الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

أمريكا والعراق.. مفاوضات غير متكافئة!
د. عبد العاطي محمد
رئيس تحرير مجلة الأهرام العربي


«ان مفاوضات الاتفاقية تجري بين طرفين سياديين يملك كل منهما القدرة على الموافقة أو الرفض. ومن المعروف أنه إذا ما تم التوصل إلى هذه الاتفاقية فإنها ستعرض على البرلمان ولن يكون فيها محتوى سرى وفقا لما يترشح من تأكيدات من الجانبين« هذا فضلا عن أنها تجرى أساسا برغبة وموافقة من الطرفين ودون إكراه من الجانب الأمريكي».
في 31 ديسمبر 2008 ينتهي تفويض الأمم المتحدة الذي ينظم وجود القوات الأمريكية في العراق، ويتعين على الولايات المتحدة أن تجد مخرجا بديلا يضمن استمرار مكاسبها العسكرية والسياسية التي حققتها مع سقوط نظام صدام حسين في أبريل .2003
ووفقا للمصادر الرسمية في بغداد وواشنطن فإن هناك مفاوضات تجري على قدم وساق بين الحكومتين العراقية والأمريكية للانتهاء من اتفاقية شاملة تنظم مستقبل العلاقات بين البلدين بنهاية يونيو الحالي أو أوائل يوليو. وكان الطرفان قد وقعا اتفاق مبادئ يضع أسس التعاون في مجالات الأمن والاقتصاد والسياسة وذلك في 26 نوفمبر الماضي بمقتضاه بدأت مفاوضات الاتفاقية الشاملة منذ مارس الماضي. وإذا ما تم التوصل إليها فإنها ستحل محل التفويض الممنوح من مجلس الأمن الدولي للقوات متعددة الجنسيات المنتشرة بالعراق.
وبرغم ندرة المعلومات حتى الآن حول تفاصيل المفاوضات والاتفاقية الشاملة، فإن ما ترشح منها كشف عن أهداف أساسية تتوافق عليها الحكومتان العراقية والأمريكية ولكنها تثير القلق لدى أطراف عديدة من الطيف السياسي العراقي. فوفقا لتصريحات كان قد أدلى بها نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي وقت توقيع اتفاق المبادئ، فإن الهدف هو توفير دعم الولايات المتحدة «لطرف ديمقراطي ضد جميع الأخطار الداخلية والخارجية». ولأن العبارة غامضة وتحتمل أوجها كثيرة فإن مصادر الطرفين أخذت في تسريب مفاهيم محددة للمقصود بالأخطار الداخلية والخارجية منها إغلاق الطريق على أي محاولة تهدف إلى تعديل الدستور العراقي الجديد الذي كان قد حظي بالموافقة خلال استفتاء شعبي عام ،2005 بما يعني رفض إعادة صياغة العملية السياسية في البلاد حيث يتوارى الأمل في إعادة التأكيد مرة أخرى على عروبة العراق بالمعنى المعروف لدى بقية الأقطار العربية والذي يرتب التزامات للدفاع المشترك العربي والانخراط في القضايا العربية الساخنة، والالتزام بتنفيذ ما يجري الاتفاق عليه في القمم العربية، فالقصد أن يتعامل العراق مستقبلا بحيادية شديدة تصل إلى حد ا لعزلة عن هموم المنطقة العربية، ومن تابع تصريحات المسؤولين العراقيين على مدى السنوات الخمس الماضية يلمس نفورا لديهم من أية إشارة أو إجراء قد يؤدي إلى إحياء التيار السياسي القومي أو بالأحرى عودة نشاط حزب البعث حتى لو أصبح تحت قيادات معتدلة. ومن المفاهيم الأخرى بشأن أهداف الاتفاقية الشاملة تعزيز التوجه الديمقراطي في العراق ومن ثم رفض العودة إلى أسلوب القوة أو الانقلاب العسكري سواء بالنسبة للحكومة الحالية التي واجهت ولا تزال اعتراضات من بعض قوى الطيف السياسي العراقي على خلفية تعثر خططها الأمنية وعدم قدرتها على حل الميليشيات الحزبية العسكرية واعتمادها منطق المحاصصة في إدارة الحكم، وكذلك عدم وضوح الرؤية المستقبلية بشأن توزيع ثروة النفط. ومنها أيضا وفقا لتصريحات المالكي التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن العراق في حال وقوع عدوان خارجي عليه، وبدعم العراق في مكافحة الإرهاب بما في ذلك تنظيم القاعدة وأنصار صدام حسين «وعصابات الجريمة المنظمة» حسب تعبيره.
