هل يأتي على الأمة العربية يوم تتوج فيه
تنميتها بمختلف المجالات وتصبح قوة اقتصادية
ورياضية عملاقة كما فعلت الصين بفوزها بالمركز
الأول في أولمبياد بكين والذي توجت به مرحلة
الغزو الصيني للعالم بالبضائع والمنتجات
المتعددة وأصبحت بهدوء قوة اقتصادية كبرى في
العالم بالعمل الجاد والمخلص ولكن بهدوء بعيداً
عن صخب وسيطرة الدول الكبرى التقليدية بالعالم
وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية والتي
جاء تراجعها في الفوز ببطولة الاولمبياد إشارة
لتراجع قوتها وسيطرتها نتيجة سياساتها
الداخلية والخارجية.
هذا الواقع كان ماثلاً خلال متابعة اجتماعات
المجلس الاقتصادي والاجتماعي التي عقدت
بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية
بالقاهرة وأبرز موضوعات جدول أعماله استكمال
الاستعدادات الجادة والمخلصة لإنجاح القمة
الاقتصادية والتنموية والاجتماعية والتي ستكون
أول تجمع عربي في بداية العام الجديد 2009 حيث
من المقرر أن تعقد القمة بالكويت خلال النصف
الأول من يناير المقبل .
نحمد الله ان مشروع جدول أعمال القمة
الاقتصادية المنتظرة تضمن 4 بنود فقط ولم
يتضمن الــ28 بنداً مثل بنود جدول اجتماعات
مجلس جامعة الدول العربية الذي عقد اجتماعاته
التحضيرية امس الاول السبت بالقاهرة للمندوبين
برئاسة السعودية وذلك على مدى يومين لإقرار
أغلب بنود جدول الأعمال ورفع 4 موضوعات أساسية
للوزراء لمناقشتها خلال جلسة عملهم المغلقة في
اجتماع اليوم الواحد الذي سيعقد اليوم الاثنين
ونرجو من الله أن تكون قراراتهم فاعلة ومؤثرة
في حسم العديد من القضايا العربية الساخنة
المطروحة على الساحة.
وبالعودة إلى مشروع جدول أعمال القمة
الاقتصادية نجد أن بنودها تنحصر في:
* الاستثمار وتطوير القطاع الإنتاجي وتجارة
السلع والخدمات والاتحاد الجمركي والسوق
العربية المشتركة.
* البنية الاساسية وخصوصا في دعم مجالات
التنقل والطرق والسكك الحديدية والكهرباء
والاتصالات.
* الصحة والتعليم وعدم توفر فرص عمل والفقر.
* التحديث وإصلاح التحديات المستقبلية - الأمن
المائي والأمن الغذائي - التكنولوجيا والبحث
العلمي المتاح.
هذه العناوين الرئيسية للبنود الأربعة التي من
المنتظر أن يتضمنها جدول أعمال القمة
الاقتصادية.
ندعو الله أن تخرج اجتماعات القادة بقرارات
عملية تضعنا كأمة عربية على بداية الطريق
الصحيح للتعاون الاقتصادي العربي البناء خاصة
في مواجهة المشكلات والضغوط الاقتصادية
الخارجية والداخلية المتزايدة والتي أثرت على
معيشة وحياة الكثير من أبناء الوطن العربي من
المحيط للخليج.
وإذا كان هدف القمة العربية الاقتصادية التي
أقرتها قمة الرياض هو إقامة نهضة عربية
متكاملة تختلف عن أول قمة اقتصادية عربية عقدت
بالأردن في عمّان عام 1980 خلال فترة الغياب
المصري عن ساحة العمل العربي المشترك وكانت
السماء العربية وقتها ملبدة بالغيوم ولم تسفر
القمة كالعادة عن النمو والتعاون الاقتصادي
المطلوب.
فهل يصلح الاقتصاد ما خلفته السياسة في عالمنا
العربي وتتغير المسيرة من أجل دعم المصالح
الاقتصادية لإصلاح خلافاتنا السياسية الداخلية
والخارجية.
ورغم الآمال والتطلعات إلا أن هناك مخاوف
كبيرة من أن تكون نتائج القمة الاقتصادية
المقبلة مثل نتائج القمم العربية التي عقدت
على مدى السنوات الماضية رغم دوريتها ولم تنفذ
90٪ من قراراتها خصوصا وأن المشكلات
الاقتصادية معروفة وحلولها العملية جاهزة ولكن
ينقصها غياب الإرادة العربية والتمويل .
