الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

قلب أمريكا يدق يسارا
عبدالعظيم حماد
نائب رئيس تحرير الطبعة العربية للأهرام


«وبما أن السيناتور ماكين، يبقى امتدادا للقيم الرئيسية في الفكر الأمريكي المحافظ، فهو من أشد المعارضين للإنفاق الاجتماعي العام، وهو كان أيضا من المحركين لغزو العراق، وقد لا يعرف الكثيرون أنه الشريك الثاني الرئيسي في تقديم قانون تحرير العراق إلى الكونجرس، وهو الرجل الذي لم يجد ما يقدم به نفسه للشعب الأمريكي كسيرة ذاتية إلا عنوان » إيمان آبائي« تأكيد لانتمائه على »القديم«، فإن المرجح إذن أن تكتسحه بسهولة ثورة أوباما»
ستكون مجازفة من جانبنا، أن نتنبأ - منذ الآن - بأن باراك أوباما هو الرئيس الأمريكي المقبل، ولكن هذا هو الأرجح، وقد سبق أن رجحنا أنه سينتصر على هيلاري كلينتون، ويفوز بترشيح الحزب الديمقراطي، وذلك في مقال هنا منذ عدة أسابيع، كان بعنوان: من روزفلت إلى أوباما.
السبب الذي من أجله رجحنا فوز أوباما على كلينتون، هو السبب نفسه الذي نرجح من أجله فوزه على السيناتور جون ماكين في السباق إلى البيت الأبيض، بعد أن اكتسبت القوة الدافعة لظاهرة «أوباما» زخما جديدا هائلا بحسم المعركة الحزبية لصالحه، هذا السبب هو تحرق أغلبية الشعب الأمريكي شوقا إلى نموذج دولة السوق الاجتماعية، التي سبقت إليها الدول الصناعية في أوروبا الغربية، كما قلنا في المقال السابق الإشارة إليه، فإن إرهاصات الشوق إلى هذا النموذج ظهرت، وطبق بعضها في رئاسة فرانكلين روزفلت عقب الكساد الكبير في أوائل ثلاثينيات القرن الماضي، ولكن التحول إلى هذا النموذج، كان يتقدم خطوات، ثم ينتكس أخرى، بفعل عوامل عديدة، أبرزها التراث المحافظ لولايات الجنوب والغرب الأوسط، وتفوق الأقوياء على الفقراء في التنظيم، والتمويل، وإتقانهم إدارة الحملات السياسية والإعلامية، وبحكم منطق الأمور أسهم الصراع الإيديولوجي في فترة الحرب الباردة في الحفاظ على تماسك «القضية المحافظة»وأنصارها، ومضمونها باختصار في العرف الأمريكي هو تقليل دور الحكومة الفيدرالية، وحكومات الولايات كذلك في إدارة الاقتصاد، وشؤون المجتمع إلى أدنى حد ممكن.
الجديد الذي جاء مع ظاهرة أوباما هو بروز دور جيل ما بعد الحرب الباردة، الذي يدق قلبه يسارا اقتباسا من عنوان كتاب السياسي الاشتراكي الألماني أوسكار لافونتين عن سيرته الذاتية، ذلك الجيل الذي لم يحسب له منافسوه الحساب اللائق مع أن كل أمريكي فوق الثانية عشرة، وتحت الخامسة والعشرين من العمر، لم يشهد الحرب الباردة، ولم يعد يستند إلى معاييرها، أو ذكرياتها في تكوين مبادئه، وهؤلاء يمثلون نحو 40٪ من الناشطين السياسيين في الولايات المتحدة.
إن هذا الجيل هو الذي صنع ظاهرة أوباما، كما أن أوباما نفسه هو تعبير عنه لذا كان الشعار الرئيسي لحملته الانتخابية هو التغيير، ومع أن خصومه في الحزبين استخفوا بالشعار، فإنهم فوجئوا، ولا يزالون متفاجئين، بأن الدعوة إلى التغيير اجتذبت ملايين الشباب إلى السياسية مرة أخرى، وأن التغيير قد بدأ بالفعل متبلورا في ظواهر متعددة تنبثق كلها من الظاهرة الأصلية، ظاهرة أوباما وجيله، فهذا السيناتور الأسود، المولود من أب كيني مسلم، الذي لم يمض على وجوده في مجلس الشيوخ أكثر من ثلاثة أعوام، تفوق على المرشحين المخضرمين البيض جميعا،في تأمين التمويل اللازم لحملته الانتخابية من تبرعات تافهة بالمعايير الأمريكية من المواطنين العاديين، وليس من الشركات وجماعات الضغط التي احتكرت في الماضي تمويل حملات المرشحين لكل المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة.