وبوجه عام فإن الاتفاقية المنتظرة ذات شقين أحدهما أمني يتعلق بتنظيم الوجود العسكري الأمريكي في العراق بداية من العام المقبل ودون تحديد أجل زمني لذلك، بما يعنى أن ما سيتم الاتفاق عليه في هذا الصدد سيكون طويل الأمد. وشق آخر لا يقل أهمية هو إقامة تعاون استراتيجي بين العراق والولايات المتحدة يمتد للمجالات السياسية والاقتصادية والثقافية من الأرجح أنه سيعكس رغبة واشنطن في ضمان تدفق النفط العراقي لسنوات طويلة مقبلة واحتكار الشركات الأمريكية لمشروعات إعادة التعمير خصوصا مع تفعيل الالتزامات الدولية بشأن إسقاط ديون العراق القديمة والشروع في إعادة البناء في كل قطاعات الحياة، وكذلك تفعيل تيار الإصلاح السياسي والثقافي الذي يحقق مقولة جورج بوش بأن يصبح العراق نموذجا للتغيير في الشرق الأوسط.
ومن حق الحكومة العراقية أن تعلن أنها لا تشعر بغضاضة وهي تقوم بالتفاوض حول هذه الاتفاقية، فالعراق بحاجة ماسة لاستتباب الأمن، وخروج القوات الأمريكية تماما سيدفع العراق إلى المجهول بالنظر إلى استمرار وجود تنظيمات للعنف واحتمالات تجدد الصراع الطائفي ومحدودية قدرات الجيش العراقي الجديد وكذلك قوات الأمن الداخلي، ومن ثم فإن حاجة العراق للجانب الأمني في هذه الاتفاقية تصبح ضرورية، خصوصا مع فشل إيجاد البديل سواء في شكل قوات إسلامية أو عربية وعزوف الجانب العربي عن الانغماس في الحل الأمني بالعراق منذ بداية الأزمة. وقد سمعت أكثر من مرة على لسان مسؤولين عراقيين ومن بينهم هوشيار زيباري وزير الخارجية أن العرب تأخروا كثيرا في نجدة العراق ولم يفعلوا دورهم هناك في أي مجال. وبغض النظر عن صحة أو خطأ هذا التقدير، فإنه يبدو ان بعض القيادات العراقية الحاكمة لا تتحمس بأن يكون للعرب دور مؤثر في الحياة السياسية العراقية ويفضلون أن يظل الدور العربي مكملا أو مساعدا للدور الأمريكي هناك. كما أنه من حق هذه الحكومة أن تتعامل مع هذه المفاوضات بعيدا عن أي حساسيات تتعلق بالسيادة. فقد جاءت هذه الحكومة عبر انتخابات ديمقراطية وبلادها عضو في جامعة الدول العربية والأمم المتحدة« وفي هذا الصدد أكدت الحكومة الأمريكية أن مفاوضات الاتفاقية تجري بين طرفين سياديين يملك كل منهما القدرة على الموافقة أو الرفض. ومن المعروف أنه إذا ما تم التوصل إلى هذه الاتفاقية فإنها ستعرض على البرلمان ولن يكون فيها محتوى سرى وفقا لما يترشح من تأكيدات من الجانبين هذا فضلا عن أنها تجرى أساسا برغبة وموافقة من الطرفين ودون إكراه من الجانب الأمريكي.
ولكن المفاوضات يعتريها القلق من الجانب العراقي سواء من قبل الحكومة أو القوى السياسية المشاركة وغير المشاركة في الحكم، وتواجه عقبات قد يؤدي عدم تذليلها إلى انفجار أمني وسياسي يعيد العراق إلى نقطة الصفر مرة أخرى. ووفقا لما نشرته جريدة الحياة اللندنية 3 يونيو الحالي فإن الحكومة العراقية تميل إلى تقييد الحركة الأمريكية مستقبلا، خصوصا في الجانب الأمني بينما يميل الجانب الأمريكي إلى توسيع حرية الحركة أمامه في هذا الجانب تحديدا. والتقييد ينصرف إلى رغبة الحكومة العراقية في مباشرة السيادة كاملة وغير منقوصة بغض النظر عن طابع الوجود الامريكي، وهي إن كانت ستوافق على ترتيبات أمنية في الأجل المنظور والمتوسط بسبب استمرار عدم الاستقرار ومحدودية القوات العراقية، فإنها لا تريد أن تقبل ترتيبات أمنية طويلة الأجل ولا تخضع للمراجعة مستقبلا. ولكن الجانب الأمريكي يطرح ترتيبات واسعة النطاق ويخضع تفسيرها لما يراه هو في أي وقت ويجعل أمر تنفيذها بعيدا عن أي تدخل من الحكومة العراقية. وحتى على الصعيد المتعلق بالإرهاب فإن الدعم المنتظر من جانب الولايات المتحدة يتوقف على ما تعنيه هي بالإرهاب لتترك لنفسها حرية الحركة في مسائل الاعتقال وكيفية حماية قواتها هناك مستقبلا، دون أن يكون للحكومة العراقية دور في مسائل شائكة كهذه. وبينما تريد هذه الحكومة قواعد أمريكية مؤقتة تريد واشنطن لهذه القواعد أن تتمتع بصيغة الدوام وبما يحقق لها السيطرة الجوية والبرية والبحرية. وكلا الطروحات يكشف عن وجود هوة في المواقف سببها أساسا شعور العراق الجديد بأنه كامل السيادة . ولذلك فإن واشنطن تتعامل مع الموقف واقعيا بالنظر له على أنها صاحبة الدور الأساسي في إقامة العراق الجديد والقوة النافذة في المجتمع الدولي ومنظمته الدولية القادرة على تمرير أي إجراءات تحقق أهدافها المطلقة في السيطرة الأمنية والسياسية والاقتصادية على العراق.