ولعل أولى مقومات التعاون الاقتصادي العربي
المنشودة هو تكامل مشروعات البنية الاساسية في
الوطن العربي من المحيط للخليج ولعل أهمها هو
إقامة شبكة متكاملة من الطرق البرية إلى جانب
انتظام الخطوط الجوية والاستفادة من البحار
والمجاري المائية المتوفرة للاستفادة من النقل
البحري المعطل بكل أسف ولا توجد خطوط ملاحية
منتظمة لنقل البضائع والركاب بين الدول
العربية المطلة على البحر الأبيض المتوسط وعلى
البحر الأحمر أيضاً.
على الجانب الآخر فإن التركيز على مجموعة
محدودة في كل دولة من رجال الأعمال تنفيذ
المشروعات والاستفادة منها دفعت المواطن
العربي إلى فقد الثقة في الاستثمار نتيجة
الاحتكار والاستغلال المبالغ فيه من قبل هذه
المجموعة وهو ما يدعونا إلى دعوة القمة للعمل
على تأسيس مشروعات عملاقة في الوطن العربي
لتلبية احتياجاته من خلال استثمار موارده
المتاحة والغير مستغلة ولا تنقصها الخبرة ولكن
ينقصها رؤوس الأموال وهو ما سيدعو لإنشاء
مؤسسات عربية كبرى للتمويل يساهم فيها المواطن
العربي بأسهم تستثمر في إنشاء شركات عملاقة
لاستصلاح الأراضي وزرعها لتحقيق الأمن الغذائي
العربي خاصة في ظل التحديات التي فرضتها علينا
الدول الكبرى باستغلال إنتاجها من القمح
والذرة والحبوب في إنتاج الوقود الحيوي وهو ما
أدى وسيؤدي إلى ندرة المتوافر والذي كان يسد
احتياجات العديد من دولنا العربية ودول العالم
الثالث إلى جانب الارتفاع الجنوني في أسعارها
ونحمد الله أن عددا من الدول العربية
والمستثمرين اتجهوا أخيرا إلى السودان
للاستزراع في أراضيها بعد أن سبقتنا الصين
للاستثمار في السودان ونجحت أكثر من 13 شركة
صينية عملاقة في غزو السودان ودفعت أمريكا إلى
تزايد حصارها واختناقها للسودان خصوصا بعد
دخول الشركات الصينية مجال التنقيب عن النفط
والبحث عن اليورانيوم في دارفور والأهم هو
اتجاهها إلى الجنوب في الوقت الذي لم تنجح فيه
الاستثمارات العربية من الوصول إلى استثمار
ثرواته الكامنة لدعم استعادة الوحدة بين شمال
وجنوب السودان.
وإذا كانت الدعوات تنطلق نحو الاستزراع
والاستصلاح والاستغلال الأمثل للأراضي والمياه
العربية المتاحة خاصة في ظل الأزمة الحالية
لندرة وحرب المياه.. وهذا يدعونا إلى الاتجاه
للاستفادة من البحوث العلمية والتقدم
التكنولوجي في ايجاد منظومة متكاملة لزراعة
المحاصيل الأساسية بالإنتاج الجيد والتسويق
والتصنيع والتصدير.
على الجانب الآخر لا بد من تأسيس مشروعات
صناعية عملاقة للحديد والأسمنت وغيرها من
مستلزمات الانتاج التي يستورد العالم العربي
منها الكثير بالإضافة إلى بدء العمل المشترك
في مشروعات الطاقة النووية السلمية لتوليد
الطاقة الكهربائية وتحلية مياه البحار مع دعم
مشروعات الهندسة الوراثية.
المهم ان العمل العربي المشترك لإقامة هذه
المشروعات سيدعم الاستقلال والهوية الوطنية
والقومية ويقضي على مشكلة البحث عن عمل التي
بلغت أكثر من 17 مليون باحث عن عمل في العالم
العربي يمثلون قنابل موقوتة قابلة للانفجار
تهدد الأمن والاستقرار وليس أمامنا إلا
التعاون الاقتصادي. الغريب ان الوطن العربي
يستوعب أكثر من 16 مليونا من الأيدي العاملة
الوافدة الأجنبية المتعددة الجنسيات بينما
نسبة الباحثين عن عمل بين شبابه يقترب منها 17
مليون عربي من الشباب وتشغيلهم يؤدي للحفاظ
على الأمن والهوية العربية .
