نتحدث كثيرا عن سحابة الصيف التي دائما ما
تعكر صفو العلاقات العربية وللأسف نعلق عليها
كل خلافاتنا أيا كانت..!!
وعندما نلتقي تأخذك الدهشة من حرارة الترحيب
التي تنقلها الفضائيات وتسجلها عدسات المصورين
لتتصدر الصفحات الأولى من الصحف التي تجمع على
تطابق وجهات النظر دون أن تفسح ولو مساحة
صغيرة من الاختلاف الذي هو سمة البشر ..!!
يحدث ذلك طوال الوقت ومع ذلك لا يمل أحد من
الحديث عن العروبة والقومية العربية وعن
الثوابت والقواسم المشتركة.
نختلف ثم نتصالح ثم نختلف وهكذا دون أن نقف
على أسباب الخلاف أو نعالجها من جذورها أو حتى
نعيد تقييم نتائجها لنبني علاقات جديدة وقوية.
نترك الجروح تندمل دون أن ندري أنها تغلق على
رواسب سرعان ما تترك ندبات على خريطة العلاقات
العربية لأننا لا نحسن إدارة أزماتنا التي
ربما تكون بسيطة وسهلة ثم سرعان ما تتحول إلى
كرة من الثلج نقف بعدها عاجزين عن الحل فنلوذ
بالصمت أو نهرب من المواجهة.
نعم لا بد أن نعترف أن العالم العربي يمر
بمنعطف خطير في علاقاته على المستويين الرسمي
والشعبي وأن وقتا طويلا مر دون أن ننتبه إلى
خطورة وعمق الأزمة والمأزق الذي تمر به
العلاقات العربية العربية.
أين تكمن المشكلة؟
إن الإجابة عن السؤال تفرض علينا أولا تشخيص
الحالة التي عليها العالم العربي ونظامه
السياسي ثم معرفة الأسباب التي أدت إلى تمكين
الداء منه وعدم القدرة على مواجهته ثم بيان
الوسائل التي يمكن من خلالها تجاوز هذا الخلل
في منظومة العلاقات العربية برمتها.
والواقع ان مجرد إلقاء نظرة عابرة على الخريطة
السياسية العربية تكفي للتأكيد على الحالة
المرضية التي يمر بها العالم العربي الآن حيث
يسود الانقسام كما يظهر في المواقف السياسية
حيال القضايا المصيرية التي ترتبط بكيان الأمة
ومصيرها ومستقبلها للدرجة التي يبدو عليها
العالم العربي وكأنه غير مؤثر في المتغيرات
الإقليمية والدولية التي تمس قضايا أمنه
القومي السياسية والاقتصادية والعسكرية فحسب
بل غير قادر على مواجهة الأخطار التي تحدق به
من كل جانب.
فبوابته الشرقية انكشفت بسقوط العراق الذي يمر
بحالة ضعف غير مسبوقة يقف معها عاجزا عن حماية
وحدته وهويته التي تتعرض لخطر التقسيم دون أن
يمده العالم العربي بأي نوع من المساعدة أو
الدعم وكأن الأمر لا يعنيه.
حدوده الجنوبية في جنوب السودان عرضة للانفصال
عن الشمال بدعم غربي يمتد لمحاولة قضم إقليمه
الغربي في دارفور والعالم العربي أيضا يتفرج
ويترك الملف للاتحاد الإفريقي بحجة واهية أن
الأفارقة يمكنهم تقديم حل متوازن للإثنية
العرقية في مناطق الصراع وفي الحقيقة لا يملك
القدرة على التأثير في صنع القرار الدولي الذي
أصبح جاهزا على الأقل بالنسبة لجنوب السودان
الذي تركه العرب باختيارهم وضعفهم ليكون قاب
قوسين أو أدنى لينسلخ عن السودان ويلاقي نفس
مصير أراض عربية سابقة.
أما في أقصى الغرب فهو يقف مكتوفي الأيدي أمام
صراع يقترب من الحرب تارة ويبتعد أخرى بسبب
ملف الصحراء المغربية الذي استنزف مقدرات
وطاقات الأمة دون أي بادرة للحل.
كما يقف عاجزا أيضا أمام كرة النار التي يحاول
البعض إشعالها في مناطق أخرى و قد تهدد
المنطقة بأكملها ..
حتى أمنه في البحر الأحمر الذي لم يعد كما كان
يوما ما بحيرة عربية خرج من يده تقريبا وتم
تدويله.
نفس الأمر ينطبق على لبنان فهو لم يستطع أن
يقدم له دعما في مواجهته مع إسرائيل أو في
أزمته السياسية التي استمرت لشهور دون حل وكأن
العالم العربي لا ينظر إلى تداعيات هذه
القضايا على أمنه القومي وعلى قوته فترك صدام
ليلاقي مصيره دون أن يحرك ساكنا وكأن الأمر لا
يعنيه حتى وإن اختلفنا مع صدام ومع سياساته
التي عليها كثير من الملاحظات لكنه في النهاية
كان رئيسا لدولة عربية. ماذا فعل العالم
العربي ليمنع صدور قرار يمس رئيسا عربيا في
السلطة هو الرئيس السوداني عمر البشير.
إن حالة الوهن التي عليها العالم العربي التي
حالت دون أن تطير طائرة عربية واحدة لكسر
الحصار والعقوبات الذي كان مفروضا على ليبيا
على الأقل نقلد بها الأفارقة الذين كشف موقفهم
الضعف العربي نتاجا مباشرا للتشرذم والتمزق
الذي يعاني منه النظام السياسي العربي الذي
يقف عاجزا ومشلولا عن الحركة باتجاه واقعه
ومستقبله ووجوده الذي تعصف به الأعاصير
الإقليمية والدولية وتتقاذفه وكأنه ريشة في
مهب الريح.
