الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

مراس
في ضوء القنديل
يكتبها اليوم: محمد الحضرمي

∎ أشعلت أمِّي القنديلَ بعد أن فركت زجاجته بخِرقةٍ ناعِمَة أعَدَّتها لهذا الغرض، الحَلقُ الأسودُ ــ الكربون ــ يَطفو على سَطح الزجاجة مانعا تبدد الضَّوء، تأكدَت أمِّي مِن صَلاحية الفتيلة، ذيلها لا يَزالُ يَسبَحُ في بَطن السِّراج، ويَعُومُ في (حل التراب) ــ الكيروسين ــ كسَمكة ميتةٍ، طرفها الثاني يظهرُ منه نتوءٌ صَغيرٌ سَوفَ تشتعِلُ فيه النار، ليبدُو للعَين أشبَه بنجَمةٍ مضيئة، أو جَمرةٍ متقدة.
∎ هل عادَ أبوكَ من المَسجد؟ قالت أمِّي.
أجبتها أنه سيتأخرُ ما لم أنادِه، أدركت رغبتي في الخروج للقاء أصْحابي عند (وقبة الفلج)، حَذرتني من التأخير، وخوفتني من عَصا أبي الذي كلَّ منه ظهري، هرولتُ سَريعا كي ألحقَ بهم، فقد عادوا لتوِّهم من المَلعَب، بعد نصفِ ساعةٍ عدتُ إلى البيت، كان أبي قد سَبقني الدخول، طلبَ مني أن أناوله (المخرافة) المُعلقة في الوتد، كانت مَملوءة بـ(بطيخ السِّيح) الذي ينمُو عادة من غير غرْس في المَساحةِ التي تترك بلا زراعَة، كل حَبةٍ منه بحَجم بيْضَة، تماما يشبه البيض في استدارته، وكنا نتسابقُ في قطافه، ونتلذذ بفقسِه في أفواهِنا، وكانت له رائِحة زكية نشمُّها من بَعيد.
∎بَطيخ السِّيح لم يَعُد ينمُو كما كان، يبدو أنه الآن في ذاكرة الأرض وخيال المزارعين، ربما لأننا لم نعُد نبحَث عنه، أو لأننا هَجَرنا مزارعنا، فيما يصِرُّ أبي أنه شكلٌ من أشكال البَركة التي مُحِقت، وما عادَت تخصِب الأرضَ والحَياة والنفوس، هناك في تربَة الطفولة، في الأراضِي البَعيدة عن المُخيِّلة، ثمَّة نباتات وكائنات افتقدناها، ولم نعُد نراها في الواقع، فتبدو أشبه بأطيافٍ متكسِّرة، أو كأنها ضربٌ من الخيال، فمن منا يرى الآن (الحُمَّاض) الذي ينمو بعد سقوط المَطر؟، وهل تجني النساء (الرِّجلة) ــ البقلة الحَمقاء ــ لتصنعَ منها وجبة شهية يأكلنها في التعصيرة؟ وأين ذهبَت أسراب الطيور الملونة التي تنزلُ في بعض المَواسِم بكثافة، فتملأ الأشجارَ رقصا والأسماعَ شدوا؟.
∎ المَرَق مع (منسَف) الخبز له لذة لا توصَف، ففي تلك الأيام ما كانت أمهاتنا يعرفن الطبخ بالغاز، كان حَطبُ السُّمر والغاف يتوقد بجَمره بين الأثافي، و(العزاف) لا يُرفع إلا بعد أن نشبَع، كنا نطيلُ في الأكل، ونتلذذ ببقايا الطعام المُتناثر في الجَوانب، فقد تعلمنا أنَّ فيه الخير والبَركة، عمَّتي تسرُدُ حكاياها القديمَة مع صَديقاتها اللائي أصبَحن عَجائز مثلها، بما يؤكد أن ذاكرة النساء نشِطة دائِما حتى في سِن الشيخوخة، يا ترى من أين لعَمتي كل هذه الحِكايات؟ فقد كانت تأخذنا إلى عوالم بهيجة من الجَمال، بتفاصيلها وغرائبيتها.
∎ (رمْسَة العتيم) لا يكدِّرُ صفوها إلا الدُّرُوس والواجباتِ المَدرسية، لذلك سأنتحي بالقنديل جانبا، وأبدأ في تقليب كتبي، أقرأ هذا الدَّرْس، وأحفظ ذلك النشيد، وأحاولُ أن أسترجعَ جَدولَ الضَّرب العَصِي عن الحِفظ، والذي أطلقَ العنان لأيادي المُعلمين كي يشبعُونا بسَببه ضَربا، مَضَت أكثر مِن سَاعَة، مَضَت ساعات مِن عُمر الليل، عَينايَ متورِّمتان يَسكنهُما النومُ، والقنديلُ على وشكِ الانطفاء، وقليلا قليلا يغور، مثلما ينطفئُ القمَرُ المُعلقُ في قبَّة السَّماء.

  رجوع