وإذا كانت قضية الإرهاب سيطرت في الفترة
الماضية على تحركات المواطنين العرب مع وجود
عوائق التأشيرة إلا أن تجربة دول مجلس التعاون
الخليجي في تنسيق قوانينها وضبط حدودها جعلها
تسمح لمواطنيها بالتحرك بسهولة بدون تاٴشيرة
دخول بين دولها وتجربة 3 دول عربية تسمح
للمواطنين العرب بدخول أراضيها بدون تأشيرة
يدفعنا جميعاً لدراسة هذه التجارب الناجحة
والعمل على اتخاذ قرار من القمة بإعطاء حقوق
المواطنة الخمس للمواطن العربي وفي مقدمتها
إلغاء تأشيرة مع حقوق الدخول وحق التنقل
والعمل والإقامة والسكن للمواطن العربي في
وطنه الكبير وبالطبع هذه الخطوة المهمة بحاجة
إلى تنسيق وتعديل القوانين وضبط الحدود لضمان
تنفيذها بدقة وأمانة لنجاح العمل الاقتصادي
العربي المشترك بالتكامل والأسوق المشتركة
باعتبارها من أهم دواعي الأمن القومي العربي
في مواجهة عالم يعتمد على التكتلات الاقتصادية
الكبرى.
وإذا كانت الخلافات العربية - العربية تتزايد
فإن الفصل بين المسارين السياسي والاقتصادي
مطلوب ونرجو ألا تنعكس الخلافات على مستوى
التمثيل العربي بالقمة الاقتصادية المقبلة كما
حدث في قمة دمشق العربية الأخيرة، والتي لا
تزال خلافاتها كامنة لم تحل وقراراتها بالتالي
لم تنفذ.
على الجانب الآخر نحمد الله ان الغرب الأوروبي
والأمريكي الذي كان جاذباً للاستثمارات
العربية أصبح الآن مشبعاً بعد تكامل دول
الاتحاد الأوروبي وتوظف الفوائض لصالحها وفي
الوقت نفسه ترفض أمريكا عقد اتفاقيات التجارة
الحرة مع دول العالم العربي ليظل دائماً
الميزان التجاري لصالحها تستفيد من النفط
العربي وتصدر للأمة العربية جميع منتجاتها دون
استيراد منتجاتنا وفي الوقت نفسه تستنزف
الفوائض النفطية في عقد صفقات أسلحة!! .
نحمدالله أن الأموال العربية بدأت في العودة
لوطنها ولكن ليس بالقوة المطلوبة، وفي الوقت
نفسه لم نحسن بعد اشتراك المواطن العربي
باستثماراته البسيطة في إقامة الشركات الكبرى
العملاقة بأسهم المواطنين وهذا لن يتحقق إلا
بالحوار العربي ومعرفة بعضنا لبعض بواقعية دون
مبالغة.
أكدت السفيرة ميرفت التلاوي منسقة القمة
الاقتصادية ان القمة ستصدر ثلاث وثائق رئيسية
الأولى إعلان سياسي عام اقتصادي واجتماعي
يتضمن ما يجب ان تكون عليه وما المطلوب
للتنفيذ لرفع الإنتاج والإنتاجية في مجالات
الصناعة والزراعة والخدمات وغيرها، والثانية
تتضمن برامج عمل حول كيفية تنمية الإنتاج
الزراعي والصناعي. أما الوثيقة الثالثة
فستتضمن آلية التنفيذ والمتابعة، إلى جانب
ورقة حول التمويل بهذه الأوراق الثلاث كما
ذكرت السفيرة ميرفت التلاوي انه سيكون لدى
الأمة العربية لأول مرة استراتيجية اقتصادية
واجتماعية واضحة وسيخصص للمشروعات ملحق يتضمن
إقامة خمسة مشروعات أساسية في الزراعة وتوفير
الغذاء والتعليم ومواجهة ظاهرة الباحثين عن
عمل.
أما التمويل فإن الدعوة لإنشاء بنك خاص
للتنمية العربية على غرار ما أنشئ في أوروبا
وأمريكا اللاتينية حين تعرضهما لأزمة الغذاء
وأنشأت صندوقاً خاصاً كما أن دول جنوب شرق
آسيا أنشأت بنكاً للاستثمار والتنمية.
هذه الآمال نرجو أن تتحقق ولا تكون قمة يناير
المقبل الاقتصادية في قراراتها مثل قرارات
القمم السياسية السابقة تصدر بالإجماع ولا
تنفذ خصوصا أن شبح الفقر والجوع وظاهرة
الباحثين عن عمل يتهددنا جميعاً وإذا استطعنا
خلال سنوات قليلة خفض نسبة الباحثين عن عمل
إلى النصف فإن الدخل العربي سيزيد لأكثر من
221 مليار دولار سنوياً .
والأهم هو وقف نزيف الهجرة غير المضمونة
للشباب العربي للخارج وهو مايدعونا للعمل على
توفير المناخ المناسب لهجرته للداخل من أجل
صالحه وصالح مستقبل الحياة على الأرض العربية.