منوعات....

نوافذ
الواقع العربي ومسألة الجذور
يكتبها: عبدالله بن علي العليان


ناقش الدكتور فهمي جدعان في كتابه (الطريق إلى المستقبل) منذ عدة سنوات ما قاله بعض الباحثين حول تعليل الإخفاق العربي تاريخياً، وان الأسباب الكامنة في هذا الإخفاق والتردي مرده إلى (الجذور المجتمعية الضاغطة)، وتأثير القبيلة العميق في التاريخ السياسي العربي فيرد على هذا التفسير بقوله:(الحقيقة هي أننا نعقد الأمور على أنفسنا كثيراً، إن نحن توخينا باستمرار العودة إلى الوراء عشرين أو ثلاثين قرناً أو أكثر من أجل أن نفهم واقع الأحداث، التي تجري أمامنا. والذي نخشاه هو أن يترتب على ذلك التهوين من خطورة الطاقات والإمكانيات والانفعالات والرغبات والمنافع والوقائع المحدثة والإرادات الذاتية ـــ الطيبة أو الرديئة ـــ لأولئك الذين يفعلون ويوجهون أقدار مجتمعاتهم ودولهم في ضوء هذه المعطيات.
ويختلف د. جدعان مع رؤية هؤلاء في رد أزماتنا إلى الجذور المجتمعية القديمة في خط ممتد بين الماضي والحاضر، في شبه رفض لهذه الرؤية فيقول: يتعذر علي أن أفسر وقائع الإخفاق الكبرى التي أدت إلى أزمة الآفاق المسدودة خلال العقود الحاسمة من هذا القرن، ببؤر متحكمة في طباع عرب الجاهلية سواءً أكانوا قيسية أم يمانية أم غير ذلك من هذه القبائل التي لم تعد تثير نفوسنا ،إلا ذكريات هشة غامضة الملامح: ما الذي يأذن لنا بأن نرد (الفعل السياسي) الذي أدى إلى الكارثة المشهودة في السادس من يونيو من عام 1967م إلى عقلية مضر أو قيس أو غيلان أو الفراعنة أنفسهم؟ وهل ينبغي علينا أن نرجع إلى عقلية (داحس والغبراء) لتفسير الكارثة الكبرى الثانية التي حدثت في الثاني من أغسطس من عام 1990
وما ترتب عليها من مصاعب ورزايا وتطورات، اعترت الكتلة العربية برمتها وجملة الأوضاع الإستراتيجية التي حكمت خلال نصف قرن، العلاقات المركزية والمحورية في الجناح الشرقي من العالم العربي؟.
ويعتقد أن هذه الأحكام ـــ انطباق سلوكيات العرب الراهنة على العقلية العربية القديمة ـــ عقلية القبيلة والعشيرة في أفها مها وطبائعها وأفكارها ونهجها، على الرغم من أننا نعيش في القرن الحادي والعشرين، من الصعب الاقتناع به كسلوك متأصل لدى العرب، وتركيبات مجتمعية ثابتة، لكن «إذا كانت مسالك الناس من حولنا محكومة بالعقلية القبلية مثلاً، فليس ذلك لأن هؤلاء الناس هم بالجوهر والماهية ذوو عقليات قبلية بالطبع، وإنما على وجه التحديد لأن الدولة التي تقوم على شؤونهم تريد لهم لسبب تعرفه الدولة نفسها ـــ ويمكن لغيرها أن يعرفه ـــ أن يكونوا كذلك، وإلا فليس عليها أقل من أن تلغي بعض القواعد والأحكام والقوانين بضربة واحدة ـــ طالما أنها تفعل ذلك في ميادين أخرى وتنجح ـــ وذلك ليتسنى تغيير المسار والحراك واستشراف مستقبل آخر. وإذا كانت الغالبية العظمى من الأفراد تنحو في مسلكها الاجتماعي منحىً مضاداً أو مناقضاً للسلوك الديمقراطي المتحضر، فليس ذلك لأن في هؤلاء الأفراد كروموزومات ثقافية أو بيولوجية عمرها عشرون أو ثلاثون قرناً أو ما شاء الله، وإنما لأنهم عادات وأخلاق وأنماط سلوك في المنزل والشارع، وفي السوق وفي المدرسة، وفي الحياة العامة، مناهضة لذلك السلوك، وذلك منذ سنوات العمر الأولى. دليل ذلك أنه يكفينا أن نضع هؤلاء الأفراد، منذ تلك السنين الأولى، في بيئة ثقافية اجتماعية، يسود فيها سلوك متباين حتى يترعرع هؤلاء الأفراد، على نحو آخر بـ (عقليات) مباينة لتلك التي كان يمكن أن تتلبسهم ولو أنهم بقوافي ذلك الكهف القديم.
إذا أفعالنا وسياساتنا، هي ثمرات هذا التخلف، وهذا التراجع النهضوي والتشرذم السياسي، الذي أصبح سمة مميزة يشار إليها بالبنان، وتستغل عالمياً لمصالح وأهداف مغايرة لأهداف هذه الأمة وتصوراتها. وهذا بلا شك نتيجة لسياسة الدولة الحديثة من خلال تبنيها للنظريات الليبرالية والماركسية والقومية (البسماركية) الأوروبية، بعد الاستقلال، وربما البعض استغل بعض هذه الافكار المستوردة ودمجها في عقلية القبيلة، لكن من غير المنطقي رد هذه كل هذه ألإخفاقات إلى الجذور والترسبات القديمة، والتركيبات المجتمعية، وعقلية القبيل .. الخ.
القضية تتعلق بالممارسات السياسية وليس بالجذور المجتمعية أو غيرها من الموروثات كما يرى البعض الذين يعتقدون بهذه الرؤى، ولذلك نحن نرى أن هذه الآراء تحتاج إلى مراجعة عقلانية ونظرة فاحصة لكل السياسات والسلوكيات حتى يمكن أن مكامن الإخفاق وتجذراته العميقة.