ما هو أعظم تحد أخلاقي يواجه العالم قياسا على
قدرة ذلك التحدي على احداث ماساة انسانية؟ في
اعتقادي ان ذلك التحدي لن يكون هو الاحتباس
الحراري الذي ستنتج اثاره إذا كانت بالسوء
المتوقع على مدى عدة سنوات مما سيتيح للناس
وقتا كافيا للتكيف معها. ويمكن ان يقال ان ذلك
التحدي يتمثل في الانتشار النووي والذي يهدد
بتسبيب هلاك للنفوس لا يمكن تصور ضخامته
وانهيار لاقتصاد العالم. ولكني ازعم ان اشد
تحد اخلاقي الحاحا في الوقت الحالي هو ذلك
التحدي الاكثر وضوحا. انه الفقر العالمي. يوجد
الآن حوالي 6 بلايين شخص تقريبا على كوكب
الارض. ويقول البنك الدولي في عام 2004 كان
هنالك حوالي 2,5 بليون منهم يعيشون على
دولارين او اقل في اليوم .وبحلول عام 2050
ربما سيزيد اجمالي سكان العالم بحوالي 3 بليون
شخص اضافي. والعديد من هؤلاء سيكونون فقراء
على نحو مماثل. ان ما يربك الذهن ويثير
الاحباط في شأن الفقر المدقع هو ان معظم
العالم كان قد تخلص منه . ففي عام 1800 كان كل
شخص تقريبا في وضع بائس وفقير ولكن العالم
المتقدم قضى على الجوع والتشرد والحرمان
المادي. الحل لوضع الفقر هو ان يصير المرء
غنيا. انه النمو الاقتصادي . اننا نعرف ذلك.
والسر الخفي عن الادراك هو في لماذا ان كل
المجتمعات لم تتبن ذلك العلاج الواضح. وقبل
فترة قليلة فقط تولت القيام بتفحص هذا اللغز
لجنة مختصة بالنمو والتنمية مكونة من 21 عضوا
منهم اقتصاديان حاصلان على جائزة نوبل ورئيسا
وزراء سابقين لكوريا الجنوبية وبيرو ورئيس
سابق للمكسيك. ووجدت اللجنة انه منذ عام 1950
حقق اقتصاد 13 بلد نموا بمعدل سنوي بلغ 7٪
وذلك على مدى 25 عام على الاقل. وهذه البلدان
هي سلطنة عمان وبوتسوانا والبرازيل والصين
وهونج كونج واندونيسيا واليابان وكوريا
الجنوبية وماليزيا ومالطة وسنغافورة وتايوان
وتايلاند. وبعض هذه المكاسب كان مثيرا للدهشة
. ففي الفترة من عام 1960 وحتى 2005 ارتفع
معدل دخل الفرد فيكوريا الجنوبية من 1100
دولار الى 13200 دولار. وبدات بلدان اخرى من
مستويات شديدة التدني بحيث ان النمو الاقتصادي
السربع الى جانب كبر حجم سكانها ابقى على قدر
كبير من الفقر في اوساطهم. في عام 2005 بلغ
متوسط الدخل الفردى في اندونيسيا 900 دولار
فقط مرتفعا من 200 دولار في عام .1966 ورغم
ذلك فان اقتصاديات هذه البلدان حققت تقدما
كبيرا. وقد توصلت اللجنة الى تحديد خمسة عناصر
مشتركة بين هذه البلدان كانت تكمن خلف هذا
النجاح. وهي:
- الانفتاح على التجارة الدولية مع الولع
الشديد باجتذاب الاستثمار الاجنبي
- والاستقرار السياسي ووجود حكومات «قديرة»
و«ملتزمة» بأحداث النمو الاقتصادي رغم ان
بعضها لا تتبنى نمطا ديمقراطيا في الحكم (
فالصين وكوريا الجنويية واندونيسيا حققت نموا
دون انظمة دمقراطية).
- تحقيق معدلات ادخار واستثمار عالية تكون
عادة بما لا يقل عن 25٪ من الدخل القومي.
- الاستقرار الاقتصادي من خلال ضبط الميزانيات
الحكومية والتضخم وتجنب حدوث انهيار واسع في
الانتاج.