إلا أن المسكوت عنه في هذا الاختلاف هو العلاقة مع إيران مستقبلا، فمن يتابع كل تصريحات المسؤولين العراقيين يلمس اقتناعا لديهم بأن العلاقة معها مستقبلا يجب أن تكون في إطار الصداقة والتعاون ومن ثم فإنه يصعب على العراق الجديد أن يقبل باتفاقية استراتيجية تجعل من هذه العلاقة مستقبلا علاقة صراع وعداوة مستترة يمكن أن تتفجر صراحة في أي وقت. وبالمقابل فإن التدليل على الموقف الأمريكي المناهض لإيران في العراق لا يحتاج إلى بيان. وقد فسرت قطاعات نافذة في الشعب العراقى مفاوضات الاتفاقية على أنها موجهة إلى إيران بالدرجة الأولى لأنها تفرض ترتيبات أمنية دائمة وواسعة النطاق بما يعني أن العراق قد يجد نفسه منصة وساحة للمواجهة العسكرية المحتملة بين واشنطن وطهران. ويضاف إلى ذلك أن عنصر الوقت أصبح ضاغطا على واشنطن فهي تدفع بالتسرع في توقيع هذه الاتفاقية حتى لا تداهم الانتخابات الأمريكية في نوفمبر المقبل دون التوصل إلى تصور حول الوجود العسكري والاستراتيجي لأمريكا في العراق. وتحت ضغط عامل الوقت وفي ظروف عدم التوازن في القوى بين بغداد وواشنطن فإن مخاوف العراقيين حكومة وشعبا تبدو مبررة حيث تشير إلى أن واشنطن تريد فرض أمر واقع على العراقيين لن يقبلونه برغم عدم اعتراض غالبيتهم من حيث المبدأ على علاقات التحالف معها مستقبلا. وقد توافق السنة والشيعة معا لأول مرة حول رفض مسودة مشروع الاتفاقية واضطر المتحدث باسم الحكومة العراقية على الدباغ إلى الإعلان بأن المفاوضات لا تزال في مرحلة مبكرة في محاولة من الحكومة لامتصاص الرفض الشعبي للاتفاقية، وزاد على ذلك بالإشارة إلى أن الحكومة تبحث عن بدائل أخرى ومنها توقيع اتفاقية تعاون أو البقاء تحت حماية الأمم المتحدة. وبرغم أن مسؤولي الحكومة لم يكشفوا عن المقصود باتفاقية التعاون إلا أن المفهوم منها الحد من طلبات الجانب الأمريكي وحصرها في أوجه معينة مؤقتة، كما أن ما يفهم من البقاء تحت حماية الأمم المتحدة هو القبول بشكل جديد من الوصاية الدولية التي لا تسمح للولايات المتحدة بحرية الحركة. واللافت أن الحكومة العراقية لا تريد أن تطرح قضية المستقبل الأمني والسياسي للعراق على جامعة الدول العربية أي تفتح الباب لحل عربي يغنيها عن مخاطر التدخل الأجنبي السافر كما هو واضح من المطالب الأمريكية، وكلها إشارات من الحكومة العراقية هدفها تهدئة مخاوف القوى السياسية العراقية الرافضة للاتفاقية، ولا تصل في حقيقة الأمر إلى التراجع الحكومي عن توقيعها، فقط يجرى العمل على تحسين شروط الاتفاقية وإقناع الأطياف السياسية العراقية بقبولها من خلال حوار واسع النطاق معها والدخول في مساومات أو صفقات سياسية مع هذه الأطراف لتذليل أوجه الرفض، بالإضافة إلى تأمين موافقة الجانب الإيرانى، وتلك مسألة بالغة التعقيد، وأما الحديث عن حماية للأمم المتحدة أو تخفيض سقف الاتفاقية فإنه مستبعد بحكم العلاقة القوية التي تأسست بين العراق الجديد والولايات المتحدة. ويتبقى على الأطراف العربية والإقليمية وتحديدا إيران وإسرائيل وتركيا أن تدرس آفاق علاقاتها المستقبلية مع الولايات المتحدة في حالة إقرار هذه الاتفاقية والأرجح أنها ستصب في اتجاه تعزيز النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط لسنوات عديدة مقبلة.

  رجوع