«في الجدل الدائر أمور وأمور، وإن كان التراجع
عن القرار بتملك الخليجيين لأراض بدول المجلس
غير مقبول فإنه من المهم النظر في أمر فتح
الخليج لحق التملك لغير الخليجيين. وسيستمر
الجدل، ولن نعرف الصحيح من الخطأ، ولا المطلوب
الاستمرار به والمرغوب في التوقف عنه إلا إذا
أوصلت الأمور كلها لمنتهاها، وصبت القضايا
المختلف عليها في مواقعها إن كان بين أيادي
المحاكم أو المندوبين، قبل أن ترتفع لمستويات
سياسية أعلى».
عادت الشكوى البحرينية لتطفو على السطح من أن
التمييز لا يزال قائماً في بعض دول الخليج ضد
بعض الخليجيين وفي حالتنا البحرينيين وبالذات
في مجال تملك الأراضي، حيث يقال لك في الوجه
وخلفه بأن تملك الأراضي سيبقى في كل بلد
لأبناء ذلك البلد، وكفى.
حملت المشكلة لحسن فخرو وزير الصناعة والتجارة
البحريني فتمثلت وجهة نظره في أن المسألة
مسألة وقت وأن البحرين ستستمر في سياستها
الخاصة بإعطاء الخليجيين حق التملك وهي في ذلك
تواصل سياسة انفتاح شقتها لنفسها، وحصلت من
خلالها على إشارات جلية من الجهات الخليجية
بأن ذلك هو الاتجاه الصح.
والمسألة ليست هي البحرين بمواجهة الآخرين، بل
الخليجيين بمواجهة الخليجيين. ووسط الامتعاض
البحريني بدأت تبرز وجهة نظر جديرة بالاهتمام
والبحث.
يقول بعض تجار البحرين: إن قرارات الورق شيء
والحقيقة شيء آخر، وإن ما يراه الخليجيون حين
يقررون الذهاب لدول خليجية أخرى هو أن هناك
منعاً فعلياً، يتحول في بعض الأحيان إلى موقف
صريح بأن حق ملكية الأراضي سيبقى بيد أبناء
الجهة المعنية وألا تبديل في ذلك.
وحين تقول لهم ان السوق الخليجية قد وضعت
قوانين يمكن على أساسها أن تؤخذ حالات محددة
للمحاكم، يكون الرد المتوقع: ومن فاقد العقل
الذي سيقوم بهذا، مشيرين في ذلك إلى عدم ثقة
الجمهور في حيادية الأجهزة القضائية الخليجية.
وهذه مأساة بحد ذاتها.
ويضيف آخرون انه حتى وإن أخذنا بمبدأ عدالة
القضاء أو القضاءات الخليجية المختلفة، فإن
الإجراءات التي ستتبع ستأخذ من الوقت ما يجعل
من اللجوء إليها مضيعة للوقت، والوقت كالذهب،
بل هو الذهب نفسه.
ثم يأخذك آخرون إلى منعطف براجماتي آخر وهو
أنه ولِمَ سلوك الطريق الأطول وهناك طريق أقصر
يتمثل في القبول والتسليم باستعمال الكفيل، أي
إدخال شريك محلي لك يعطيك الحق في تملك ما
تريده مثلاً شركة قيد الإنشاء بهدف تحقيق
الأرباح وأشياء كثيرة قد تقضي حياتك كلها من
أجل الحصول عليها دون وجود ضمانات لتحققها.
وسط ذلك شهدت العاصمة البحرينية توزيع نشرة
أعدتها الأمانة العامة لاتحاد غرف دول مجلس
التعاون وضمّت فيما ضمّت قائمة بالمندوبين
الاثني عشر الذين عينوا كضباط اتصال من الدول
الست وبها لتلقي الشكاوى. وأضيف إليهم اثنان
يمثلون الأمانة العام لمجلس التعاون وواحد
يمثل اتحاد غرف المجلس.
ولكن لا يبدو أن العديد من أصحاب الأعمال
يعرفون ذلك، أو قل يودون أن يعرفوا عن
المندوبين شيئاً. تحدثهم عن الأمر وتقول لهم
بأن تلك الوسيلة قد اتخذت كطريقة عملية ومحددة
وليس تثبيتاً لوجود فساد قضائي أو بالضرورة
للتأكيد بأن الإجراءات القضائية مطوّلة
وتستغرق وقتاً، وإنما بالأساس لحل أية قضايا
عالقة تختص بتطبيق قوانين السوق المشتركة
بأفضل وقت وبأقل قدر من إضاعة الجهد والمال.
هذا ما أريد لتعيين المندوبين ولربما لن يجري
الأمر فتتطابق الرغبات والواقع، ولكن ليس هناك
من حل عملي أفضل من ذلك ولا يمكن اثبات صحة
التوقع أو عدمه إلا عبر التحاكم لقضايا عملية،
وهذا يتطلب من أصحاب القضايا رفعها إلى
المندوبين، وحيث انهم لا يثقون لا في مندوبين
ولا في محاكم فيقعون في حلقة مفرغة.
على هامش الحديث عن عدم المعاملة بالمثل يقول
البحرينيون ألا فائدة من الشكوى للمسؤولين،
وأنهم قاموا بذلك لسنوات طوال، ثم إن
المسؤولين لايخفون أنهم يعتبرون أن ما تقوم به
البحرين هو الأمر الصح، وأن المسائل ستقوم حسب
ما تسير عليه مملكة البحرين آجلاً أم عاجلاً.
بعض التجار البحرينيين يقولون ألا حل إلا
بالمعاملة البحرينية بالمثل، أي أن تمنع
البحرين بيع الأراضي لغير البحرينيين وحينها
يعاد تقويم الأمر مجدداً.
ويطرح البعض الآخر مسائل جديدة، فهم يقولون
بأن بيع الأراضي الخليجية لغير الخليجيين كان
قراراً خاطئاً من الأصل أن كل الإمارات
الصغيرة الأوروبية قد ازدهرت ونمت دون الحاجة
لبيع أراضيها للأجانب، وأنه حتى دولة ثرية مثل
سويسرا أفردت شوارع محددة لتسمح فيها بحق
التملك لغير السويسريين. وهم يضيفون انه إن
بيعت الأراضي لغير الخليجيين فماذا سيبقى
لأصحاب البلاد.
بالطبع فإن حل التراجع عن إعطاء الخليجيين
للحق المتبادل في التملك حل لا ينصح به لا
للبحرين ولا لغير البحرين، وإنما المسألة
الأساسية هي في الإصرار على حل المشاكل التي
تبرز، والتي تتطلب قدراً من الشجاعة والإصرار
من التجار، وهذا القدر غير موجود حالياً، على
ما يبدو، أو أنه موجود في الخزائن لن تفتح
بوجود حلول يعتمدها أصحابها وتتمثل في العودة
للكفيل مرة أخرى، فهذا حل عملي وسريع حسب
المقاييس السائدة.
وهكذا فإن في الجدل الدائر أمورا وأمورا، وإن
كان التراجع عن القرار بتملك الخليجيين لأراض
بدول المجلس غير مقبول فإنه من المهم النظر في
أمر فتح الخليج لحق التملك لغير الخليجيين.
وسيستمر الجدل، ولن نعرف الصحيح من الخطأ، ولا
المطلوب الاستمرار به والمرغوب في التوقف عنه
إلا إذا أوصلت الأمور كلها لمنتهاها، وصبت
القضايا المختلف عليها في مواقعها إن كان بين
أيادي المحاكم أو المندوبين، قبل أن ترتفع
لمستويات سياسية أعلى.