- ثم الرغبة في « ترك الاسواق كى تخصص هي
بنفسها الموارد» وهو ما يعنى ان الحكومات لم
تحاول ادارة الصناعة. وبالطبع هناك الكثير من
الاستثناءات . فبعض البلدان نجح مع وجود
معدلات تضخم عالية تصل الى مابين 15٪ الى 30٪.
وسعت البلدان الآسيوية بقيادة اليابان لتحقيق
نمو يقوده قطاع التصدير مع سياسة الابقاء على
قيمة اقل للعملة الوطنية وتفضيل صناعات معينة
على صناعات اخرى. ان مفهوم الحكومة الجيدة هو
مفهوم نسبي. فبعض المجتمعات سريعة النمو يسمح
بحدوث الكثير من الفساد. ورغما عن هذا فان
الدروس العامة من هذه التجربة واضحة (لمن يريد
ان يتعلم منها). اول هذه الدروس ان العولمة
مفيدة. ان الدول لا تصبح غنية بتفضيل العزلة.
فتلك الدول التي تحتضن التجارة والاستثمار
الاجنبي تحصل على المعارف الفنية والتكنولوجيا
ويمكنها شراء منتجات متقدمة من الخارج. كما
انها تجد نفسها مجبورة على تحسين قدراتها
التنافسية. ان نقل الافكار والمنتجات الجديدة
يحدث الان بسرعة اكبر من اي وقت مضى. فقد
احتاج التلغراف بعد اختراعه الى 90 عاما
لينتشر في اربعة اخماس العالم النامي.
أما بالنسبة للهاتف المحمول فلكي يفعل ذلك
احتاج الى 16 عاما فقط. ثانيا ان الهبات التي
تأتي من الخارج ليس بمستطاعها انقاذ البلدان
من الفقر. هنالك دور للعون الاجنبي والمساعدات
الفنية وأعمال الخير الخارجية في التلطيف من
وطأة الفقر العالمي. ولكنه دور صغير. يمكن
لهذه الأشياء تحسين الأوضاع الصحية والتخفيف
من المعاناة من الكوارث الطبيعية والحروب
واتاحة بعض انواع المهارات. ولكنها لا تستطيع
بمفردها تحفيز السياسات والعادات التي تعزز من
النمو المرتكز على الذات. لقد حققت اليابان
والصين (وهي أمثلة سهلة) نموا سريعا ليس لأنها
تلقت عونا اجنبيا ولكن لأنها طبقت سياسات
تنموية واحتضنت قيما منحازة للنمو. السؤال
الصعب والذي تجنبته اللجنة هو لماذا لم تتبن
كل الدول هذه العناصرالخمسة المحفزة للنمو؟
أحد الأسباب هو السياسة. فبعض الانظمة الحاكمة
مهتمة اكثر بالحفاظ على سلطته وامتيازاته اكثر
من اهتمامه برعاية النمو. ولكن الاجابة الأكبر
تكمن كما اعتقد في الثقافة على النحو الذي
يقول به لورنس هاريسون من جامعة تفتس. فالقيم
التقليدية والانظمة الاجتماعية او الاراء
الدينية عادة ما تكون معادية لنزعة المخاطرة
وتراكم الثروة والنمو الاقتصادي. ففي كتابه
الاخير بعنوان « الحقيقة اللبرالية المركزية»
يحاجج هاريسون بان السياسة يمكنها تغيير
الثقافة. ولكن ذلك لن يكون امرا ميسورا.
للعولمة ابعاد اخلاقية بجانب ابعادها السياسية.
فالولايات المتحدة وبلدان أخرى تعاني من رد
فعل مضاد للعولمة. بالطبع من حق الامريكيين
والاخرين حماية انفسهم من الاذى الاقتصادي
ولكن العديد من الاتهامات التي تطلق ضد
العولمة مبالغ فيها الى حد غير معقول. فاليوم
مثلا تجد ان اكبر معرقل للاقتصاد الامريكي، أي
ازمة المساكن، هي مشكلة محلية اساسا. بتحويل
العولمة الى مشجب لكل شيء غير مستحب فاننا في
الواقع نقوض اقوى قوة قادرة على ازالة الفقر
في العالم.
قسم الترجمة- عُمان