالف أمراء الحرب، فإن شواهد عديدة تؤكد
تورطها في تلك الحرب من خلال وكلاء لها كتحالف
أمراء الحرب والقوات الأثيوبية. فقد صرح
مسؤولون أمريكيون بأن التحالف تلقى أموالا
وأسلحة أمريكية باعتباره إحدى الجماعات التي
تتعاون معها واشنطن لاحتواء ما أسمته «تهديد
الإسلام المتطرف». وفي معرض تعقيبها على أحداث
الصومال، أعلنت مساعدة وزيرة الخارجية
الأمريكية للشؤون الإفريقية جينداي فريزر أن
سياسة حكومتها تؤكد على دعم كل الجماعات التي
تعمل للحيلولة دون أن يصبح الصومال ملاذا
لتنظيم القاعدة، وذلك في إشارة إلى دعم واشنطن
لتحالف أمراء الحرب الذي أطلقت عليه «التحالف
لإرساء السلم ومكافحة الإرهاب»، وقالت: إن
سياستنا واضحة جدا سنعمل مع تلك العناصر التي
ستساعدنا على القضاء على القاعدة ومنع تحول
الصومال إلى ملاذ آمن للإرهابيين، ونحن نفعل
ذلك لحماية أمريكا. كما أكدت أن تحالف إرساء
السلام ومكافحة الإرهاب الذي أنشئ لوقف تزايد
نفوذ المحاكم الإسلامية التي يتصاعد نفوذها
منذ عام 2004 تلقى منذ إنشائه في فبراير 2006
دعما ماليا من الولايات المتحدة في إطار
العمليات السرية لمكافحة الإرهاب.
وإذا كانت الولايات المتحدة بإنكارها إشعال
الحرب الأهلية في الصومال وتكريس التوتر في
القرن الإفريقي، تسعى لتبرئة ذمتها من أي
مسؤولية أخلاقية أو قانونية عن الكوارث
الإنسانية التي تمخضت عنها تلك الحروب
والتوترات بالنسبة للشعب الصومالي، فإن
التاريخ لا يمكن أن ينسى كما لن يغفر شعب
الصومال استخدامها حربا بالوكالة في منطقة
القرن الإفريقي لتحقيق أهداف إستراتيجية على
حساب أرواح ومعاناة الملايين من أبناء تلك
المنطقة .