ليس من المبالغة في شيء القول أن الاجتماعات
التي بدأت أمس الأول في إطار قمة كوبنهاجن،
والتي تشارك فيها أكثر من مائة وتسعين دولة من
دول العالم هي من أكثر الاجتماعات أهمية ليس
فقط بالنسبة لحاضر كل دول وشعوب العالم
ومستقبل البشرية كذلك، ولكن أيضا لان هذه
الاجتماعات تنطوي على العديد من الدلالات التي
ينبغي الوقوف قليلا أمامها.
ولعل من ابرز ما تحمله اجتماعات قمة كوبنهاجن
من دلالات، انها تعكس الاهتمام الكبير
والمتزايد على المستوى الدولي بالقضايا ذات
الصلة بحماية البيئة، وبمناخ كوكب الأرض خلال
المستقبل القريب والبعيد كذلك. وإذا كان هذا
الاهتمام الدولي الواسع المتمثل في حرص الأمم
المتحدة على بحث ومناقشة هذه القضايا، حيث
عقدت العديد من الاجتماعات والقمم المعنية
بقضايا الأرض والمناخ والبيئة، يشير بوضوح إلى
ادراك مختلف دول العالم المتقدمة والنامية
للتأثيرات التي تتركها او تسببها التغيرات
المناخية على حياة العديد من الشعوب، وعلى
استقرارها وفرص تطورها الاقتصادي والاجتماعي،
بل واحيانا على فرص وجودها ذاته، فإن المشاركة
الواسعة ورفيعة المستوى لأكثر من 192 دولة،
ومشاركة العشرات من رؤساء الدول ورؤساء
حكوماتها وكبار مسؤوليها في مداولات قمة
كوبنهاجن هي بمثابة إقرار عالمي واسع وملموس
بالأهمية المتقدمة لقضايا المناخ والبيئة
محليا وإقليميا وعالميا أيضا.
وإذا كانت السنوات الأخيرة قد أظهرت بوضوح
المدى الذي يمكن ان تحدثه التقلبات المناخية
من آثار ، وهي في معظمها غير سارة، واحيانا
أكبر بكثير من قدرة الدولة او بعض الدول التي
تتعرض لها على التصدي لها بمفردها، او استيعاب
آثارها بالاستناد إلى مواردها الذاتية فقط -
والأمثلة في هذا المجال أكثر من أن تحصى – فان
الأخطر من ذلك هو أن قضايا المناخ والبيئة
والاحتباس الحراري أصبحت ضمن قضايا السلم
والأمن الدولي، أكثر من أي وقت مضى، وذلك
بالنظر لما يمكن ان يصاحب المشكلات المترتبة
عليها من تهديدات للسلم والاستقرار بين دول
مناطق عديدة في العالم، سواء بفعل مخاطر شح
المياه وتزايد احتمالات الجفاف في مناطق واسعة
من العالم من ناحية ، او بسبب الرغبة في
الاستحواذ احيانا على مصادر دولية للمياه، او
الرغبة في إعادة التفاوض بشأن حقوق الدول
المطلة على انهار دولية من ناحية ثانية ، او
بسبب تدفقات ملايين اللاجئين عبر الحدود بفعل
المجاعات التي يتزايد نطاقها أكثر من ذي قبل،
او بفعل الآثار المدمرة للسيول التي تطال هذه
المنطقة من تلك من العالم من ناحية ثالثة،
وكلها أسباب تحمل بالفعل مزيدا من التهديد
للسلم والأمن الدوليين وبالتالي التأثير على
استقرار العديد من الدول والمناطق في العالم،
الآن وفى المستقبل.
وإذا كانت دول العالم ومنظماته الإقليمية
والدولية تلتفت الآن باهتمام إلى قضايا المناخ
والبيئة، فإنه تجدر الإشارة إلى أن السلطنة
وبفضل بعد النظر والرؤية الشاملة لحضرة صاحب
الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم - حفظه
الله ورعاه - كانت من أوائل الدول التي تنبهت
إلى هذه القضايا واعتنت بها، ليس فقط على
الصعيد المحلي، ولكن أيضا على الأصعدة
الإقليمية والدولية، ومن منطلق المسؤولية
المشتركة للحفاظ على البيئة وعلى كوكب الأرض
أيضا، ومما له دلالة عميقة في هذا المجال ان
جائزة السلطان قابوس الدولية لصون البيئة،
التي تمنح كل سنتين من جانب منظمة اليونسكو،
مضى عليها هذا العام عشرين عاما على تفضل
جلالة السلطان المعظم بها خلال زيارة جلالته
لمقر اليونسكو عام 1989.
ومع ازدياد حدة التأثيرات المناخية فان دول
العالم جميعها مدعوة للعمل معا وبكل إخلاص
وجدية من أجل تقليل الانبعاثات الحرارية والحد
من انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون في الجو،
والاتفاق على خطوات عملية ومحددة لتحقيق ذلك
حفاظا على كوكبنا وحماية لحياة واستقرار كل
شعوب العالم أيضا.