« إن ما يحدث بين السلطة وحماس وفي دارفور وفي
مناطق عربية اخرى، شواهد مخزية لهذا التراجع
العربي، والذي إن استمر سينتهي إلى تفتيت
الأوطان العربية وانصراف الإرادة العربية
والطاقة العربية بالكامل وتفريغها في شظايا
الأوطان العربية».
المتأمل في المشهد العربي يلحظ أمرين متلازمين،
الأمر الأول: هو توحش إسرائيل في مواجهة
العالم العربي بناء على قراءة إسرائيلية انتهت
إلى أن العالم العربي لا يستطيع حتى أن يقف
على قدميه، وأن إسرائيل تسهم إسهاماً مباشراً
في هذه الحالة من الضعف والتهالك قدر المستطاع.
ولذلك فإن المؤتمر السنوي للدراسات الأمنية
والاستراتيجية الشهير الذي يجمع كبار قادة
إسرائيل يتحدث بشكل صريح عن خطط إسرائيل
وتمنياتها في كل دولة وقد أجمعت تقارير هذه
اللقاءات على أن أكبر خطر يهدد إسرائيل ويعيق
مشروعها هو انتعاش الدول العربية وازدهار
العمل العربي المشترك، والأمثلة على ذلك كثيرة
في دارفور ولبنان والصومال وفلسطين وغيرها.
الأمر الثاني: هو أن طاقة الدول العربية التي
يعبر عنها بالإرادة السياسية في مواجهة
إسرائيل سلماً أو حرباً قد تم إنهاكها، وما
بقي منها يتم تفريغه في صراعات داخلية.
والمتأمل للاستراتيجية الأمريكية أيضاً لا بد
أن يلحظ أن الولايات المتحدة تعمل بكل الطرق
لكي تكون إسرائيل هي القوة الأكبر والأهم،
وهذا يتطلب أن تمارس واشنطن سياسة من شقين،
الشق الأول، هو قمع الإرادة العربية مباشرة في
مواجهة إسرائيل، والشق الثاني، هو ضرب مواطن
القوة العربية وأوراقها، وهي المقاومة التي
أحدثوا شرخاً بينها وبين الحكومات العربية،
والوحدة الوطنية الداخلية في الأوطان العربية.
هذا التطابق بين الموقفين الإسرائيلي
والأمريكي يؤدي في النهاية إلى تمزيق الروابط
العربية، وتجفيف منابع العمل العربي المشترك
ثم تفتيت الأوطان العربية من الداخل. وقد نجحت
هذه السياسة المزدوجة حتى الآن، ولا تزال تحقق
نجاحات جديدة في الجسد العربي. غير أن لمسات
إسرائيل على عملية تفريغ الطاقة العربية نحو
الداخل تظهر بدرجات متفاوتة، في مختلف المواقف
ولكنها في كل الأحوال أصبحت جزءاً لا يمكن
إغفاله في المشهد العربي. فالأكراد في العراق
يسعون إلى الاستقلال عن الدولة العراقية
بمساندة أمريكية وإسرائيلية مباشرة، وهم الذين
ساندوا الغزو الأمريكي للعراق، ومقابل ذلك فإن
أكراد تركيا وهم يشكلون النسبة نفسها تقريباً
في العراق، يتم التصدي الأمريكي لهم ودعم
الحكومة التركية، ولكن إذا اتسع نطاق
الدبلوماسية التركية واستمرت في إحداث تآكل في
جدار العلاقات التركية - الإسرائيلية، فإن
الورقة الكردية في تركيا أيضاً سوف تستخدم لا
محالة، ولكن الاستخدام الأمريكي للورقة
الكردية في العراق الآن يهدف إلى تمزيق العراق
باعتباره دولة عربية محسوبة على مجمل القوة
العربية ضد إسرائيل. أما تركيا، فإنها في كل
الأحوال لن تكون عدواً لإسرائيل، لإنتفاء أي
رابطة تبرر هذا العداء. ولذلك فإن الاستخدام
الأمريكي والإسرائيلي للورقة الكردية في تركيا
لن يهدف إلى تمزيق تركيا، ولكن يسعي إلى تأريق
الحكومة التركية، وإشعارها بالثمن الفادح الذي
تدفعه بسبب سياستها الضارة بإسرائيل، خاصة وأن
واشنطن تدرك جيداً أن هذه السياسة لا تلقى
ترحيباً كبيراً أو شعوراً بالامتنان من جانب
الحكومات العربية، بل إن هذه السياسة التركية
ضد إسرائيل تسبب لهذه الحكومات الحرج في وقت
تتراجع فيه الهمم العربية إلى درجة كبيرة
احيانا.
إذا عدنا إلى نقطة البداية، وهي قراءة المشهد
العربي من منظور العلاقة مع إسرائيل، فإننا
نلحظ أنه سبب ونتيجة في الوقت نفسه. فالانكسار
العربي أمام إسرائيل عملية استغرقت بعض الوقت.
ولعلنا نذكر أن هذا الموقف العربي الآن ومع
الأيام الأخيرة من عام 2009 موقف يحيطه الغموض.
فمن ناحية، لا يريد الكاتب العربي أن يصدق أن
العجز العربي في مواجهة إسرائيل قد بلغ هذا
الحد، بل لا يريد أن يصدق أن الاهتمام العربي
نفسه بالقضية الفلسطينية والمشروع الإسرائيلي
قد انصرف إلى أولويات اخرى أخطرها أولوية
الداخل العربي، والعلاقة بين هذا الداخل
العربي وبين إيران، مما يؤدي إلى موقف عربي
تلقائي يعادي المقاومة ويحسب لمصلحة إسرائيل.
هذه النتيجة الخطيرة التي وصل إليها التردي
العربي لا بد أن تلفت إلى ضرورة التوقف وتفكيك
المشهد العربي الحالي ومحاولة إعادة تركيبه
بما يؤدي إلى تجميع الشظايا العربية داخل
الوطن الصغير، ثم تجميع الإرادات الوطنية في
إطار قومي لمواجهة توحش المشروع الإسرائيلي،
ولذلك فإنه يكفي أن نشير إلى أعراض هذه الحالة،
وأهمها عندما أعلن نتانياهو بوضوح أن موضوع
المفاوضات يقتصر عملياً على تصفية القضية
الفلسطينية، وهزم الموقف الأمريكي المضاد،
وانتصر في هذه المعركة سقط الرهان العربي على
الموقف الأمريكي، وخلت الساحة العربية من
البدائل مما أدى إلى انكشاف الموقف العربي فلا
العرب قادرون على مواجهة إسرائيل وواشنطن، ولا
هم قادرون على الاستمرار في حالة الفراغ
والانكشاف طويلاً.
وأخيراً، فإن ما يحدث بين السلطة وحماس وفي
دارفور وفي مناطق عربية أخرى، شواهد مخزية
لهذا التراجع العربي، والذي إن استمر سينتهي
إلى تفتيت الأوطان العربية وانصراف الإرادة
العربية والطاقة العربية بالكامل وتفريغها في
شظايا الأوطان العربية.