أما الطامة الكبرى فهي تكمن في الموقف العربي
حيال القضية الفلسطينية التي تسربت من بين
أيدينا ولم نعد قادرين على التأثير في الموقف
الإسرائيلي حتى بعد قبول الاعتراف بها وإقامة
علاقات دبلوماسية معها وفق مبدأ الأرض مقابل
السلام في إطار الحل العادل والشامل للصراع
العربي الإسرائيلي.
لأن إسرائيل تدرك تماما حالة الانقسام العربي
وحالة التشرذم وحالة الضعف العربي وهي صفات
ملازمة لحالة التفكك العربي نتيجة الخلافات
العربية والصراعات المذهبية والطائفية التي
تنخر في النظام العربي وتلقى استجابة وتشجيعا
ودعما خارجيا دون النظر لنتاجها وانعكاساتها
على الموقف العربي.
وبالتالي لم تكتف برفض المبادرة العربية أو
تحفظت عليها ـو أرادت أن تدخل عليها تعديلات
ولكنها فرضت شروطا جديدة بضرورة الاعتراف
بيهودية الدولة وما يترتب عليه من اعتبار
إسرائيل دولة دينية مغلقة لا تسمح لغير اليهود
بالبقاء والعيش فيها وبالمناسبة هذا ما بدأت
به الآن من تجريد عشرات الآلاف من عرب 48 من
حق الإقامة ثم تطالب بمكافآت عبر قبول العرب
للتطبيع لتفكر في مجرد بدء المفاوضات حول لا
شيئ من الأراضي العربية بعد أن حذفت من
قاموسها السياسي حدود عام 67 والقوانين
الدولية في هذا الشأن التي تعتبرها من التراث.
مرة أخرى الخلافات العربية والتناحر والانقسام
والفرقة هي مفردات يتم تداولها بين العرب
وأنفسهم وهي المسؤولة عن حالة التغييب التي
عليها العالم العربي الآن.
ما الذي ينقصنا حتى نتجاوز الموقف المتردي
للنظام العربي.
ينقصنا غياب المشروع العربي الذي نجتمع حوله
ونعمل على تحقيقه.
هناك المشروع التركي والمشروع الإيراني
والمشروع الإسرائيلي ولا يوجد مشروع عربي.
في مرحلة المد القومي العروبي قبل نحو خمسة
عقود كان لدينا مشروع عربي صحيح لم يكن مكتملا
ولكن إرهاصاته بدأت تتبلور وتتفاعل من خلال
دعم حركات التحرير والاستقلال العربية ووجدنا
له مؤشرات أخرى في الدعم العربي في المقاطعة
العربية لإسرائيل وللشركات التي تتعامل معها
وفي رفض عمال الشحن العربي في الموانئ العربية
تفريغ أو شحن البضائع خلال حرب السويس عام 56
وفي قطع النفط وتعليق صادراته إلى أوروبا خلال
حرب أكتوبر.
قد يكون هذا الخطاب العربي غير ملائم الآن
ولكن من المهم أن نستلهم روحه وأن نستعيد
التضامن العربي أن نقف وقفة مصارحة ومكاشفة مع
النفس لا يكفي مجرد تنقية الأجواء العربية قد
تكون هذه خطوة أولى ولكنها غير كافية.
ثم أين المشروع الاقتصادي العربي ألم يحن
الوقت لضخ الاستثمارات العربية المهاجرة في
مشروعات في العالم العربي إن عوائدها مضمونة
فلدينا الأسواق ولدينا القوة الشرائية فلا خوف
على العوائد والأرباح.
نحتاج تكاملا في المشروعات الكبرى في مجال
الكهرباء والمياه والصناعات التحويلية
والكيماوية والسيارات نحتاج إلى شبكة طرق
ومواصلات وكباري وخطوط سكك حديدية نحتاج
العقول العربية المهاجرة لتقيم لنا مشروعنا
النووي في مجال الطاقة النظيفة والآمنة.
نريد تطويرا للتعليم وإصلاحات قانونية وسياسية
وديمقراطية نريد تطويرا وتنمية لمواردنا
البشرية.
هذه هي أهم ملامح المشروع العربي الذي يكتمل
بإصلاحات في جامعة الدول العربية ويكتمل أيضا
بدور المثقفين والمبدعين العرب.
نعترف بأن المسألة ليست سهلة ولكن صعوبتها في
قبول التحدي والتجاوب مع الآمال العربية في
تجاوز حالة الإحباط واللامبالاة أحيانا ونحن
نرى العالم يتحرك من حولنا ويؤثر في الجوار
ويؤثر إقليميا ويساهم في صناعة القرار الدولي
ونحن ما زلنا محلك سر.
نحن نملك الحلم ولدينا الموارد والثروات
والطاقات والعقول ولكن تنقصنا الإرادة.
هل نبدأ الآن.
الوقت ما زال فيه متسع والفرصة ما زالت قائمة.
فقط انبذوا الخلافات وافتحوا قلوبكم وعقولكم
وقبلها افتحوا النوافذ ليطرد الهواء النقي
الخوف والتوجس والشك.
ازرعوا الأمل في أن نستعيد مكاننا وتاريخنا
ودورنا وحضارتنا.
المسألة ليست مستحيلة ولكنها تحتاج إلى إرادة
وعزيمة وقوة ومثابرة.
فالنجاح لن يأتي من فراغ. لنبدأ الآن .. !!