يظهر الحجم الحقيقي لهذا التغيير، عندما أتذكر حوارا جرى - في إحدى زياراتي للولايات المتحدة في مدينة ممفيس بولاية أريزونا الأمريكية، التي يمثلها في مجلس الشيوخ المرشح الجمهوري جون ماكين، كان الحوار يجري مع مدير الفرع المحلي لمنظمة »القضية ركة esuaC nommoC وهي منظمة أو جماعة ضغط أو egarevA nezitlC بالتعبير الأمريكي تمثل المواطن الأمريكي العادي الذي لا ينتمي لأي من جماعات المصالح، أو جماعات اللوبي المعروفة، يومها قال الرجل:إن أعضاء هذه المنظمة هم الأغلبيةفي أمريكا، وهم الذين لا يهتم بهم أحد من التنفيذيين أو المشرعين في الحكومة، لا لشيء إلا لأنهم لا يمولون المرشحين، مع أنهم يملكون ما هو أهم من المال في أي ديمقراطية، أي الصوت الانتخابي، وقد تأسست هذه المنظمة لتوعية وتعبئة المواطنين العاديين للمشاركة في الحملات السياسية، وفي الانتخابات، من أجل إحداث الفرق المطلوب لصالحهم في السياسة القومية.
ولا شك أن التطورات السياسية والاجتماعية في الولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب الباردة جاءت لتحمل هذه « القضية المشتركة»« إلى أكبر عدد من أولئك المواطنين العاديين بغض النظر عن عضويتهم المسجلة في المنظمة من عدمه وإذا كان بلوغ جيل ما بعد الحرب الباردة من النضج والعقل السياسي هو واحد من أهم تلك التطورات، كما سبق القول، فإن سلسلة الخطايا والكوارث التي ارتكبتها إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، كانت هي الأخرى من أكبر أسباب انتصار القضية المشتركة وهنا أقصد الموضوع أن التيار، وليس المنظمة فقط، إذ كيف يستسيغ المواطن الأمريكي العادي أن تظل أقوى دولة عظمى عرفها التاريخ عاجزة عن انتشال ربع أو خمس مواطنيها من تحت خط الفقر، ويظل ممثلو المصالح والتيارات اليمينية والرجعية قادرين على وأد كل مشروع لتعميم التأمين الصحي والضمان الاجتماعي، بذريعة بالية تخلصت منها الرأسمالية الأوروبية بدءا من نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي أنه لا ينبغي معاقبة الأغنياء على نجاحهم بالأخذ من أموالهم للإنفاق على الفقراء الكسالى، كل ذلك في الوقت الذي اندفعت فيه تلك الإدارة إلى حرب ملفقة التبريرات العراق، كحلقة أولى في مشروع امبراطوري، في عصر هو بطبيعته ضد الامبراطوريات، وفي دولة لا يوافق مواطنها على الموتفي الخارج دون قضية إلا مصالح المجمع الصناعي العسكري، في حين توفر موارد أمريكا ما يكفي لرفاهية الجميع دون هذه التضحيات، ثم إن المغامرة كلها باءت بفشل كبير ومحزن، وانكشفت المسرحية عن تشكيل محدد يضلل الشعب الأمريكي، ومؤسساته، وتجرى المعارضة بإرهاب فكري، وفضلا عن ذلك يركز القوة السياسية في جماعة مصالح أو جماعة إيديولوجية بعينها، وهذا هو أكره ما تكرهه روح الدستور الأمريكي، وطريقة التفكير السياسي في الولايات المتحدة، بل إن أهم مميزات نظام الحكم الأمريكي، وأهم ضمانات نجاحه المطرد منذ الاستقلال هي قدرته الفائقة على استعادة التوازن وهزيمة مراكز احتكار تلك القوة السياسية.
وبما أن السيناتور ماكين، يبقى امتدادا للقيم الرئيسية في الفكر الأمريكي المحافظ، فهو من أشد المعارضين للإنفاق الاجتماعي العام، وهو كان أيضا من المحركين لغزو العراق، وقد لا يعرف الكثيرون أنه الشريك الثاني الرئيسي في تقديم قانون تحرير العراق إلى الكونجرس، وهو الرجل الذي لم يجد ما يقدم به نفسه للشعب الأمريكي كسيرة ذاتية إلا عنوان «إيمان آبائي» تأكيد لانتمائه على «القديم»، فإن المرجح إذن أن تكتسحه بسهولة ثورة أوباما، ومع ذلك يبقى هناك احتمال لا نرى له بوادر حتى الآن، وهي تكتل أصحاب المصالح والمحافظين بكل أطيافهم مع المتعصبين لإنجاح ماكين بوصفه آخر أمل لهم مستخدمين كل ما هو مشروع، وغير مشروع، خصوصا وأنهم يملكون المال والخبرة والنفوذ.

  رجوع